بدل رفو
غراتس — خاص
في أبهى صفحات الثقافة والفن حين يمتزجان ببراءة الطفولة، شهدت مكتبة مدينة غراتس (منطقة كايدورف) في القسم الشمالي من المدينة فعالية استثنائية بكل ما تعنيه الكلمة، حيث تحولت قاعة المكتبة الأنيقة إلى فضاء فسيح ينبض بالدهشة والخيال، مستقطبةً أكثر من خمسين طفلاً وطفلة برفقة مربياتهم الفاضلات من مختلف رياض الأطفال في المنطقة.
جاءت هذه الفكرة الفريدة لتستهدف شريحة عمرية دقيقة جداً، هم الصغار ممن هم دون السادسة من عمرهم. ولا شك أن العمل مع هذه الفئة العمرية يتطلب مهارة استثنائية وجهداً شاقاً ونفساً طويلاً، وكما يُقال دائماً: من السهل جداً أن تقنع إنساناً بالغاً، ولكن من بالغة الصعوبة أن تأسر انتباه طفل في هذا العمر المبكر.

إلا أن الحكواتي والفنان متعدد المواهب كريستوف رودولف غلوك، المعروف بـ الدكتور غلوك، استطاع بحنكتّه وخبرته الواسعة — وهو المدرب المعتمد لدى معهد التعليم الريفي في إقليم شتايرمارك أن يخترق جدار التردد والصمت، مترجماً شغفه إلى طاقة معدية. فقد نوّع غلوك بين سرد الحكايات والقصص، وتوجيه الألعاب، وتقديم فقرات الرقص الشعبي، والغناء التفاعلي الجماعي، فضلاً عن لمسات فن التهريج البريء التي أضفت أجواءً من المرح المطلق.
وقد بلغ الانسجام ذروته بين الأطفال وبين أداء الحكواتي، فقد تفاعل الصغار بحماس عارم مع تعابير وجهه الحية وحركاته الإيحائية المعبرة، وتسمروا بآذان صاغية وهم يستمعون إلى سرد شيق من حكايات كتاب (مافي والذئب)، الذي عَبَرَ بهم إلى عوالم خيالية ساحرة. وما زاد من روعة الحدث وشموليته هو الحضور الراقي لمترجمة لغة الإشارات، التي رافقت العرض بكل حرفية لتنقل كل نبرة وحكاية إلى جميع الأطفال، مؤكدةً على قيم الدمج والتفاعل الشامل.
لقد ضجّت أرجاء المكتبة بضحكات الأطفال الصادقة وتصفيقهم البريء، لتؤكد هذه التجربة مجدداً أن فنون الحكواتي والتهريج وسرد القصص ليست مجرد وسائل ترفيه عابرة، بل هي فنون نبيلة تسهم في بناء وجدان الطفل، وتترك بصمة بيضاء وخالدة في ذاكرة الطفولة والمدينة.