هيام جاحي احمد
باحثة في الشؤون السياسية الكوردية ومتخصصة في التاريخ الحديث والمعاصر
من أعماق سكون جبالي الأزلية، أنفضُ غبار الصمت، وألتفتُ بكبريائي المهيب لأخاطب عيون العابرين وأقول: لا تسألني عما تعبر عنه هذه الصورة؛ فالزي الذي تراه ليس مجرد قماش، والـ “جمداني الأحمر” ليس زينة. اليوم، يستطيع أي عابر أن يرتدي هذا الزي مستعرضاً في الساحات، لكن في تلك الأيام الرهيبة، كان ارتداء الـ “جمداني الأحمر” وزي الـ “خاك” حكماً بالموت، وإعلاناً لثورةٍ كاسرة هزت عرش نظام البعثي. إن كل غرزة في هذه الملابس تفوح برائحة نسيمي الجبلي الأبي، ولم تكن قماشاً يستر الجسد، بل كانت كفناً يرتديه المقاتل طوعاً لأحيا أنا الوطن، وصك هويةٍ تاريخية لا يملك حق ادعائها إلا من صهرته نيران تلك المرحلة المفصلية.
وتشهد جذوع أشجاري وسفوح تلالي على تلك الملاحم، فكل شجرة مرت بقربها تلك الملابس تعرف متى وكيف احتكت بأغصانها أثناء التسلل في عتمة الليل، وكل جبل من جبالي الشامخة كان يشعر باهتزاز صخوره تحت وطأة أقدام البيشمركة وهم يتسلقون الوعر أو يسطرون الملاحم. لقد تحول هؤلاء الثوار بعرقهم ودمائهم إلى جزء لا يتجزأ من تضاريسي، فامتزجت ملامحهم بترابي، وصخوري، وعشبي، حتى غدت أجسادهم امتداداً طبيعياً لي، لا يفصل بين جلال الجبل وعنفوان المقاتل فاصل.

أما أنهاري، فلا تزال تذكر تلك الأيادي الكريمة النظيفة حين كانت تمتد لتغرف من مائي العذب بعد عمليات عسكرية مضنية هلك فيها الجوع والعطش، فترتوي تربتي قبل القلوب. وهنا تئنُّ تضاريسي وتصرخ صخوري قائلة: “لا تسألني كم من الأرواح الطاهرة دُفنت في أحضاني، فبطهارتهم وعقيدتهم الوفية رُوِيَ جسدي لتنبت الحرية وتنتعش طبيعتي”. وحتى كائناتي وحيواناتي الأليفة والبرية كانت شريكة في هذا الهم؛ كانت تعرف البيشمركة بالاسم والرائحة، تجلس معهم وترافق خطوتهم كصديقٍ وفيّ يواسي وحشتهم، وحتى في أيام الفجيعة والأنفال المريرة، سارت تلك الحيوانات مع جليسها في طوابير النزوح نحو الحدود خطوة بخطوة، تقتسم معهم وعثاء النجاة ومرارة الخذلان، وتلوذ بظل الـ “جمداني” الأبوي حمايةً من الموت المتربص.
ولا يمكن لأكواخ القرى المنسية على سفوح جبالي أن تنسى تلك الليالي، ففي أنصاف الليالي الحافلة بالخوف والمطر، حين كانت أيدي بيشمركتي المتعبة تطرق أبواب الفقراء بهدوء، كانت المرأة الكوردستانية تنهض من نومها بلهفة الأم وعنفوان الثائرة، دون ذرّة ضجر. بحبٍّ أصفى من ينابيعي،كانت توقدُ تنورَها في عتمةِ الليل لتخبزَ وتطهو لهم الطعام بعد مشقةِ طريقٍ مضنٍ، وتغسلُ بيديها الطاهرتين تلك الملابسَ المغبرةَ بالبارود التي لم تمسَّها المياهُ لأشهرٍ طويلة. وبرغم وعثاءِ السفر، كانت تفوحُ منها رائحةُ العظمةِ والمقاومةِ والافتخار. وكانت هذه التضحيةُ أيضاً من شِيَمي وتربيتي أنا كوردستان، إذ غرستُ في نفوسِ شعبي عقيدةَ العطاءِ المطلق دون مقابل، لأنني علّمتُهم أن النصرَ لا يُنال إلا حين يصبحُ البيتُ والقريةُ والأمُّ خندقاً يحمي البيشمركة ويسندُ قضيةَ التحرير.
وهنا أبتسمُ ملء كبريائي، وأفتح ذراعيَّ لأقول: “أنا لا تخدعني المظاهر، فأنا أعرف أبنائي بسيماهم وعطرهم، وحين يمر بي هؤلاء الأوفياء بزيّهم الـ “خاك” الشامخ، يفرح ترابي، وتنتشي قمتي، لأنني أشم في أجسادهم عطري الخاص.. عطر الوفاء، والبارود، ونبات النرجس البري الذي لا ينمو إلا فوق قمم الأحرار. إن هذا الزي هو صك وجودي، ومن لم يلبسه في أيام الشقاء لم يذق طعم هويتي. ومن قلب هذه الجبال العصية، ومن بين خيوط شمسي المشرقة ونقاء أنهاري، أزفُّ أسمى آيات التهنئة والتبريكات لشعبي العظيم، بمناسبة اليوبيل الذهبي لثورة “گولان” المجيدة، الثورة التي جعلت من دماء بيشمركتي نبعاً لا يجف للحرية، وعهداً منقوشاً على جدار الخلود رغماً عن عين التاريخ.