حين تتحول مهنة الطب إلى رسالة إنسانية د علي اللامي انموذجا …

علي محمد الحلفي

ليست المكانة الحقيقية للطبيب بما يحمله من ألقاب علمية، أو بما يمتلكه من شهادات أكاديمية، ولا بعدد مراجعي عيادته فحسب، بل بما يتركه من أثر في نفوس مرضاه، وبما يزرعه من ثقة وطمأنينة في قلوبهم، وبقدرته على أن يجعل من مهنته الإنسانية رسالة تتجاوز حدود التشخيص والعلاج.

ومن بين النماذج الطبية التي تستحق أن نسلّط الضوء عليها في محافظة ميسان، يبرز اسم الطبيب الاستشاري الدكتور علي مجيد اللامي، اختصاص طب الأطفال وحديثي الولادة والخدّج، بوصفه واحداً من الوجوه الطبية التي جمعت بين الكفاءة العلمية وحسن التعامل والروح الإنسانية في أداء رسالتها المهنية.

ولعل ما يدفعني إلى كتابة هذه الكلمات ليس رغبة في الترويج أو الدعاية، فالدكتور علي يمتلك سمعته الطبية ومكانته بين أهالي ميسان، وله مراجِعوه الذين يعرفون قيمته المهنية والإنسانية، وإنما هي شهادة حق أكتبها من واقع تجربة شخصية عشت تفاصيلها بنفسي، عندما اصطحبت حفيدتي الغالية «فاطمة سجاد» إلى عيادته.

هناك مشهد يستحق التوقف عنده والتأمل في معناه؛ فالمألوف أن يشعر الطفل بالخوف والارتباك بمجرد سماع كلمة طبيب، وأن يتحول دخول العيادة إلى لحظات من البكاء والقلق والتشبث بأيدي ذويه، لكن المشهد الذي شاهدته كان مختلفاً تماماً.

أطفال يدخلون العيادة بوجوه مبتسمة، ويتعاملون مع المكان بألفة وارتياح، وكأنهم يدخلون بيتاً يعرفونه، لا عيادة طبية يخشون فيها الإبرة أو الفحص أو العلاج.

وهنا تكمن الحكاية التي تستحق أن تُروى؛ فليس من السهل أن تكسب ثقة الطفل، وليس كل طبيب قادراً على أن يحوّل لحظة الخوف إلى مساحة من الاطمئنان. إن التعامل مع الأطفال يحتاج إلى ما هو أبعد من المعرفة الطبية، يحتاج إلى قلب يتفهم مشاعرهم، وصدر رحب يستوعب قلقهم، وأسلوب يعرف كيف يخاطب عقولهم الصغيرة ويكسب محبتهم دون تكلف.

وهذه واحدة من الصفات التي لمستها في شخصية الدكتور علي مجيد اللامي؛ إذ لا يقتصر دوره على استقبال المريض وتشخيص حالته ووصف العلاج، بل يمتد إلى الاهتمام بالحالة النفسية للطفل وذويه، وإشاعة أجواء من الثقة والراحة، وهي تفاصيل قد تبدو بسيطة في نظر البعض، لكنها تصنع فارقاً كبيراً في التجربة الطبية وتبقى راسخة في ذاكرة العائلة.

إن الطبيب الناجح يعالج المرض، أما الطبيب الإنسان فيعرف كيف يتعامل مع مشاعر المريض أيضاً، ولا سيما حين يكون المريض طفلاً لا يستطيع التعبير عن ألمه أو مخاوفه بالكلمات.

وإلى جانب هذه الروح الإنسانية، تأتي مكانته العلمية والمهنية بوصفه طبيباً استشارياً وأستاذاً في كلية الطب، ومتخصصاً في طب الأطفال وحديثي الولادة والخدّج، وهي مسؤولية علمية وإنسانية كبيرة تتطلب دقة في القرار، ومتابعة مستمرة، ومعرفة تخصصية في التعامل مع أدق الحالات الصحية في مراحل العمر الأولى.

ومن الإنصاف أن نقول إن المجتمع لا يحتاج إلى الطبيب صاحب الاختصاص وحده، بل يحتاج أيضاً إلى الطبيب الذي يمنح الناس شعوراً بأنهم أمام إنسان يحمل مسؤولية مهنته بضمير، ويدرك أن الكلمة الطيبة والابتسامة وحسن الاستقبال قد تكون بداية حقيقية لرحلة العلاج.

تحية تقدير واحترام للدكتور الاستشاري علي مجيد اللامي، ولكل طبيب جعل من العلم أداة لخدمة الإنسان، ومن الأخلاق عنواناً لمهنته، ومن الرحمة منهجاً في تعامله مع المرضى.

فالألقاب العلمية تمنح الإنسان مكانته المهنية، لكن المواقف الإنسانية هي التي تمنحه مكانته في قلوب الناس.

وقد ينسى المريض اسم الدواء الذي تناوله، وقد لا يتذكر تفاصيل مراجعته، لكنه لن ينسى الطبيب الذي أزال خوفه، واحتوى ألمه، ومنح طفله ابتسامة في مكان اعتاد الأطفال أن يذرفوا فيه الدموع.
فبعض الأطباء يعالجون الأجساد، وهناك أطباء يتركون في الأرواح أثراً جميلاً لا يزول.

قد يعجبك ايضا
∧