كوردستان أولاً… حين يجب أن يتقدم الوطن على كل الخلافات.

تزرين يعقوب سولا

في اللحظات الصعبة، تُختبر حقيقة الانتماء، وتُقاس قيمة المسؤولية الوطنية بقدرة الجميع على تجاوز خلافاتهم، ووضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الشخصية
ما نشهده اليوم في هذه المرحلة ، ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو وضع يستدعي وقفة جادة ومراجعة مسؤولة من جميع الأطراف. فالأوطان لا تُبنى بالمواقف المتصلبة، ولا تُحمى بتوسيع مساحات الخلاف، وإنما بالحوار والتفاهم والتنازل المتبادل عندما تكون المصلحة العامة هي الهدف.
لقد مرّ الإقليم بمحطات تاريخية قاسية، وواجه شعبه ظروفاً لم تكن سهلة، وقدم تضحيات كبيرة من أجل الأرض والكرامة والهوية وحقه في الحياة بسلام وحرية. ولم تكن تلك التضحيات ملكاً لجهة أو شخصية معينة ، بل كانت ثمرة إرادة شعب آمن بوطنه، ودفع من أمنه واستقراره وأبنائه ثمناً باهظاً من أجل مستقبل أفضل.
فكيف يمكن أن تصبح المناصب اليوم أهم من تلك التضحيات؟
وكيف يمكن أن تتقدم الخلافات على مصير وطن تشكلت هويته من صبر أبنائه ونضالهم وتضحياتهم؟
إن المنصب، مهما علا شأنه، يبقى مسؤولية مؤقتة، والسلطة مهما امتدت لها حدود زمنية، أما الوطن فهو الذي يبقى.
والأطراف ، مهما اختلفت رؤاها وبرامجها، يفترض أن تكون وسائل لخدمة المجتمع، لا غايات يصبح المجتمع والوطن رهينين لخلافاتها.
ليس المطلوب أن يتخلى أي طرف عن قناعاته أو حقوقه السياسية، ولا أن تُلغى الاختلافات أو تُهمّش التعددية، فالتنوع السياسي حق، والاختلاف في الرأي ظاهرة صحية في المجتمعات الديمقراطية. لكن المطلوب أن تبقى هناك حدود لا يجوز تجاوزها، وفي مقدمتها أمن الإقليم واستقراره، ووحدة مؤسساته، وكرامة مواطنيه، ومستقبل أجياله.
إن كوردستان اليوم بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرّق، وإلى إرادة سياسية تدرك أن قوة أي طرف لا تتحقق بإضعاف الطرف الآخر، وأن الانتصار الحقيقي ليس في الحصول على منصب إضافي، بل في بناء مؤسسات قوية يشعر فيها المواطن أن حقوقه لا تتغير بتغير موازين القوى .
كما أن المواطن الذي ينتظر راتبه، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، والعائلة التي تريد حياة مستقرة، والموظف الذي ينتظر ضمان مستقبله، لا تعنيه كثيراً تفاصيل الصراع على المواقع بقدر ما يعنيه أن يرى حكومة تعمل، ومؤسسات تؤدي واجباتها، ومستقبلاً لا تحكمه الأزمات المتكررة.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الخلافات السياسية هو أن تنتقل من غرف التفاوض إلى وجدان المجتمع، فتتحول الاختلافات إلى مسافات بين الناس، وتتراجع الهوية الوطنية أمام الانتماءات الضيقة. وهنا تصبح الخسارة أكبر من خسارة منصب أو موقع سياسي، لأنها تمس النسيج الاجتماعي والثقة المتبادلة بين أبناء الوطن الواحد.
الوطن ملك لجميع ابناءه، بمختلف انتماءاتهم وأفكارهم ومكوناتهم. ومن حق الأجيال القادمة أن ترث وطناً أكثر استقراراً وتماسكاً، لا أن ترث خلافات لم يستطع أصحاب القرار تجاوزها.
لسنا بحاجة إلى أن نتفق في كل شيء حتى نلتقي على حب الوطن، ولسنا بحاجة إلى أن نتشابه في آرائنا حتى نتفق على حماية مستقبلنا. لكننا بحاجة إلى أن نتذكر دائماً أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا.
كوردستان أولاً، ليس شعاراً يُرفع عند الأزمات، بل مسؤولية يجب أن تترجم إلى مواقف وقرارات وتنازلات متبادلة.
فالتاريخ لا يتذكر المناصب التي تنازع عليها السياسيون بقدر ما يتذكر مواقفهم في اللحظات المصيرية، ولا يقيس قيمة المسؤولين بما حصلوا عليه من مواقع، بل بما حافظوا عليه من وطن وكرامة واستقرار.
فلنختلف كما نشاء في السياسة، ولنتنافس في البرامج والرؤى، لكن لا ينبغي أن نختلف على الوطن، ولا أن نسمح للمناصب أن تكون أغلى من الانتماء، أو للمصالح الآنية أن تتقدم على تضحيات شعب بأكمله.
فالأوطان لا تخسر حين يختلف أبناؤها، بل تخسر حين ينسون أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم.

قد يعجبك ايضا
∧