رزكار حسو – سياسي وأكاديمي كٌردي
حين تتأثر أربيل (عاصمة إقليم كردستان) ، لا يتراجع إقليم جغرافي فحسب، بل تتعرض القضية الكردستانية برمّتها لخسارة سياسية ودبلوماسية ومعنوية – فإقليم كردستان العراق ليس مجرد كيان دستوري ضمن حدود جغرافية محددة، بل يمثل أحد أهم المرتكزات الاستراتيجية للوجود السياسي الكردستاني المعاصر، والمساحة التي استطاع من خلالها شعبنا تحويل جزء من تطلعاته القومية إلى واقع سياسي ومؤسساتي. ورغم أن القرار السياسي والإداري للإقليم يقع ضمن مؤسساته الدستورية، فإن الحفاظ على قوته واستقراره مسؤولية تتجاوز حدود جغرافيته، لأن مصير أجزاء كردستان، وإن اختلفت ظروفها ومساراتها، يظل مترابطاً – فقد تحولت أربيل/هولير إلى مركز ثقل سياسي ودبلوماسي، وفضاء احتضن لقاءات واتصالات جمعت ممثلي كردستان سوريا (روجأفاي كردستان) بمسؤولين أمريكيين وأوروبيين، كما وفّرت مساحة للتواصل مع شخصيات وقوى سياسية وعسكرية من روجهلات وباكور كردستان. ومن هنا، فإن مكانة الإقليم تتجاوز حدوده المحلية، ليصبح رصيداً قومياً مشتركاً وجسراً للتواصل مع العالم. وإذا جاز التعبير، فهو بمثابة خاثر اللبن لكردستان الكبرى، بما يمنح الجسد تماسكه ويحفظ له قوامه السياسي والمعنوي.
وفي ظل هذه المرحلة الحساسة، تبرز أهمية الدور التاريخي والسياسي للرئيس مسعود بارزاني، وما يمكن أن يضطلع به من جهود لاحتواء الأزمة الحزبية وتقريب وجهات النظر هناك، مستنداً إلى مكانته ورمزيته السياسية والوطنية – فالمطلوب اليوم ليس انتصار طرف على آخر، بل إيجاد أرضية مشتركة تعيد الاعتبار للمصلحة العليا، وتضع استقرار الإقليم ومؤسساته فوق الحسابات الحزبية والشخصية. فإن اللحظات التاريخية لا تُقاس بقدرة القيادات على إدارة الخلافات فحسب، بل بقدرتها على منع تحولها إلى أزمات تهدد المنجز الوطني. فنحن نتحدث عن أرض ارتوت بدماء الشهداء، وصمود البيشمركة، وتضحيات أجيال متعاقبة، ودموع أمهات قدّمن أبناءهن من أجل الحرية والكرامة. فهذه التجربة تشكّلت وسط المآسي والتضحيات حتى أصبحت واقعاً سياسياً ومؤسساتياً له مكانته في المعادلات الإقليمية والدولية، ولذلك لا يجوز أن تصبح رهينة خلافات سياسية عابرة.
إن الخطر الأكبر على كردستان لا يأتي دائماً من خلف الحدود، فقد يبدأ من داخل البيت حين تتقدم الحسابات الحزبية على المصلحة الوطنية – فالخلاف السياسي حق مشروع وطبيعي، ويمكن معالجته بالحوار والمؤسسات والآليات الديمقراطية، لكن تحويله إلى استقطاب شعبي وتصعيد إعلامي وتبادل للاتهامات يهدد النسيج الاجتماعي ويضعف الثقة بين أبناء المجتمع الواحد. كما أن الانقسام الداخلي يقلّص قدرة الإقليم على التأثير في موازين القوى الإقليمية والدولية، ويفتح المجال أمام ضغوط وتدخلات قد تستهدف مكتسباته السياسية والدبلوماسية.
ومن هنا، تقع على عاتق جميع القيادات والقوى السياسية مسؤولية تاريخية تقتضي وقف التصعيد، والعودة إلى الحوار والاحتكام إلى الدستور والمؤسسات. كما تقع مسؤولية موازية على النخب الإعلامية والثقافية في ترسيخ ثقافة الاختلاف المسؤول، بعيداً عن تحويل التنافس السياسي إلى خصومة مجتمعية – لأن قوة إقليم كردستان جزء لا يتجزأ من قوة الحضور السياسي والدبلوماسي الكردستاني العام، وإضعافه لا يمكن أن يكون شأناً محلياً محدوداً – فكردستان التي دفعت أثماناً باهظة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، لا يجوز أن تصبح خلافات اليوم سبباً في تبديد منجزات الأمس أو إضعاف آمال الغد – والتاريخ لا يخلّد من ينتصر في معركة حزبية، بقدر ما يحفظ مواقف من أدركوا قيمة المسؤولية القومية في اللحظات المفصلية – اليوم، لا تحتاج كردستان إلى منتصر على حساب طرف آخر، بل إلى إرادة سياسية تنتصر للحكمة والتوافق والاستقرار.