مدرس مساعد ريناس بكر علي
لم تعد العلاقات الدولية تُدار بالقوة العسكرية أو بالقدرة الاقتصادية وحدهما، بل غدت القدرة على التأثير في عقول الناس وتفضيلاتهم وصورتهم عن الدول ركناً لا يقل أهمية عن الجيوش والأسواق. وفي هذا الإطار برز مفهوم القوة الناعمة بوصفه قدرة الدولة على الجذب والإقناع وكسب القبول، لا على الإكراه أو شراء المواقف. وتتحقق هذه القدرة عبر الثقافة والقيم السياسية والسياسات الخارجية والصورة العامة، غير أن الإعلام هو الأداة التي تمنح هذه العناصر صوتاً عابراً للحدود. فالدولة قد تمتلك تاريخاً ثقافياً عريقاً أو تجربة تنموية ناجحة، لكنها لا تتحول إلى قوة مؤثرة دولياً ما لم تستطع أن تروي قصتها بلغة يفهمها الآخرون، وأن تقدم نفسها شريكاً أو نموذجاً أو مصدراً موثوقاً للمعلومة. ومن هنا يصبح الإعلام جزءاً من صناعة النفوذ، لا مجرد وسيلة لنقل الأخبار.
يقوم النفوذ الدولي في صورته الحديثة على التنافس في تفسير الأحداث بقدر ما يقوم على التنافس في صنعها. فالحدث السياسي لا يكتسب دلالته النهائية لحظة وقوعه، بل حين يُقدَّم إلى الرأي العام عبر الصورة والخبر والتحليل واللغة المختارة. وقد تنجح دولة ما في إظهار تحرك دبلوماسي محدود بوصفه مبادرة سلام مسؤولة، فيما قد يُقدَّم تحرك مشابه لدولة منافسة باعتباره تهديداً للاستقرار. لذلك لا يقتصر الإعلام الدولي على وصف الواقع، بل يشارك في بناء المعنى الذي يحيط به. وعندما تتكرر الرسائل الإعلامية المتماسكة عبر سنوات، تتشكل لدى الجمهور والنخب السياسية صورة ذهنية تؤثر في الثقة، وفي فرص التعاون الاقتصادي، وفي استعداد الحكومات والجماعات لتأييد سياسات تلك الدولة أو الاعتراض عليها.
وتتجلى القوة الناعمة في المجال الإعلامي حين تكون الرسالة مقنعة من داخلها، لا حين تُفرض بتكرار مباشر أو خطاب دعائي فج. فالمتلقي المعاصر يمتلك بدائل واسعة للمعلومات، ويستطيع مقارنة الروايات ومراجعة المصادر، ولذلك فإن الإعلام الذي يبالغ في تمجيد الذات أو إنكار الوقائع يفقد صدقيته سريعاً. أما الإعلام القادر على الجمع بين المهنية والوضوح وحسن السرد، فإنه يستطيع أن يجعل قيم الدولة وثقافتها وسياساتها أكثر قابلية للفهم والتقبل. والصدقية هنا هي رأس المال الأهم؛ إذ إن الخبر الدقيق، والاعتراف بالأخطاء عند وقوعها، وإتاحة المجال للآراء المختلفة، كلها تمنح الوسيلة الإعلامية قدرة على الإقناع تتجاوز أثر الحملات الرسمية المباشرة.
ومن الأمثلة البارزة على هذا الدور تجربة هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي التي تحولت، عبر تاريخ طويل من البث الدولي، إلى مرجع إخباري عند شرائح واسعة من الجمهور خارج المملكة المتحدة. ولا يعني ذلك أن تغطيتها خالية من الرؤية الوطنية أو من الجدل، لكنها بنت نفوذها على استثمار طويل في المراسلين واللغات المتعددة والتغطية المهنية. وهكذا ارتبط اسم بريطانيا في الوعي العالمي، لدى جمهور واسع، بصورة مؤسسة إعلامية تمتلك الخبرة والاستمرارية. هذه الصورة لا تحقق مكسباً سياسياً مباشراً في كل قضية، لكنها تراكم رصيداً من الحضور والثقة يمكن أن يخدم المكانة البريطانية في النقاشات الدولية، وفي تقديم السياسات العامة، وفي استقطاب الطلبة والسياح والشركاء الثقافيين.
