الاستثمارات العربية في إنشاء وتطوير ملاعب كرة القدم: من البنية التحتية الرياضية إلى صناعة الاقتصاد الرياضي

الأستاذ المستشار نعمان عبد الغني
namanea@gmail.com

أصبحت الاستثمارات العربية في إنشاء وتطوير ملاعب كرة القدم واحدة من أبرز مظاهر التحول الاقتصادي والرياضي الذي تشهده المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد الملاعب مجرد منشآت تحتضن المباريات والمنافسات، بل تحولت إلى أصول اقتصادية واستثمارية وسياحية، تساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، واستقطاب السياح، وخلق فرص العمل، وتعزيز مكانة الدول على الساحة الرياضية الدولية.

وقد تسارعت هذه الاستثمارات بفعل استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030 بالمغرب، بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وكأس العالم 2034 بالمملكة العربية السعودية، إلى جانب الاستعدادات لاستضافة البطولات القارية والدولية.

أولاً: السعودية وقيادة التحول الاستثماري الرياضي

تتصدر المملكة العربية السعودية المشهد العربي من خلال استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرياضية، انسجاماً مع مستهدفات رؤية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز مساهمة القطاع الرياضي في الناتج المحلي.

وتشير تقديرات وتقارير استشارية إلى تخصيص استثمارات كبيرة لبناء وتطوير الملاعب، من بينها تقديرات تتحدث عن 17.5 مليار ريال لمشاريع الملاعب حتى عام 2032، فيما تطرح تقديرات أخرى تكاليف إجمالية مرتفعة لمشاريع كأس العالم 2034، تشمل إنشاء الملاعب وتحديثها وتطوير المرافق والخدمات المرتبطة بها.

ومن أبرز المشاريع ملعب أرامكو، واستاد الأمير محمد بن سلمان بمدينة القدية، إلى جانب تطوير عدد من المنشآت الرياضية الكبرى. كما يمثل تحويل ملعب مدينة الملك عبدالله الرياضية بجدة إلى ملعب الإنماء نموذجاً جديداً لاستثمار حقوق تسمية الملاعب وتحويلها إلى مصدر للعوائد التجارية.
ثانيا : التجربة الجزائرية في تحديث المنشآت الرياضية

خطت الجزائر خطوات مهمة في تطوير بنيتها التحتية الرياضية من خلال إنجاز وتحديث عدد من الملاعب ذات المواصفات الدولية، ومن أبرزها ملعب نيلسون مانديلا بالعاصمة، وملعب ميلود هدفي بوهران، وملعب حسين آيت أحمد بتيزي وزو، وملعب علي عمار بالدويرة.

وتشكل هذه المنشآت رصيداً مهماً لاستضافة المنافسات القارية والدولية، غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في حسن استغلالها اقتصادياً، وتطوير أساليب تسييرها، وضمان استمرارية صيانتها، وإقامة شراكات مع القطاع الخاص، حتى لا تتحول إلى أعباء مالية على المؤسسات العمومية.

ثالثاً: المغرب والاستثمار استعداداً لمونديال 2030

يشهد المغرب طفرة كبيرة في تحديث المنشآت الرياضية، استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030، حيث تتضمن خططه تطوير ملاعب طنجة ومراكش وأكادير وفاس والدار البيضاء، إلى جانب مشروع ملعب الحسن الثاني بمنطقة بنسليمان، الذي يُخطط لأن تبلغ طاقته الاستيعابية نحو 115 ألف متفرج.

ولا تقتصر هذه المشاريع على المنشآت الرياضية، بل تشمل أيضاً تطوير الطرق والمطارات وشبكات النقل والقطارات والفنادق والخدمات السياحية، بما يعزز قدرة المملكة على استثمار الحدث العالمي في تحقيق مكاسب اقتصادية وتنموية طويلة الأمد.

رابعاً: مصر وتونس ودول الخليج

تواصل مصر الاستثمار في تطوير المدن والمنشآت الرياضية ومراكز الشباب وملاعب القرب، بمشاركة القطاعين العام والخاص، بهدف توسيع قاعدة الممارسة الرياضية وتعزيز دور الرياضة في التنمية المجتمعية.

أما تونس، فتسعى إلى إعادة تأهيل المنشآت التاريخية، وفي مقدمتها الملعب الأولمبي بالمنزه، من خلال مشاريع تستهدف تحديث مرافقه وتحسين قدراته التشغيلية.

وفي قطر، يمثل إرث كأس العالم 2022 نموذجاً مهماً لاستثمار الملاعب والمنشآت التي احتضنت البطولة، مثل ملعب لوسيل والبيت واستاد خليفة الدولي، وإعادة توظيفها في البطولات والفعاليات الرياضية والترفيهية.

كما تبرز الإمارات من خلال استثماراتها في الأصول الرياضية العالمية، ومن بينها مجموعة سيتي لكرة القدم، التي تضم شبكة من الأندية في عدة دول، بما يعكس اتجاهاً نحو الاستثمار الرياضي العابر للحدود.

خامساً: الاستثمار العربي في الأندية والأصول الرياضية العالمية

لم يعد الاستثمار العربي مقتصراً على بناء الملاعب داخل المنطقة، بل امتد إلى الاستحواذ على أندية عالمية والمساهمة في تمويل وتطوير الأصول الرياضية. ومن أبرز الأمثلة صندوق الاستثمارات العامة السعودي واستثماره في نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي، والاستثمارات القطرية في نادي باريس سان جيرمان الفرنسي، إلى جانب استثمارات مجموعة سيتي لكرة القدم المرتبطة بأبوظبي وامتلاكها نادي مانشستر سيتي.

وتؤكد هذه النماذج أن الرياضة أصبحت مجالاً استراتيجياً للاستثمار الدولي، يجمع بين العوائد التجارية والتسويق السياحي والقوة الناعمة وبناء العلامات التجارية.

سادساً: التحديات ومتطلبات نجاح الاستثمار

رغم ضخامة الاستثمارات العربية، فإن نجاح مشاريع الملاعب لا يقاس فقط بحجم الأموال المنفقة أو عدد المقاعد، وإنما بقدرتها على تحقيق الاستدامة المالية والتشغيلية. ويتطلب ذلك اعتماد نماذج حديثة للإدارة والتسيير، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، واستثمار حقوق التسمية والإعلانات والرعاية التجارية، وتنظيم الحفلات والفعاليات الثقافية والترفيهية.

كما ينبغي الاهتمام بالتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، وترشيد استهلاك المياه، وتطوير النقل والخدمات المحيطة بالملاعب، وربط المنشآت الرياضية بالمشاريع السياحية والتجارية.

إن الاستثمارات العربية في إنشاء وتطوير ملاعب كرة القدم تمثل فرصة تاريخية للانتقال من مفهوم المنشأة الرياضية التقليدية إلى صناعة رياضية متكاملة، قادرة على توليد الثروة وخلق فرص العمل وتعزيز التنمية.

ويبقى الرهان الحقيقي أمام الدول العربية هو الانتقال من سياسة تشييد الملاعب استعداداً للبطولات الكبرى إلى بناء منظومة اقتصادية ورياضية مستدامة، تضمن استغلال هذه المنشآت بعد انتهاء المنافسات، وتحويلها إلى مؤسسات منتجة وقادرة على تمويل نفسها والمساهمة في تطوير الرياضة والمجتمع.

قد يعجبك ايضا
∧