ماهين شيخاني
قراءة في تحذير لافروف ومستقبل القضية الكوردية
حين حذّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في المنامة يوم 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، من خطر العودة إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط، لم يكن يتحدث عن احتمال عسكري معزول، بل عن منطقة تتشابك فيها المواجهات المباشرة مع الصراعات بالوكالة، وتختلط فيها حسابات الأمن بمصالح الطاقة والنفوذ الدولي. وقد دعا في الوقت نفسه إلى بناء إطار للأمن الجماعي في الخليج، في إشارة إلى إدراك موسكو خطورة استمرار التصعيد على المنطقة والعالم.
لكن ما الذي يعنيه هذا التحذير بالنسبة إلى الشعب الكوردي، الذي يعيش في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، وتتحول فيها الجغرافيا أحياناً إلى عبء أمني وسياسي على سكانها؟
السؤال ليس ما إذا كانت الحرب ستتسع حتماً، بل ما إذا كان الكورد يمتلكون ما يكفي من أدوات الحماية السياسية والأمنية، وما إذا كانوا قادرين على تحويل التجارب السابقة إلى استراتيجية تحمي الإنسان والأرض والحقوق، بدلاً من انتظار قرارات تُتخذ بعيداً عنهم.
أولاً: الشرق الأوسط على حافة التصعيد
منذ اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، دخلت المنطقة مرحلة شديدة الاضطراب. ولم تعد المواجهة محصورة في حدود إيران، بل امتدت آثارها إلى أمن الخليج، وحركة الملاحة، وأسواق الطاقة، ومواقع عسكرية وبنى تحتية في دول مختلفة. وفي 15 تشرين الأول/أكتوبر، حذّر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الحرب واضطراب إنتاج الطاقة والنقل والبنية التحتية يشكل أحد أبرز المخاطر الاقتصادية على الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وفي مثل هذا المشهد، لا تبدو المخاطر محصورة في قرار بإطلاق صاروخ أو تنفيذ ضربة جوية؛ فالتصعيد قد ينتقل من جبهة إلى أخرى، وقد تتداخل فيه حسابات الردع مع أخطاء التقدير وسوء قراءة نيات الخصوم.
لذلك ينبغي فهم تحذير لافروف بوصفه تنبيهاً إلى هشاشة الوضع الإقليمي، لا نبوءة بحرب حتمية. فالتحذيرات الدبلوماسية لا تحدد المستقبل وحدها، لكنها تكشف حجم القلق من أن يؤدي استمرار المواجهة إلى اتساع رقعتها، وأن يدفع المدنيون وشعوب المنطقة أثماناً لم يختاروا دفعها.
وفي قلب هذه المعادلة، يجد الكورد أنفسهم أمام تحدٍّ يتجاوز الموقف من حرب بعينها: كيف يمكن حماية مناطقهم وحقوقهم عندما تتصارع القوى الكبرى والإقليمية على أرض تقع عند تقاطع مصالحها؟
ثانياً: إقليم كوردستان… حين لا يكفي الحياد
أعلن إقليم كوردستان رغبته في تجنيب نفسه الانخراط في الحرب الإقليمية، لكن ذلك لم يمنع تعرضه لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي 17 آب/أغسطس 2026، استهدفت طائرتان مسيّرتان مكتب رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني ومقر إقامة مسؤول أمني رفيع في منطقة بيرمام بمحافظة أربيل، وفق بيانات أمنية وتقارير صحفية. كما أعلن مسرور بارزاني أن الإقليم تعرض لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والمسيّرات منذ بدء الحرب، داعياً الشركاء الدوليين إلى المساعدة في تعزيز قدراته الدفاعية.
هذه الوقائع تضع مسألة الحياد أمام اختبار قاسٍ. فالحياد السياسي قد يعبّر عن رغبة في عدم المشاركة في الحرب، لكنه لا يضمن وحده امتناع الأطراف الأخرى عن استهداف المنطقة، ولا سيما حين تتداخل فيها الحدود الجغرافية مع ملفات المعارضة الإيرانية والمصالح العسكرية الدولية.
ومع ذلك، فإن القول إن الجغرافيا لا تعرف الحياد يحتاج إلى توضيح: الجغرافيا لا تفرض الحرب حتماً، لكنها قد تزيد تعرض منطقة ما للضغط حين تتقاطع فيها المصالح الأمنية والعسكرية المتعارضة.