وتقدم فرنسا مثالاً آخر من خلال توظيف اللغة والثقافة والإعلام معاً. فقنواتها الدولية، ولا سيما فرانس 24، لا تخاطب جمهوراً فرنسياً فقط، بل تسعى إلى تقديم منظور فرنسي للأحداث بلغات متعددة. ويرتبط هذا الجهد بشبكة من المؤسسات الثقافية، وبنشاط دبلوماسي وفرنكوفوني، وبصناعة سينمائية وفنية معروفة. وعندما يشاهد المتلقي برامج عن الثقافة الفرنسية، أو يتابع تغطية سياسية من منظور فرنسي، أو يتفاعل مع محتوى تعليمي وفني صادر من مؤسسات فرنسية، فإن ذلك يكوّن علاقة رمزية مستمرة مع فرنسا. هذه العلاقة قد لا تتحول فوراً إلى موقف سياسي، لكنها تجعل الدولة حاضرة في الخيال العام، وتزيد قدرتها على الحوار والتأثير عندما تظهر قضايا دولية تتطلب بناء التحالفات أو كسب التأييد.
أما الولايات المتحدة فتظهر فيها العلاقة بين الإعلام والقوة الناعمة على نطاق أوسع. فالسينما الأمريكية، والمنصات الرقمية، والجامعات، وشركات التكنولوجيا، والمؤسسات الإخبارية العابرة للحدود، تقدم مجتمعة صورة عن أنماط الحياة الأمريكية وقيمها وفرصها وتناقضاتها. وقد ساعد انتشار الأفلام والمسلسلات والموسيقى والبرامج الحوارية الأمريكية في تعريف أجيال كثيرة باللغة الإنجليزية وبالجامعات والمدن والرموز الاجتماعية الأمريكية. وهذا لا يعني أن الصورة إيجابية دائماً أو أن الجمهور يتقبلها بلا نقد، لكنه يعني أن الولايات المتحدة تمتلك مساحة واسعة في المجال الرمزي العالمي. فحتى النقد الموجه إليها غالباً ما يجري عبر منتجاتها الثقافية وإعلامها ومنصاتها، وهو ما يبين عمق حضورها في بيئة الاتصال الدولي.
ولا يقتصر توظيف الإعلام في النفوذ الناعم على القوى الغربية. فقد طورت دول آسيوية تجارب واضحة في هذا المجال. فانتشار الدراما الكورية الجنوبية والموسيقى الكورية والألعاب الرقمية والمنتجات المرئية أسهم في جذب جماهير شابة في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا اللاتينية. وقد انعكس هذا الاهتمام على السياحة وتعلم اللغة والطلب على المنتجات الكورية، وعلى إدراك كوريا الجنوبية بوصفها دولة مبتكرة وحديثة. هنا يظهر كيف يمكن للمنتج الثقافي والإعلامي أن يفتح باباً اقتصادياً ودبلوماسياً في آن واحد؛ إذ تتحول المتابعة الفنية إلى فضول ثقافي، ثم إلى صلة أوسع بالدولة ومؤسساتها وصورتها الدولية.
وفي العالم العربي، مثّل ظهور القنوات الفضائية العابرة للحدود تحولاً مهماً في علاقة الإعلام بالتأثير الإقليمي والدولي. فقناة الجزيرة، على سبيل المثال، جعلت دولة قطر أكثر حضوراً في المجال العام العربي والدولي من خلال شبكة إخبارية متعددة اللغات وتغطية مكثفة للقضايا الإقليمية. وقد أثارت القناة نقاشات وانتقادات واسعة، وهذا أمر طبيعي في الإعلام السياسي، إلا أن أثرها في توسيع معرفة الجماهير بدولة قطر وبنشاطها الإعلامي والدبلوماسي واضح. فالقوة الناعمة لا تعني الإجماع حول الدولة، بل تعني امتلاك قدرة مستمرة على أن تكون حاضرة في النقاش، وأن تطرح روايتها، وأن تؤثر في جدول الموضوعات التي تشغل الرأي العام.
