سلامٌ إلى أربيل الحبيبة.. حين تصبح أوجاع المدن ذاكرةً لوطن واحد

عطا شميراني

سلامٌ إلى أربيل الحبيبة؛

سلامٌ إلى مدينة القلعة العريقة، مدينة التاريخ والذاكرة، إلى المدينة التي وقفت آلاف السنين في قلب التحولات الكبرى، وعبرت عواصف التاريخ وتقلبات الزمن، وظلت في كل مرة تستعيد أنفاسها بأمل جديد. سلامٌ إلى مدينة لم تكن يوماً مجرد جغرافيا على خارطة، بل كانت وما زالت فصلاً أساسياً من حكاية كوردستان وتاريخ شعبها.

من واشنطن وباريس إلى روما ودبي وإسطنبول، شهد العالم في أوقات مختلفة مشاهد الفيضانات وغرق الشوارع والأزقة. فالطبيعة لا تعرف القوميات ولا الأديان ولا اللغات ولا الحدود السياسية؛ المطر يهطل على الجميع، والعواصف لا تستأذن مكانة عاصمة، ولا تتوقف احتراماً لعظمة مدينة أو ثرائها. إنها حقيقة تذكرنا بأن الإنسان، مهما بلغت قوته، يبقى جزءاً من طبيعة لا يستطيع التحكم بكل أسرارها. لكن ما يمنح المدن قدرتها على تجاوز المحن ليس حجم مبانيها ولا اتساع شوارعها، بل تماسك مجتمعاتها وتضامن أبنائها.

يا أربيل، ما نشاهده اليوم من مشاهد الفيضانات وغرق بعض شوارعك وأزقتك ليس بالنسبة إلينا مجرد صور عابرة على شاشات التلفزة. خلف كل زقاق غمرته المياه بيتٌ يخشى أهله على ذكرياتهم، وأمٌّ تفكر بسلامة أطفالها، وأبٌ يقلقه مصير عائلته، وإنسان يتمنى أن تعود الحياة إلى طبيعتها. لذلك، فإن عيوننا من السليمانية تتجه إليك، وقلوبنا مع أهلك، لأن الألم الإنساني لا يحتاج إلى جواز سفر أو حدود إدارية كي يصل إلى قلوب الآخرين.

هناك مدن لا يشترط أن تولد فيها حتى تحبها، ولا تحتاج إلى أن تحمل عنوانها في أوراقك حتى تشعر بأنها جزء منك. بعض المدن تدخل الوجدان من بوابة التاريخ والذاكرة والهوية، وتصبح جزءاً من تكوين الإنسان. وأربيل واحدة من تلك المدن التي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مكان جغرافي، بل باعتبارها حاضرةً في الوعي الكوردي، وفي الذاكرة السياسية والوطنية لشعبنا.

أربيل ليست بالنسبة إلينا مجرد عاصمة لإقليم كوردستان؛ إنها جزء من روح كوردستان وتاريخها السياسي. قلعتها العريقة ليست حجارة متراكمة فوق بعضها، بل كتاب مفتوح تختصر صفحاته قروناً من الحكايات والتحولات والحضارات. ومن حولها تشكلت مدينة تحمل في شوارعها وأحيائها ملامح الماضي وتطلعات المستقبل. هذه المدينة التي تجري مياه الأمطار اليوم في بعض أزقتها ستواصل غداً كتابة حكايتها، لأن المدن العريقة لا تختصرها محنة عابرة، بل تقاس أيضاً بقدرتها على النهوض واستعادة الحياة.

من سقز وآمد وعفرين، إلى السليمانية وأربيل، قد تصنع الجغرافيا مسافات وحدوداً بين أبناء شعب واحد، لكن التاريخ واللغة والثقافة والذاكرة المشتركة تصنع جسوراً لا تستطيع السياسة هدمها. لقد حمل الكورد عبر تاريخهم الطويل ما يكفي من التجارب القاسية، ولذلك ينبغي أن تكون دروس التاريخ حاضرة في وعينا: الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة اجتماعية، والتنافس الحزبي لا يجوز أن ينتقص من الشعور بالانتماء المشترك.

إن الوطن لا تصنعه الخرائط والدساتير والمؤسسات وحدها؛ فالوطن يكتسب معناه الأخلاقي والإنساني حين يشعر مواطن السليمانية أن وجع أربيل وجعه، وحين يرى أهل أربيل في أفراح السليمانية أفراحهم، وحين لا يحتاج الإنسان إلى سؤال عن الانتماء الحزبي قبل أن يمد يده إلى أخيه في ساعة الشدة.

الأحزاب جزء من الحياة السياسية، والحكومات تتغير، والمسؤولون يأتون ويرحلون، وموازين القوى تتبدل، لكن الأرض والتاريخ ومصير الشعب تبقى. ومن هنا تبرز أهمية المسؤولية السياسية والمؤسساتية في تحويل التضامن من مشاعر جميلة إلى سياسات عملية: بنية تحتية أكثر كفاءة، وشبكات تصريف مياه قادرة على مواجهة الأمطار الغزيرة، وخطط طوارئ مشتركة، وتعاون حقيقي بين المدن والمؤسسات لحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم. فكرامة الإنسان وسلامته ينبغي أن تظلا في مقدمة أولويات الإدارة والحكم.

أربيل الحبيبة،

قد تتمكن الأمطار من إغراق بعض أزقتك، لكنها لن تستطيع أن تغسل تاريخك من ذاكرة شعبك. وقد تغلق العواصف أبواب بعض البيوت، لكنها لن تستطيع إغلاق أبواب المحبة في قلوب أهل السليمانية وسائر مدن كوردستان.

نتمنى أن تنحسر المياه سريعاً، وأن تعود شوارعك إلى حياتها الطبيعية، وأن تمتلئ أزقتك مجدداً بخطوات أهلك، وأن يعود أطفالك إلى اللعب بقلوب مطمئنة، وأن تستعيد العائلات أمنها وهدوءها وابتسامتها.

من السليمانية، نبعث إليك وإلى جميع أهلك تحية محبة وتضامن واحترام.

فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، ولا مجرد حدود تجمعنا على الخريطة؛ الوطن هو أن نشعر ببعضنا حين نتألم، وأن نتقاسم الأمل حين تضيق بنا الحياة، وأن نرفض ترك أي مدينة أو إنسان وحيداً في مواجهة المحنة.

قد تفصلنا المسافات، لكن لا ينبغي أن تفصلنا الأوجاع؛ فأربيل ليست بعيدة عن السليمانية، ما دام في قلوبنا وطن واحد.

قد يعجبك ايضا
∧