وهنا تبرز المشكلة الأساسية. فالإقليم يحتاج إلى سياسة تمنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات، وإلى قدرات دفاعية تحمي المدنيين والبنية التحتية، وإلى تفاهمات واضحة مع بغداد والشركاء الدوليين بشأن منع استخدام أراضيه في هجمات تهدد دول الجوار، ومنع استهدافه في الوقت نفسه.
لا ينبغي أن يُفهم هذا المطلب بوصفه دعوة إلى سباق تسلح أو الانخراط في الحرب، بل بوصفه مطالبة مشروعة بأمن السكان وحماية المؤسسات. فالدفاع عن الإقليم لا ينفصل عن الدبلوماسية، كما أن الدبلوماسية لا تستطيع أن تحل وحدها محل القدرة على حماية المجال الجوي والبنية الحيوية.
لقد أثبتت الهجمات أن إعلان عدم المشاركة في الحرب لا يكفي وحده لحماية الإقليم. لكن الاستنتاج الأهم ليس أن الحياد بلا قيمة، بل أنه يحتاج إلى سياسة ردع دفاعية، وإلى علاقات إقليمية متوازنة، وإلى موقف عراقي واضح يرفض تحويل أراضي البلاد إلى ممر للهجمات أو ساحة لتبادل الرسائل العسكرية.
ثالثاً: كوردستان سوريا… الاندماج لا يُقاس بالإعلان وحده
على الضفة السورية، دخلت القضية الكوردية مرحلة مختلفة بعد إعلان مظلوم عبدي، في 25 آب/أغسطس 2026، انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلّها بوصفها قوة عسكرية مستقلة، في إطار عملية الاندماج مع مؤسسات الدولة السورية. وقد سبقت ذلك اتفاقات تضمنت ترتيبات للدمج العسكري والأمني والمدني، إلى جانب إجراءات تتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للكورد.
هذا التطور لا يمكن اختزاله في عبارة واحدة، لا بوصفه انتصاراً نهائياً للتكامل الوطني، ولا بوصفه خسارة مكتملة لكل ما حققه الكورد. فالمسألة تتوقف على كيفية تنفيذ الاتفاقات، وعلى طبيعة مشاركة الكورد في مؤسسات الدولة، وعلى مصير الإدارة المحلية، وعلى قدرة النصوص القانونية على حماية الحقوق في الممارسة اليومية.
إن حلّ قوة عسكرية مستقلة يغيّر موازين القوة على الأرض، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة السياسية التي تهم السكان: ما حدود الصلاحيات المحلية؟ كيف ستُحمى اللغة الكوردية والثقافة والحقوق المدنية؟ ما الضمانات التي تمنع العودة إلى سياسات الإنكار أو الإقصاء؟ وكيف ستُمثَّل المناطق الكوردية في المؤسسات الأمنية والإدارية بما ينسجم مع حقوق سكانها؟
لقد تضمنت ترتيبات الاندماج بنوداً بشأن الحقوق الثقافية واللغوية، والتمثيل المحلي، ودمج المؤسسات والقوات. غير أن وجود البنود لا يعني أن كل المخاوف قد زالت؛ فالفارق كبير بين الاعتراف المعلن والضمانة القانونية القابلة للتطبيق والمساءلة.
ومن هنا، فإن التحدي أمام القوى السياسية الكوردية لا يتمثل في رفض كل اندماج مع الدولة، ولا في قبول أي صيغة تُعرض عليها، بل في ضمان ألا يتحول الاندماج إلى ذوبان سياسي أو ثقافي، وألا يصبح الاعتراف بالحقوق مجرد إعلان لا تسنده مؤسسات وآليات تنفيذ واضحة.
أما احتمال تحول سوريا إلى ساحة إضافية للصراع الإقليمي، فيظل خطراً ينبغي الاستعداد له، لا نتيجة يمكن الجزم بها. وإذا اتسعت الحرب، فإن مناطق الجزيرة والفرات قد تتعرض لضغوط أمنية واقتصادية ونزوح جديد؛ لكن حجم الخطر وطبيعته سيتوقفان على مسار الحرب، وسياسات الأطراف، وقدرة المؤسسات على حماية السكان.