وتبرز أهمية الإعلام كذلك في أوقات الأزمات الدولية. فعند وقوع كارثة طبيعية أو نزاع مسلح أو أزمة صحية، لا تتنافس الدول فقط في تقديم المساعدات، بل في كيفية إظهار تلك المساعدات وتفسيرها. فالتغطية المهنية لعمليات الإغاثة، وإبراز التعاون مع المنظمات الدولية، وإتاحة المعلومات الدقيقة للصحفيين والجمهور، يمكن أن تمنح الدولة سمعة الشريك المسؤول. وعلى العكس، فإن حجب المعلومات أو تقديم روايات متضاربة يضعف الثقة، حتى لو كانت المساعدات أو الإجراءات العملية موجودة على الأرض. وفي أزمات اللاجئين مثلاً، يمكن للخطاب الإعلامي الذي يركز على الكرامة الإنسانية والتضامن أن يعزز صورة الدولة، بينما يؤدي الخطاب الذي يختزل اللاجئين في تهديد أمني إلى إضعاف جاذبيتها الأخلاقية أمام جمهور دولي واسع.
وتتصل القوة الناعمة أيضاً بما يسمى بالدبلوماسية العامة، أي التواصل المباشر مع الشعوب الأجنبية لا مع الحكومات وحدها. فالسفارات اليوم لا تعتمد على البيانات الرسمية فقط، بل تستخدم مواقعها ومنصات التواصل الاجتماعي وبرامج التبادل الثقافي والحملات الرقمية لشرح سياسات بلدانها. وتستطيع الرسالة الإعلامية الذكية أن تشرح موقفاً قانونياً أو إنسانياً معقداً بلغة بسيطة وصورة مؤثرة، فتصل إلى طلاب وصحفيين وباحثين ومجتمعات مدنية في بلدان مختلفة. غير أن نجاح الدبلوماسية العامة مشروط بتوافق الخطاب مع السلوك؛ فالجمهور العالمي يلاحظ التناقض بين الوعود والممارسة، ولا يمكن أن تعوض الصورة الإعلامية وحدها سياسات تفتقر إلى المصداقية أو العدالة.
لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي طبيعة هذا المجال. ففي السابق كانت القنوات والصحف الكبرى تحتكر نسبياً إنتاج الرسائل الدولية، أما اليوم فأصبح السياسي والدبلوماسي والمؤسسة الثقافية والفنان والمواطن العادي قادرين على مخاطبة جمهور عالمي مباشر. وهذه السرعة تمنح الدول فرصة لنشر رسائلها فوراً، لكنها تجعلها أيضاً أكثر عرضة للأخطاء والتضليل والحملات المنظمة. فالتغريدة أو المقطع القصير قد يتحول في ساعات إلى قضية دبلوماسية، وقد تؤدي صورة واحدة إلى إعادة توجيه النقاش العام حول حدث كامل. لذلك تحتاج الدولة إلى مؤسسات اتصال متخصصة تفهم اختلاف الثقافات واللغات، وتستطيع الفصل بين الرسالة الوطنية المشروعة وبين الدعاية التي تُفقدها الثقة.
