نبيل عبد الأمير الربيعي
ثمة أوطان لا تسكن الخرائط فحسب، بل تستقر عميقاً في الروححتى إذا ما أصابها الخراب شعر الإنسان وكأن التصدع قد أصاب قلبه هو. والوطن الذي يبدأ حكاية البشرية لا يستحق كل هذا التعب، ولا يليق به أن يتحول إلى ساحة تتقاسمها الأيدي العابثة والوجوه التي جاءت من ظلام الطمع والجشع لتقتات على أحلام الناس وآلامهم.
إنه شعور بالغ القسوة أن يطول انتظار الإنسان لسنوات وهو يحدق في أفق كان يظنه ممتلئاً بالضوء، ثم يكتشف في النهاية أن الضوء كان يبتعد كلما اقترب منه. كنا ننتظر وطناً يشبه أحلامنا البسيطة قليل من الأمان، شيء من الكرامة، وفسحة للحياة من دون خوف. لكن السنوات مرت ثقيلة، ومع كل صباح كنا نفقد جزءاً من يقيننا القديم بأن الغد سيكون أجمل.
من كان يتخيل أن الأرض التي خطت الحرف الأول، وعلمت الدنيا كيف تبني المدن وتغني للحياة، ستصبح نهباً للخراب؟ كيف لبلاد كانت مهد الحضارات أن تتحول إلى غنيمة يتقاسمها الطامعون وتنهشها أفواه الفاسدين ؟ كأن التاريخ نفسه يقف اليوم مذهولاً أمام ما جرى لهذه البلاد التي كانت يوماً تتزين بالفن والشعر والمعرفة.
لقد تعبنا من فرط التفاؤل. نعم، أتعبنا الأمل حين بقينا نتمسك به رغم كل الخيبات. كنا نظن أن الوطن أقوى من الانكسار، وأن الغرباء لن يتمكنوا من اقتلاع جذوره، لذلك كنا نسخر أحياناً من مراثي الشعراء وهم يتحدثون عن زمن يُنفى فيه أهل البلاد ويستوطن الغرباء أمكنتهم. لم نكن نصدق أ يوم نشعر فيه بأننا غرباء في مدننا، وأن الأزقة التي حفظت ستنظر إلينا بوجوه متعبة لا تعرفنا.
أي غفلة تلك التي عبر منها كل هؤلاء ؟ كيف استطاع اللصوص أن يتسللوا إلى بيوت الروح، فيسرقوا أغنياتنا القديمة، ويطفئوا ضحكاتنا، ويزرعوا الخوف في حدائق الطفولة؟ لقد أرعبوا حتى الطيور التي كانت تحط مطمئنة فوق أشجارنا، ولوثوا الحقول التي كانت تتباهى بخضرتها، حتى صار الحزن جزءاً من المشهد اليومي.
ومع ذلك، لا نستطيع أن نتوقف عن حب هذا الوطن. فالأماكن التي منحتنا طفولتنا الأولى لا يمكن التخلي عنها بسهولة، حتى لو تغيرت ملامحها. هنا لعبنا صغاراً، وهنا عرفنا صداقات العمر الأولى، وهنا اكتشفنا معنى الفرح والحزن والانتظار. لهذا يبدو الوطن، مهما ابتعد عنا، جزءاً من ذاكرتنا الشخصية، لا مجرد جغرافيا نسكنها.
لقد شابت رؤوسنا ونحن نلاحق حلم البلاد الجميلة كبرنا تحت شمسها القاسية والحنونة معاً، ورغم كل شيء ما زلنا نتأمل صباحاتها كما لو أننا ننتظر معجزة صغيرة تعيد إليها بعض ما فقدته. فالإنسان قد يشيخ، لكنه لا يتعب من الحنين إلى المكان الذي أحبه بصدق.
إن المأساة الحقيقية ليست في الخراب وحده، بل في اعتياد الخراب. حين يصبح الخوف أمراً عادياً، والفساد خبراً يومياً، والخذلان جزءاً من تفاصيل الحياة، ندرك أن الجرح صار أعمق مما نظن. غير أن الأمم التي صنعت التاريخ قادرة، مهما طال انكسارها، على أن تستعيد عافيتها ذات يوم، لأن الذاكرة الحية لا تموت.
سيبقى هذا الوطن، رغم كل ما أصابه، أكبر من اللصوص والعابرين والطامعين. فهؤلاء يجيئون ويذهبون، أما البلاد فتبقى، تحمل أسماء عشاقها الحقيقيين الذين تعبوا من الحروب، لكنهم لم يتعبوا من محبتها. وربما لهذا السبب تحدب لنا نكتب عنها، ونغني لها، ونبكي عليها، لأن الوطن حين يـ قلب لا يغادره أبداً.