نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس من السهل الكتابة عن شخصية فكرية مثل د. فاضل الربيعي؛ فالرجل لم يكن كاتباً تقليدياً يكتفي بترديد الروايات التاريخية المتداولة، أو إعادة إنتاج الأفكار المستقرة في بطون الكتب، بل اختار طريقاً شائكاً يقوم على مساءلة المسلمات، وإعادة النظر في العلاقة بين النص الديني والجغرافيا والتاريخ والهوية. وقد أثارت أطروحاته ردود فعل واسعة، تجاوزت حدود النقاش الأكاديمي إلى سجالات فكرية وسياسية وثقافية، خصوصاً فيما يتعلق بقراءته الجديدة لجغرافية التوراة ومسرح أحداثها.

رحل فاضل الربيعي في 29 آذار 2025، بعد صراع مع المرض، تاركاً وراءه مؤلفات وأبحاثاً وأسئلة لم تنتهِ برحيله. فقد كان من الباحثين العراقيين الذين حاولوا الاشتباك مع الروايات التاريخية الكبرى، وتقديم قراءة مغايرة لما استقر في الوعي الثقافي العربي بشأن تاريخ المنطقة القديمة.
ولد الربيعي في بغداد عام 1952، ونشأ في أجواء الحركة اليسارية العراقية، وانخرط في النشاط السياسي والثقافي ضمن صفوف الحزب الشيوعي العراقي. غير أن تجربته لم تتوقف عند حدود الانتماء السياسي؛ فقد اتجه إلى الأدب والكتابة والبحث، وبدأت تتشكل لديه رؤية خاصة للعلاقة بين الفكر والسلطة والتاريخ والمجتمع.
كانت روايته (عشاء المأتم) من المحطات المبكرة في مسيرته الأدبية، وقد ارتبطت بها تحولات في مساره الفكري والسياسي. ثم غادر العراق مهاجراً إلى هولندا عام 1996، حيث واصل نشاطه الثقافي والبحثي، وحمل معه انشغالات المثقف العراقي بأسئلة التاريخ والهوية والذاكرة.
لعل من أبرز ما يميز تجربته أنه لم يحصر اهتمامه في قضية واحدة؛ فقد تناول التحولات السياسية والاجتماعية، وكتب في التاريخ والثقافة والدين، وحاول تفكيك عدد من المفاهيم التي رأى أنها استقرت في الوعي العربي من دون مراجعة نقدية كافية.
يظل كتابه (فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم)، الصادر عام 2008، أبرز أعماله وأكثرها إثارة للجدل. في هذا الكتاب، يطرح الربيعي فرضية جريئة مفادها أن الجغرافيا التي تصفها النصوص التوراتية لا تتطابق بالضرورة مع جغرافية فلسطين المعروفة، بل إن جانباً كبيراً من أحداثها وأماكنها يمكن، وفق قراءته، أن يفهم في إطار جغرافية اليمن القديم ومرتفعات السراة، وصولاً إلى مناطق نجران وصنعاء وحضرموت وعدن. ولم تكن هذه الفرضية مجرد اعتراض على تحديد موقع جغرافي بعينه، بل محاولة لإعادة قراءة منظومة كاملة من الأسماء والمواضع والروايات، بما فيها أورشليم والهيكل ومملكة إسرائيل والسبي البابلي وقصص الأنبياء.
اعتمد الربيعي في بناء أطروحته على ثلاثة مصادر رئيسية: النصوص التوراتية، والشعر العربي القديم، وكتابات المؤرخ والجغرافي اليمني الحسن بن أحمد الهمداني، ولا سيما كتابيه (الإكليل) و(صفة جزيرة العرب). وكان يرى أن الشعر الجاهلي ليس مجرد نصوص أدبية تتغنى بالأطلال والديار، بل يمثل ذاكرة جغرافية وثقافية غنية بأسماء المواضع والجبال والوديان والعيون. ومن هنا حاول إجراء مقارنات بين أسماء الأماكن الواردة في التوراة وما ورد في الشعر العربي وكتب الجغرافيا القديمة.
في حواره المنشور في موقع جمعية التجديد الثقافية، أوضح أن نقطة الانطلاق كانت ملاحظته التشابه بين البنية الجغرافية والسردية في النصوص التوراتية وكتابات الهمداني والشعر الجاهلي. ورأى أن هذه المقارنات تتيح إعادة النظر في التحديدات الجغرافية التقليدية. ومن بين الأمثلة التي توقف عندها اسم (أفيق)، إذ حاول إثبات أن المقصود به موضع جبلي في جغرافية اليمن، وليس المعنى الذي استقر عليه بعض المترجمين والباحثين. كما شكك في الرواية الشائعة عن السبي البابلي والهيكل وموقع القدس، وذهب إلى أن بعض الأحداث التي نسبت إلى فلسطين ينبغي البحث عن مسرحها الجغرافي في جنوب الجزيرة العربية.
