جواد بشارة.. في مواجهة العقل الخرافي وانتصار المعرفة العلمية.. قراءة في مشروعه فكري

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست معركة الإنسان مع الخرافة معركة عابرة في تاريخ الحضارات، وليست قضية محصورة في الاختلاف بين المؤمن والملحد، أو بين المتدين والعلماني، بل هي في جوهرها معركة بين منهجين في التفكير: منهج يقوم على السؤال والشك المنهجي والملاحظة والتجربة والبحث عن الدليل، ومنهج يستسلم للمسلمات والتفسيرات الغيبية، ويغلق أبواب المعرفة أمام النقد والمراجعة.
هذه الإشكالية الفكرية كانت محور أفكار ونقاشات الباحث والكاتب العراقي الدكتور جواد بشارة، المقيم في باريس، ومحاولة لفتح نقاش أوسع بشأن طبيعة المعرفة الإنسانية، وحدود ما نعرفه، وما لا نعرفه، وكيف تحولت بعض المعتقدات والتصورات الموروثة إلى سلطات فكرية واجتماعية تقاوم السؤال والتغيير.
ينتمي الدكتور جواد بشارة إلى جيل من المثقفين العراقيين الذين حملوا أسئلتهم الفكرية إلى فضاءات ثقافية متعددة. فهو من مواليد بابل عام 1955، وأكمل دراساته العليا في فرنسا، حيث درس اللغة والحضارة الفرنسية، والإخراج السينمائي، والنشاطات الإعلامية والسمعية البصرية، والأدب الفرنسي، وحصل على شهادات أكاديمية من جامعات باريس، ومنها جامعة باريس الأولى السوربون.
جمع بشارة بين البحث والكتابة والترجمة والنقد السينمائي والعمل الإعلامي، وأسس شركة للإنتاج السينمائي حملت اسم (أفلام عشتار). كما نشر آلاف الدراسات والمقالات في الصحف والمجلات العربية والأجنبية، وتنوعت اهتماماته بين السينما والفلسفة والسياسة والاقتصاد والاستراتيجيات الدولية وعلم الكونيات (الكوسمولوجيا). ويكشف هذا التنوع عن طبيعة مشروعه الثقافي، الذي لا يقف عند حدود اختصاص واحد، بل يتعامل مع المعرفة بوصفها شبكة مترابطة من الأسئلة الإنسانية والعلمية والفلسفية. ومن بين مؤلفاته كتابه (الكون الإله أو الحقيقة الكونية وألغاز الكون العصية)، الصادر عن دار ميزر في مالمو بالسويد، في نحو 850 صفحة، وهو عمل يتناول قضايا نشأة الكون ومكوناته، والثقوب السوداء، والمادة والطاقة المظلمتين، والزمكان، والأكوان المتعددة، ومستقبل الكون، فضلاً عن العلاقة بين التفسير العلمي والتصورات اللاهوتية للخلق.
إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن في ضخامة حجمه أو كثافة موضوعاته فحسب، وإنما في طبيعة الأسئلة التي يطرحها؛ فالإنسان الذي استطاع أن يرسل المركبات إلى الفضاء، ويفكك مكونات المادة، ويرصد المجرات البعيدة، ما زال عاجزاً عن الإجابة النهائية عن أسئلة كبرى تتعلق بأصل الوجود والوعي والزمن والمصير.
لذلك يؤكد بشارة بأن الصراع بين العقل العلمي والعقل الخرافي ليس ظاهرة خاصة بالعالم العربي والإسلامي، بل هو ممتد في تاريخ البشرية منذ الحضارات القديمة، غير أن التركيز على مجتمعاتنا يأتي من استمرار حضور التفسيرات الغيبية والخرافية في جوانب واسعة من الحياة الاجتماعية والتربوية والثقافية والسياسية. ويمكن تعريف العقل العلمي بأنه نمط من التفكير يعتمد على الملاحظة المنهجية، والتجربة، والاستدلال، والتحقق من الفرضيات، والاستعداد لمراجعة النتائج متى ظهرت أدلة جديدة. أما العقل الخرافي فيقوم على تصديق تصورات لا تستند إلى دليل قابل للفحص، أو تحويل الموروث والأسطورة والتأويلات غير المثبتة إلى حقائق نهائية لا يجوز الاقتراب منها بالنقد.
لكن من الضروري هنا التمييز بين الخرافة والإيمان الديني؛ فليس كل إنسان متدين أسير التفكير الخرافي، كما أن مجرد الانتساب إلى اتجاه علمي أو فلسفي لا يجعل صاحبه بمنأى عن الأوهام والتعصب. فالمعيار الحقيقي هو طريقة التفكير، ومدى استعداد الإنسان لقبول الدليل ومراجعة قناعاته. وهذه نقطة مهمة في فهم طبيعة الصراع؛ فالعقل العلمي لا يطلب من الإنسان التخلي عن حقه في الإيمان أو الاعتقاد، وإنما يرفض أن تتحول المعتقدات الشخصية إلى أحكام ملزمة للجميع، أو أن تحل التفسيرات غير القابلة للاختبار محل البحث العلمي في تفسير الظواهر الطبيعية.
