التأخي / ساجد خلف
يواجه الإعلام والشبكات الإخبارية الكبرى في الولايات المتحدة اختبارا متجددا في إدارة تدفق المعلومات الحساسة، حيث برزت إستراتيجية“التأطير الوقائي” كأداة رئيسية للموازنة بين تقديم الحقائق ومنع انتشار الذعر العام، بالتزامن مع رصد سلالة نادرة من فايروس هانتا على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي .
وتشير أنماط التغطية الصحفية الحالية للأزمة الطبية إلى تحول ملموس في السياسات التحريرية للصحف والشبكات الأميركية، تهدف بالدرجة الأولى إلى تجنب العناوين المدوية التي قد تؤدي إلى تداعيات اقتصادية مفرطة أو إثارة قلق جماهيري غير مبرر، مستفيدة من دروس إدارة أزمة جائحة كورونا .
ويرى خبراء الإعلام أن وكالات الأنباء تعمدت في صياغة أسطرها الأولى تقديم رسائل طمأنة مدروسة؛ إذ ركزت التقارير على إبراز تصريحات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها التي تؤكد أن “الخطر على الجمهور الأميركي لا يزال منخفضا للغاية”. هذا التوجه التحريري يهدف إلى كبح جماح خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تتغذى عادةً على العناوين الصادمة وتضخيم الأزمات.
وفي إطار التثقيف العلمي لم تكتفِ المنصات الإخبارية بنقل خبر عزل 18 مواطنا أميركيا عائدين من السفينة الموبوءة، بل أفردت مساحات واسعة لشرح الفوارق البيولوجية الدقيقة. فقد حرصت التغطية على توضيح أن السلالة المكتشفة هي “الأنديز” (Andes virus) التي تنتقل بصعوبة وبطء بين البشر، لتمييزها عن السلالات المحلية التقليدية التي تنتقل حصرا عبر فضلات القوارض البرية .
من جانبه قال الدكتور توماس فريدن، المدير السابق لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، “إن الدور الحقيقي للإعلام في هذه المرحلة ليس الصراخ لطلب النجدة، بل تقديم الحقائق بجرعات علمية دقيقة تتيح للمواطن فهم طبيعة الخطر دون المبالغة في تقديره. التعامل الحالي مع الحجر الصحي للمواطنين العائدين كخطوة احترازية ناجحة يعزز ثقة الجمهور في كفاءة النظام الصحي الفيدرالي ” .
وبالتوازي مع رسائل التهدئة يمارس الإعلام الأميركي دوره التقليدي كـ”سلطة رابعة” من خلال توجيه نقد بنيوي للسياسات الحكومية. فقد فتحت بعض التقارير التحليلية، لاسيما في الدوريات الأكاديمية والصحف الليبرالية، ملفات التمويل الفيدرالي للطوارئ، منتقدةً تراجع الدعم المالي لبرامج الجاهزية الصحية العالمية، ما يضع صناع القرار تحت ضغط مستمر لرفع مستويات الاستعداد للأزمات القادمة .
ويمتد تأثير إستراتيجية “التأطير الوقائي” التي تنتهجها الشبكات الإخبارية الأميركية في التعامل مع ملف فايروس هانتا ليتجاوز الحدود المحلية، حيث باتت غرف الأخبار العالمية، من أوروبا إلى آسيا والشرق الأوسط، تعتمد بشكل شبه كلي على المعايير التحريرية، واللغة التفسيرية، وحتى النبرة التطمينية المعتمدة في الولايات المتحدة لتشكيل وعي الجمهور الدولي .
ويرجع هذا التوجيه الإعلامي العابر للقارات إلى الهيمنة الهيكلية لوكالات الأنباء الأميركية الكبرى وشبكات البث العالمية مثل سي.إن.إنوأسوشيتد برس وبلومبيرغ. عندما تقرر هذه المنصات وضع جملة “الخطر لا زال منخفضا” في مقدمة أخبارها بالاستناد إلى بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ، فإنها تفرض “أجندة تهدئة” عالمية تلتزم بها آلاف الصحف والمواقع الإخبارية الدولية تلقائيا.