إننا أمام مشروع بحثي يتجاوز مجرد الاختلاف مع قراءة تاريخية سائدة؛ فهو يحاول إعادة بناء خريطة تاريخية كاملة انطلاقاً من النصوص والمقارنات اللغوية والجغرافية.
كان الربيعي يعتقد أن كتابة تاريخ المنطقة العربية القديمة ظلت زمناً طويلاً خاضعة لهيمنة الرواية الاستشراقية، وأن الباحثين العرب ورثوا كثيراً من التصورات التي صاغها باحثون غربيون، من دون إخضاعها دائماً للمراجعة والتمحيص. وفي هذا السياق، دعا إلى أن يروي العرب تاريخهم بأصواتهم، لا أن يظلوا أسرى سرديات أنتجها الآخرون. وهي دعوة تستحق الاهتمام من حيث المبدأ؛ فالمعرفة التاريخية ليست ملكاً لجغرافيا أو ثقافة بعينها، ومن حق الباحث العربي أن يعيد فحص المصادر والمناهج والاستنتاجات التي بُنيت عليها الروايات التاريخية.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين نقد الاستشراق وبين افتراض وجود تزوير استعماري شامل للتاريخ. فليس كل ما أنتجه الباحثون الغربيون حقيقة نهائية، وليس كل ما قدموه خطأً متعمداً. كما أن إثبات وقوع تحريف أو نقل جغرافي يحتاج إلى أدلة تاريخية وأثرية ولغوية مستقلة، وليس إلى التشابه في أسماء الأماكن وحده. وهنا تبرز إحدى أهم الإشكاليات التي أثارتها أعمال الربيعي: هل تكفي المطابقة بين أسماء المواضع الواردة في النصوص القديمة ومواضع جغرافية أخرى لإثبات وحدة المكان؟ أم أن الأمر يحتاج إلى منظومة متكاملة من الأدلة تشمل النقوش واللقى الأثرية والتسلسل الزمني والبيئة الطبيعية والقرائن اللغوية؟
إن البحث التاريخي لا يحسم بجرأة الفرضية، بل بقدرتها على الصمود أمام الاختبار والنقد والمقارنة. وقد واجهت أطروحات الربيعي انتقادات من عدد من الباحثين والمؤرخين وعلماء الآثار، الذين رأوا أن نقل الجغرافيا التوراتية إلى اليمن لا يستند إلى أدلة أثرية كافية، وأن بعض المقارنات اللغوية والجغرافية لا تبلغ مستوى الإثبات التاريخي. وفي المقابل، وجد مشروعه جمهوراً واسعاً مهتماً بإعادة النظر في الروايات التاريخية السائدة، خصوصاً في ظل ارتباط بعض القراءات التوراتية المعاصرة بالصراع السياسي حول فلسطين. ومن الضروري هنا ألا يتحول الاختلاف العلمي إلى إدانة شخصية، كما لا ينبغي أن تتحول الجرأة الفكرية إلى حصانة ضد النقد. فالباحث الذي يطالب بمراجعة التاريخ عليه أن يكون مستعداً لمراجعة استنتاجاته أيضاً.
من أكثر الجوانب حساسية في مشروع الربيعي محاولته فصل القضية الفلسطينية عن بعض المسوغات التاريخية والدينية التي استُخدمت لتبرير المشروع الصهيوني. وقد رأى أن الصراع لا ينبغي أن يخاض بالأدوات السياسية والعاطفية والدينية وحدها، بل يجب أن يمتد إلى ميدان البحث التاريخي والنقاش العلمي. وكان يؤكد أن معركته ليست مع اليهود بوصفهم جماعة دينية أو بشرية، وإنما مع الأطروحات التي توظف التاريخ لتبرير الاستيطان والاستيلاء على الأرض. وهذا التمييز مهم؛ إذ لا يجوز الخلط بين نقد الحركة الصهيونية وسياساتها الاستعمارية وبين العداء لليهود أو تحميل جماعة دينية مسؤولية مشروع سياسي. كما أن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لا تحتاج إلى إثبات أو نفي رواية دينية قديمة كي تكون حقوقاً مشروعة.
