من بارزان إلى أربيل: حقوق كوردستان بعد ثورتي أيلول وگولان

مهند محمود شوقي

في الأول من أيلول عام 1961، لم يكن أحد في العراق يتوقع أن ما بدأ في جبال كوردستان سيستمر لعقود طويلة ويعيد رسم خرائط السياسة الداخلية للدولة. هناك، انطلقت ثورة أيلول بقيادة مصطفى بارزاني، في لحظة كانت فيها العلاقة بين بغداد والمكوّن الكردي تتجه نحو الانفجار بعد سنوات من الوعود غير المنفذة منذ سقوط النظام الملكي عام 1958. لم تكن المسألة مجرد تمرد مسلح كما صوّرها البعض في حينها، بل تعبيرًا عن أزمة سياسية أعمق تتعلق بشكل الدولة العراقية نفسها: من يملك القرار، وكيف تُدار التعددية القومية داخل بلد خرج حديثًا من حقبة استعمارية وملكية وانقلب إلى جمهوريات متعاقبة تبحث عن توازن لم تستقر عليه.
خلال الستينيات، تحولت جبال كوردستان إلى ساحة حرب طويلة غير متكافئة، لكنها في الوقت نفسه كانت ساحة تفاوض مفتوح. هذا المسار المتداخل انتهى إلى اتفاق 11 آذار 1970 بين الحكومة العراقية والحركة الكردية، وهو أول اعتراف رسمي مبدئي بحقوق الحكم الذاتي للكورد. لكن الاتفاق، الذي رحبت به عواصم إقليمية ودولية حينها، لم يكتمل تنفيذه، لتعود دورة التوتر مجددًا بشكل أكثر حدة في منتصف السبعينيات، خصوصًا بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 التي شكلت ضربة قاسية للحركة الكردية وأدت إلى انهيار الثورة مؤقتًا وانسحاب آلاف المقاتلين والنازحين نحو الحدود الإيرانية.
غير أن نهاية ثورة أيلول لم تكن نهاية القضية الكردية. فبعد سنوات قليلة، بدأت مرحلة جديدة عُرفت بثورة گولان في السادس والعشرين من أيار عام 1976، بقيادة مجموعة من القيادات الكردية الشابة التي رفضت أن يتحول انهيار الثورة إلى استسلام دائم. في تلك المرحلة، لعب إدريس بارزاني دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الحركة الكردية سياسيًا وعسكريًا، إلى جانب شقيقه مسعود بارزاني، حيث أُعيد بناء صفوف البيشمركة تدريجيًا وسط ظروف إقليمية ودولية معقدة، وحملات عسكرية متواصلة من بغداد. كانت ثورة گولان بمثابة إعادة إحياء للمشروع القومي الكردي بعد واحدة من أصعب لحظات الانكسار في تاريخه الحديث، كما أنها رسخت انتقال القيادة داخل الحركة البارزانية من جيل الملا مصطفى إلى جيل جديد قاد العمل السياسي والعسكري في العقود اللاحقة.
بعد وفاة الملا مصطفى بارزاني عام 1979 في الولايات المتحدة، دخلت الحركة الكردية مرحلة إعادة تشكيل أعمق، انتقلت فيها المسؤولية السياسية والتنظيمية بصورة أكبر إلى مسعود بارزاني، بينما كان إدريس بارزاني قد لعب قبل وفاته عام 1987 دورًا رئيسيًا في الحفاظ على وحدة الحركة الكردية خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية وتعقيدات المشهد الإقليمي. ومع تصاعد الصراع في الثمانينيات، ثم حملات الأنفال وما رافقها من مآسٍ إنسانية، وصولًا إلى انهيار العراق العسكري بعد حرب الخليج عام 1991، اندلعت انتفاضة واسعة في كوردستان انتهت عمليًا إلى خلق واقع إداري جديد خارج سيطرة بغداد، تحوّل لاحقًا إلى الأساس الفعلي لإقليم كوردستان.
في عام 1992، جرت أول انتخابات برلمانية كردية، لتبدأ مرحلة الحكم الذاتي المؤسسي، رغم الحصار والانقسام الداخلي في بعض الفترات. ثم جاء سقوط نظام صدام حسين عام 2003 ليعيد صياغة العلاقة بين أربيل وبغداد بالكامل، وصولًا إلى دستور 2005 الذي اعترف بإقليم كوردستان ككيان اتحادي ضمن الدولة العراقية، مع ترك ملفات حساسة دون حل، أبرزها المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، وملف النفط والميزانية. لكن ما بعد 2005 لم يكن استقرارًا بقدر ما كان انتقالًا إلى شكل جديد من الخلاف: خلاف دستوري واقتصادي بدل المواجهة العسكرية. ففي الوقت الذي كانت فيه بغداد تحاول إعادة بناء الدولة المركزية، كانت أربيل تبني مؤسسات إقليمية أكثر استقلالًا في الإدارة والاقتصاد.
في هذه المرحلة، برز مسرور بارزاني كرئيس لحكومة إقليم كوردستان في سياق مختلف تمامًا عن الأجيال السابقة، حيث لم تعد التحديات مرتبطة بالحرب أو الصراع المسلح، بل بإدارة اقتصاد معقد، وأزمة مالية متكررة، وعلاقة غير مستقرة مع الحكومة الاتحادية بشأن الرواتب والإيرادات النفطية.
خلال السنوات الأخيرة، دفع مسرور بارزاني باتجاه إصلاحات إدارية واقتصادية شملت التحول الرقمي في الخدمات الحكومية، وتوسيع استخدام النظام المصرفي في صرف الرواتب، ومحاولة تقليل الاعتماد على الاقتصاد النقدي التقليدي. هذه الخطوات، رغم طابعها الفني والإداري، تحمل بعدًا سياسيًا واضحًا يتعلق بترسيخ مؤسسات الدولة داخل الإقليم، وتعزيز القدرة التفاوضية مع بغداد ضمن الإطار الدستوري القائم. في المقابل، لا تزال الملفات الجوهرية العالقة منذ عقود حاضرة: تفسير الدستور، توزيع الثروة، مستقبل المناطق المتنازع عليها، وحدود الفيدرالية نفسها. وهي ملفات لم تُحسم رغم مرور أكثر من عقدين على النظام السياسي الجديد في العراق.
من ثورة أيلول عام 1961 إلى ثورة گولان عام 1976، ثم إلى تجربة الحكم الذاتي والفيدرالية بعد 2003، يتضح أن القضية الكردية لم تكن مرحلة مؤقتة في تاريخ العراق، بل مسارًا طويلًا من إعادة تعريف الدولة والعلاقة بين مكوناتها. ما تغيّر خلال هذه العقود ليس جوهر الأسئلة، بل أدوات التعامل معها: من الجبل إلى الدستور، ومن البندقية إلى المؤسسات.
لكن النتيجة النهائية ما زالت مفتوحة. فبين بارزان وأربيل، وبين أيلول وگولان، يبقى السؤال نفسه حاضرًا بصيغ مختلفة: كيف يمكن تحويل الاعتراف الدستوري إلى استقرار سياسي دائم داخل دولة لم تستقر بعد على تعريف نهائي لشكلها الاتحادي؟

قد يعجبك ايضا