محمد حسن الساعدي
تمثل السياسة النقدية في العراق واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المشهد الاقتصادي والسياسي، فهي ليست مجرد أدوات مالية لتثبيت الأسعار أو ضبط التضخم، بل هي انعكاس مباشر لتوازن القوى بين الدولة والسوق، وبين الداخل والخارج فمنذ عام 2003 وحتى اليوم، ظل البنك المركزي العراقي في قلب هذه المعادلة، يحاول أن يرسم مساراً نقدياً يحمي العملة الوطنية ويضمن الاستقرار المالي، في وقت تتشابك فيه الضغوط السياسية مع التحديات الاقتصادية.
العراق بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، وهذا الاعتماد جعل السياسة النقدية رهينة لتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية فعندما ترتفع أسعار النفط، تتدفق السيولة إلى خزينة الدولة، ويصبح البنك المركزي قادراً على تعزيز الاحتياطيات ودعم قيمة الدينار لكن عند انخفاض الأسعار، تتراجع الإيرادات، ويجد البنك المركزي نفسه أمام معضلة إما أن يستهلك الاحتياطيات للحفاظ على سعر الصرف، أو أن يسمح بانخفاض قيمة العملة بما يحمله ذلك من آثار تضخمية على المواطن، فيما أن هذه المعادلة الصعبة جعلت السياسة النقدية في العراق أقرب إلى إدارة الأزمات منها إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
نافذة بيع العملة تعد من أبرز أدوات السياسة النقدية في العراق التي أصبحت محور جدل واسع فبين من يراها وسيلة لضبط السوق وتوفير الدولار للتجار والمستوردين، وبين من يتهمها بأنها باب واسع للفساد وغسيل الأموال، ظل البنك المركزي يدافع عن هذه الآلية باعتبارها ضرورة في ظل اقتصاد ريعي غير متنوع لكن الحقيقة أن هذه النافذة كشفت هشاشة البنية الاقتصادية، حيث يعتمد السوق على الدولار أكثر من اعتماده على الدينار، مما يضعف الثقة بالعملة الوطنية ويجعلها عرضة للضغط المستمر.
السياسة النقدية أيضاً واجهت تحديات مرتبطة بالاستقلالية فالبنك المركزي نظرياً مؤسسة مستقلة لكن الواقع السياسي كثيراً ما فرض تدخلات مباشرة أو غير مباشرة في قراراته فالحكومات المتعاقبة كانت تنظر إلى السياسة النقدية كأداة لتغطية العجز أو تمويل الإنفاق العام، بينما يصر البنك المركزي على أن دوره يقتصر على الاستقرار النقدي وليس تمويل الدولة، الامر الذي أسهم كثيراً في هذا التوتر بين الاستقلالية والضغوط السياسية الى جعل السياسة النقدية في العراق ساحة صراع بين منطق الاقتصاد ومنطق السلطة إلى جانب ذلك، فإن التضخم ظل هاجساً دائماً فارتفاع الأسعار، خصوصاً في المواد الغذائية والسلع الأساسية، يضع ضغطاً على المواطن ويهدد الاستقرار الاجتماعي وهنا يحاول البنك المركزي استخدام أدواته التقليدية مثل رفع الفائدة أو التحكم بالسيولة، لكن هذه الأدوات غالباً ما تكون محدودة الفعالية في اقتصاد يعتمد على الاستيراد أكثر من الإنتاج المحلي فالتضخم في العراق ليس تضخماً ناتجاً عن زيادة الطلب الداخلي، بل هو تضخم مستورد يرتبط بسعر الدولار وكلفة الاستيراد، مما يجعل السياسة النقدية عاجزة عن معالجته بشكل جذري.
السياسة النقدية في العراق أيضاً مرتبطة بالبعد الدولي فالعلاقات مع الولايات المتحدة، بوصفها الجهة التي تسيطر على تدفق الدولار إلى العراق، تلعب دوراً محوريا في أي توتر سياسي أو خلاف دبلوماسي ينعكس مباشرة على السياسة النقدية، كما حدث في أوقات فرض قيود على التحويلات المالية أو تشديد الرقابة على المصارف العراقية، ما جعل هذا الارتباط بالخارج رهينة السياسة النقدية ليس فقط لعوامل اقتصادية، بل أيضاً لمعادلات جيوسياسية تتجاوز حدود العراق.
لا يمكن إنكار أن البنك المركزي حقق بعض النجاحات في مساره النقدي، فقد تمكن في فترات معينة من الحفاظ على استقرار نسبي لسعر الصرف، وبنى احتياطيات مالية معتبرة، وساهم في إدخال إصلاحات على النظام المصرفي لكن هذه النجاحات تبقى محدودة إذا ما قورنت بحجم التحديات، خصوصاً في ظل غياب سياسة مالية متوازنة تدعم السياسة النقدية فالعراق بحاجة إلى تنويع مصادر دخله، وتطوير قطاعاته الإنتاجية، حتى تصبح السياسة النقدية أكثر فاعلية وأقل هشاشة أمام الصدمات الخارجية.
السياسة النقدية في العراق هي مرآة لأزماته البنيوية، وهي تكشف عن اعتماد مفرط على النفط، وعن ضعف في البنية الإنتاجية، وعن تدخلات سياسية تحد من استقلالية المؤسسات الاقتصادية، فإذا أراد العراق أن يبني سياسة نقدية قوية ومستقرة، فعليه أن يعيد النظر في هيكل اقتصاده، وأن يمنح البنك المركزي استقلالية حقيقية، وأن يربط السياسة النقدية بسياسات مالية وتنموية متكاملة، فعندها فقط يمكن أن تتحول السياسة النقدية من مجرد إدارة أزمات إلى أداة فاعلة لبناء اقتصاد متوازن ومستقر.