ففلسطين ليست مجرد نص في كتاب ديني، ولا قضية يمكن اختزالها في خلاف حول أسماء المدن والمواضع. إنها أرض يسكنها شعب له وجوده التاريخي والإنساني، وله حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. من هنا فإن أهمية البحث التاريخي تكمن في إغناء المعرفة وكشف التوظيف السياسي للماضي، لا في جعل حقوق الشعوب رهينة لنتائج فرضية تاريخية واحدة.
لم تتوقف اهتمامات الربيعي عند الجغرافيا التوراتية، فقد انشغل أيضاً بجذور الطقوس والممارسات الدينية، ولا سيما ثقافة البكاء والنواح المرتبطة بإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي. وفي مشروعه المعنون (المناحة العظيمة)، حاول تقديم قراءة تاريخية وأنثروبولوجية للجذور الثقافية للبكاء والرثاء، رابطاً إياها بطقوس قديمة عرفتها حضارات بلاد الرافدين ومصر، ومنها طقوس الحزن المرتبطة بتموز وإيزيس وأوزوريس. وكان هدفه، بحسب ما أوضح في حواره، تقديم تفسير ثقافي لهذه الممارسات، بعيداً عن الصور النمطية والقراءات المذهبية الضيقة، وإظهار أن الطقوس الدينية لا تنشأ دائماً بمعزل عن الموروث الحضاري والاجتماعي للشعوب.
تستحق هذه المحاولة الاهتمام من زاوية دراسة الأديان المقارنة والأنثروبولوجيا الثقافية، مع ضرورة التمييز بين التشابه في طقوس الحداد والرثاء وبين إثبات انتقال تاريخي مباشر بينها؛ فالتشابه وحده لا يكفي لإثبات وحدة الأصل أو مسار التأثير.
إن قراءة تجربة د. فاضل الربيعي تضعنا أمام نموذج للمثقف الذي لم يكتفِ بالاشتغال على القضايا المألوفة، بل حاول اقتحام مناطق معرفية شائكة، وطرح أسئلة غير مريحة للمدارس الفكرية السائدة. وقد يكون الاختلاف معه في بعض النتائج ضرورياً، بل واجباً علمياً، لكن ذلك لا يلغي أهمية الأسئلة التي أثارها، ولا حقه في البحث والتعبير والنقاش. فالمجتمعات التي تخشى الأسئلة لا تستطيع بناء معرفة حقيقية، والجامعات التي ترفض الفرضيات المخالفة تفقد إحدى أهم وظائفها النقدية.
إن قيمة الباحث لا تقاس فقط بعدد الكتب التي ألّفها، ولا بمدى انتشار أفكاره، وإنما أيضاً بقدرته على تقديم مادة قابلة للفحص، وفتح مسارات جديدة للبحث، وقبوله بأن المعرفة عملية تراكمية لا يملك أحد احتكار نتائجها. وقد عبّر الربيعي في حواره عن موقف يستحق التوقف عنده، حين أبدى استعداده لأن يصحح الآخرون ما كتبه، وأن تتكامل جهود الباحثين حتى لو اختلفوا في النتائج. وهذه الروح النقدية هي ما ينبغي أن يسود في أي مشروع معرفي جاد.
رحل فاضل الربيعي، لكن الجدل الذي أثارته أعماله لم ترحل معه. وسيظل كتاب (فلسطين المتخيلة) واحداً من الأعمال التي تستدعي النقاش والمراجعة، سواء اتفق الباحثون مع فرضياته أم رفضوها. ولعل الدرس الأهم في تجربته أن التاريخ ليس نصاً مغلقاً، ولا رواية مقدسة لا يجوز الاقتراب منها، بل حقل معرفي مفتوح على الاكتشاف والتصحيح وإعادة القراءة. غير أن تحرير التاريخ من المسلمات لا يعني استبدال مسلمة بأخرى، ولا تحويل الفرضيات إلى حقائق قبل اختبارها.
نحن بحاجة إلى مؤرخين يمتلكون شجاعة السؤال، وإلى علماء آثار يذهبون إلى الميدان، وإلى لغويين يدققون في النصوص، وإلى مؤسسات بحثية عربية قادرة على إنتاج المعرفة بعيداً عن الأيديولوجيا والتوظيف السياسي. فالتاريخ لا ينصفه الصمت، ولا تخدمه المبالغة، وإنما تنصفه الأدلة والحوار الحر والنقد المتبادل.
رحم الله فاضل الربيعي، فقد ترك وراءه تجربة فكرية تستحق أن تقرأ بعقل نقدي منفتح؛ لا بالتقديس ولا بالإلغاء، بل بالمناقشة والبحث والاحتكام إلى الحقيقة.