فالعلم لا يخجل من قول (لا نعرف). بل إن الاعتراف بحدود المعرفة يمثل أحد أهم شروط تقدمها. فالجهل المؤقت ليس عيباً في العلم، وإنما العيب أن نحول ما نجهله إلى حقيقة نهائية، أو نملأ الفراغ المعرفي بإجابات لا تخضع للفحص. ومن هنا تتجلى فضيلة العقل العلمي في تواضعه المعرفي؛ فهو لا يدعي امتلاك الإجابة الأخيرة، وإنما يواصل البحث، ويضع الفرضيات، ويختبرها، ويقبل تصحيحها أو التخلي عنها إذا أثبتت الأدلة عدم صحتها.
استعرض بشارة في كتابه الجذور التاريخية للصراع بين التفسير الأسطوري والتفسير العقلاني، متوقفاً عند الحضارات القديمة والفلسفة اليونانية، ثم هيمنة اللاهوت في أوروبا خلال العصور الوسطى، وصولاً إلى عصر النهضة والثورة العلمية والتحولات الكبرى التي أحدثها تطور الفيزياء والفلك والرياضيات. ولعل الدرس التاريخي الأهم هنا أن المعرفة لم تتقدم بقرار سلطوي، وإنما عبر تراكم الأسئلة والاعتراضات والتجارب، وبفضل عقول امتلكت شجاعة مراجعة الأفكار السائدة.
لقد أسهم علماء وفلاسفة في تغيير صورة الإنسان عن الكون والطبيعة، من خلال الانتقال من التفسير القائم على الأسطورة إلى التفسير الذي يبحث عن القوانين والعلل والآليات. ولم يكن هذا الانتقال سهلاً، إذ واجهت الأفكار الجديدة مقاومة اجتماعية ودينية وسياسية في مراحل مختلفة. وفي عصرنا الراهن، لم تعد القضية تتعلق بمجرد اكتشاف ظاهرة طبيعية أو تفسير حركة الكواكب، بل باتت تشمل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والفيزياء الكمية وعلم الكونيات. وهي مجالات تفرض على الإنسان تطوير أدوات التفكير، والتمييز بين ما أثبته العلم وما لا يزال في دائرة الفرضيات.
ويؤكد بشارة إلى أن ما يتعلق بما قبل الانفجار العظيم لا يزال موضع بحث، وأن هناك فرضيات علمية، من بينها تصورات الكون المتعاقب، لكنها لم تتحول جميعها إلى نظريات مثبتة. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الفرضية والنظرية العلمية، وعدم التعامل مع كل تصور يطرحه باحث أو عالم باعتباره حقيقة محسومة. فالعلوم الكونية ما زالت تواجه أسئلة معقدة بشأن طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة، والجاذبية في الظروف القصوى، وطبيعة الزمكان، وحدود الكون المرئي. إن الاعتراف بهذه المسائل المفتوحة لا يقلل من قيمة العلم، بل يعزز مكانته؛ لأنه يتيح للبحث أن يتقدم من دون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
من المهم أيضاً ألا تتحول المفاهيم العلمية المعقدة، مثل الأكوان المتعددة أو الثقوب الدودية أو طبيعة الوعي، إلى عناوين لترويج تصورات غير مثبتة. فليس كل ما يبدو غريباً أو مثيراً خرافة، وليس كل ما يستخدم المصطلحات العلمية علماً.
لكن هناك أسئلة لافتة ممكن طرحها: هل يتعارض الإيمان مع العلم؟ هل العلماء الكبار يؤمنون بوجود خالق، وما إذا كان ذلك يمثل تناقضاً بين الإيمان والعقل العلمي. وهو سؤال يستحق التوقف؛ لأن تاريخ العلوم يضم شخصيات علمية امتلكت معتقدات دينية أو فلسفية، كما يضم علماء ذوي توجهات لا أدرية أو إلحادية. ولا يمكن اختزال الممارسة العلمية في الموقف الشخصي من الدين. فالعالم حين يعمل في المختبر أو يبني نموذجاً رياضياً أو يختبر فرضية فيزيائية، ينبغي أن يحتكم إلى الأدلة والأدوات العلمية، لا إلى معتقده الشخصي. والإيمان، في المقابل، يظل شأناً يرتبط بالقناعة الفردية والتجربة الروحية والفلسفية.