ويمكن ملاحظة هذا التحول في الطريقة التي تستخدم بها وزارات الخارجية حساباتها الرسمية. فبدلاً من الاقتصار على الإعلان عن اللقاءات والاتفاقات، باتت الحسابات الناجحة تنتج خرائط قصيرة، ومقاطع تعريفية، وشهادات لطلاب وبرامج ثقافية، وترد على المعلومات المضللة ببيانات موثقة. والهدف من ذلك ليس تحقيق انتشار رقمي عابر، بل بناء علاقة طويلة الأمد مع جمهور لا يعرف الدولة إلا عبر ما يراه ويسمعه على الشاشة. وكلما كان المحتوى إنسانياً ومحدداً ومبنيّاً على معلومات قابلة للتحقق، ازدادت فرص تحوله إلى أصل من أصول القوة الناعمة.
ولا ينبغي النظر إلى الإعلام بوصفه بديلاً من عناصر القوة الأخرى. فالدولة التي تفتقر إلى اقتصاد متماسك أو مؤسسات فعالة أو سياسة خارجية متزنة لن تستطيع أن تصنع نفوذاً دائماً بمجرد حملات إعلامية لامعة. إن الإعلام يضخم الإنجاز الحقيقي ويعرّفه بالآخرين، لكنه لا يستطيع صنع إنجاز غير موجود إلى ما لا نهاية. ولهذا فإن العلاقة بين القوة الناعمة والإعلام علاقة تكامل: السياسة الرشيدة تولد مضموناً مقنعاً، والإعلام المهني يمنح هذا المضمون انتشاراً وفهماً، والثقافة الحية تضيف بعداً إنسانياً يجعل الدولة أكثر قرباً من الشعوب.
كما أن القوة الناعمة تواجه تحديات أخلاقية وسياسية. فقد تتحول المنصات الإعلامية إلى أدوات للاستقطاب أو نشر الكراهية أو التلاعب بالمعلومات، وعندئذٍ تفقد وظيفتها الجاذبة وتتحول إلى أحد مصادر التوتر. ومن هنا تبرز ضرورة احترام المعايير المهنية، وحقوق الجمهور في المعرفة، وخصوصية المجتمعات المختلفة، وعدم اختزال الشعوب في صور نمطية. فالدولة التي تبني حضورها الإعلامي على الاحترام المتبادل والحوار الثقافي تكون أكثر قدرة على الحفاظ على تأثيرها من الدولة التي تعتمد على الإثارة أو التخويف أو التشويه.
إن صناعة النفوذ الدولي عبر الإعلام عملية تراكمية تحتاج إلى رؤية بعيدة المدى. فلا يكفي إطلاق قناة أو حملة في مناسبة سياسية، بل يلزم الاستثمار في الكوادر الإعلامية، وفي الترجمة، وفي المحتوى الثقافي والتعليمي، وفي الصحافة الميدانية، وفي منصات موثوقة تخاطب جمهوراً متعدد اللغات. كما يلزم فتح المجال أمام التبادل العلمي والفني والرياضي، لأن هذه المجالات تمنح الرسالة الإعلامية حياة واقعية خارج الشاشات. وحين تتكامل السياسة الخارجية مع الثقافة والإعلام والتعليم، تستطيع الدولة أن تبني نفوذاً أكثر هدوءاً واستدامة من النفوذ القائم على الضغط وحده.
وخلاصة القول إن الإعلام هو أحد أهم ميادين القوة الناعمة في العلاقات الدولية المعاصرة، لأنه يحوّل الثقافة والسياسة والإنجاز الوطني إلى رواية تصل إلى الآخرين. وقد أثبتت أمثلة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وقطر أن التأثير الإعلامي يستطيع أن يوسع الحضور الدولي للدولة، وأن يخلق لها شبكة من المعارف والرموز والتوقعات الإيجابية أو المؤثرة. غير أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين أو ساعات البث فقط، بل بقدر ما يرسخ الإعلام صورة موثوقة، ويجعل الدولة شريكاً مفهوماً ومقبولاً في أعين الشعوب والنخب. ولذلك فإن الاستثمار في إعلام مهني منفتح ومتعدد اللغات لم يعد ترفاً، بل أصبح جزءاً أساسياً من أدوات الدولة في إدارة علاقاتها الدولية وصناعة مكانتها في العالم.
مقالة في العلاقات الدولية