من هنا فإن الإشكالية الحقيقية ليست في وجود الدين أو الإيمان في حياة الإنسان، وإنما في محاولة فرض تفسير ديني بعينه على المجتمع، أو منع البحث العلمي من أداء وظيفته، أو تحويل المؤسسات الدينية إلى مرجع ملزم في قضايا تقع ضمن اختصاص العلوم. كما أن احترام حرية الاعتقاد يقتضي احترام حرية عدم الاعتقاد، وحق الإنسان في التساؤل والبحث والتأويل، من دون تخوين أو تكفير أو إقصاء.
من المحاور المهمة التي تثير القارئ مسألة الخلط بين العلم والعلمانية. وقد أوضح بشارة أن العلمانية ليست مرادفاً للعلم، وإنما هي مبدأ في إدارة الدولة وتنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات الدينية، بما يمنع احتكار أي مؤسسة دينية للقرار العام. وهذا التمييز ضروري في مجتمعاتنا؛ فالدولة المدنية لا تعني محاربة الأديان، ولا مصادرة حق المواطنين في ممارسة شعائرهم، وإنما تعني ضمان المساواة أمام القانون، وعدم التمييز بين المواطنين بسبب معتقداتهم أو مذاهبهم أو عدم انتمائهم الديني. إن الدولة التي تحترم الجميع هي التي تحمي حق المتدين وغير المتدين، وتضمن حرية الضمير، وتترك التشريع العام خاضعاً لمبادئ المواطنة والدستور والحقوق الإنسانية، لا لاحتكار تفسير ديني واحد.
هنا تتصل قضية العلمانية اتصالاً مباشراً بالديمقراطية؛ فالديمقراطية لا تستقيم حين تتحول العقيدة إلى معيار للمواطنة، أو حين تختزل حقوق المرأة والأسرة والحريات الفردية في اجتهادات مذهبية متنافسة. إن بناء دولة حديثة لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى عقل مؤسسي يؤمن بالعلم والتخطيط، ويعتمد الإحصاءات والبيانات، ويحترم الجامعات ومراكز البحث، ويمنح المعلم والباحث والطبيب والمهندس المكانة التي يستحقونها.
كما أن تحرير العقل لا يعني الدخول في معركة مع المتدينين، وإنما مواجهة الجهل والتعصب واستغلال المقدس لتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية. فالمجتمع الذي يحترم الإيمان ويحمي حرية التفكير في الوقت نفسه هو مجتمع أكثر قدرة على التعايش والتقدم. وهنا تكمن أهمية استعادة الحوار الفكري في أوساط المثقفين العراقيين في الداخل والمهجر، وضرورة مناقشة الموضوعات التي تتصل بمستقبل الإنسان، بعيداً عن التخندق الأيديولوجي أو الأحكام المسبقة.
إن مسؤولية المثقف اليوم ليست ترديد ما اعتاده الناس، وإنما مساعدتهم على رؤية ما وراء المألوف، وتشجيعهم على التمييز بين الحقيقة والادعاء، وبين المعرفة والوهم، وبين الإيمان الحر والتوظيف السياسي للدين.
إن تجربة الدكتور جواد بشارة الفكرية، وما يطرحه تفتح أمامنا باباً واسعاً للتأمل في مستقبل العقل العربي، وفي المسافة التي تفصل مجتمعاتنا عن منجزات العصر العلمية والفكرية. ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من أن العلم لا يخشى السؤال ولا يخشى الاختلاف، ولا يخشى مراجعة نتائجه؛ لأن قوته تكمن في قابليته للتصحيح والتطور. أما الخرافة فتستمد قوتها من تعطيل السؤال، وإحاطة المسلمات بهالة من القداسة، ومنع العقل من اختبارها.
لسنا مطالبين بأن نتفق جميعاً على تفسير واحد للوجود، ولا أن نتبنى موقفاً فلسفياً أو دينياً بعينه، لكننا مطالبون بالاتفاق على حق الإنسان في التفكير والبحث والاختيار، وعلى أن تكون المعرفة والدليل والحرية ركائز الحياة العامة.
إن العراق الذي أنجب حضارات سومر وبابل وآشور، وقدم للعالم صفحات مشرقة في تاريخ المعرفة، يستحق أن يستعيد مكانته بوصفه مجتمعاً منتجاً للفكر والعلم، لا مستهلكاً للخرافة والتفسيرات الجاهزة.
فالمعركة الحقيقية ليست بين إنسان مؤمن وآخر غير مؤمن، وإنما بين عقل يفتح النوافذ أمام المعرفة وعقل يغلقها خوفاً من السؤال. ولا يمكن بناء وطن حديث من دون مواطن حر، ولا يمكن بناء مواطن حر من دون تعليم جيد، وثقافة نقدية، وحق كامل في التفكير والاختلاف. فحين يصبح السؤال حقاً، والعلم قيمة، والاختلاف حرية، تبدأ خطوات النهضة الحقيقية.

قد يعجبك ايضا
∧