رابعاً: من يتحمل كلفة الحرب، ومن يشارك في القرار؟
تتكرر في التجربة الكوردية مفارقة مؤلمة: تتأثر المجتمعات الكوردية بصراعات لا تتحكم وحدها في مساراتها، بينما تبقى قدرتها على التأثير في القرارات الإقليمية والدولية محدودة.
في إقليم كوردستان العراق، تظهر هذه المفارقة في التعرض للهجمات رغم السعي إلى تجنب الحرب. وفي كوردستان سوريا، تظهر في صعوبة الموازنة بين حماية المكتسبات السابقة ومتطلبات الاندماج في الدولة. أما في كوردستان إيران، فتظل أوضاع الكورد المعارضين للنظام الإيراني ووجود مقرات بعض القوى الكوردية خارج إيران جزءاً من معادلة أمنية شديدة الحساسية. وفي كوردستان تركيا، تبقى القضية الكوردية مرتبطة بمسارات الصراع السياسي والأمني وبفرص التسوية والاعتراف بالحقوق.
لكن من الضروري ألا نضع جميع هذه التجارب في قالب واحد؛ فالأوضاع القانونية والسياسية والأمنية تختلف من دولة إلى أخرى، كما تختلف قدرات القوى الكوردية وأهدافها وتحالفاتها. ولا يعني الانتماء القومي المشترك أن كل القوى الكوردية تتخذ المواقف نفسها أو تؤدي الدور ذاته في الصراعات.
المشكلة ليست أن الكورد لا يمتلكون أي دور في الأحداث، بل أن قدرتهم على التأثير في القرارات التي تمس أمنهم ومستقبلهم لا تتناسب دائماً مع حجم المخاطر التي يتحملونها.
ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة: أن تكون للقوى الكوردية قنوات اتصال واضحة، ومطالب محددة، وموقف سياسي قابل للتنسيق، وأن تتعامل مع الأطراف الإقليمية والدولية على أساس المصالح والضمانات، لا على أساس افتراض أن التحالفات ستبقى ثابتة مهما تغيرت الظروف.
خامساً: الانسحاب الأميركي وحدود الرهان على الخارج
في نهاية أيلول/سبتمبر 2026، اكتمل انسحاب القوات الأميركية من العراق، وفق تقارير صحفية، في تطور أثار تساؤلات بشأن التوازنات الأمنية ومستقبل التعاون العسكري والاستخباراتي في المنطقة.
لا يعني هذا التطور بالضرورة انتهاء العلاقات الأميركية مع إقليم كوردستان، لكنه يفرض إعادة تقييم الافتراضات المتعلقة بمستوى الحماية المتاح، وبما يمكن أن تقدمه واشنطن في ظروف الحرب والتصعيد.
فالولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها وتقديراتها الاستراتيجية، كما تفعل روسيا وسائر القوى الدولية. وقد تتقاطع مصالح هذه الدول مع المصالح الكوردية في مرحلة معينة، ثم تتغير الأولويات أو تتبدل أدوات الدعم عندما تتغير الحسابات.
وهذا لا يعني رفض العلاقات الدولية أو التقليل من أهمية التحالفات؛ بل يعني أن التحالف الناجح يحتاج إلى مصالح متبادلة، ومؤسسات قادرة على استثماره، وخيارات بديلة، وفهم واقعي لحدوده.
أما روسيا، فإن تحذيراتها من اتساع الحرب ودعوتها إلى إطار للأمن الجماعي في الخليج لا تعني أنها قدمت ضمانة أمنية للكورد. فالموقف الدبلوماسي شيء، والالتزام العملي بحماية منطقة أو شعب شيء آخر.
لذلك لا ينبغي بناء الاستراتيجية الكوردية على انتظار تدخل خارجي ينقذ الموقف في اللحظة الأخيرة، بل على تنويع العلاقات، وتعزيز التفاهمات الإقليمية، وبناء المؤسسات، وتحديد المصالح التي يمكن الدفاع عنها بالتفاوض والعمل السياسي.
سادساً: ماذا تتطلب المرحلة من القوى الكوردية؟
أولاً: تحويل الحياد إلى سياسة أمنية قابلة للتطبيق.
في إقليم كوردستان، لا يكفي إعلان عدم الانخراط في الحرب. المطلوب تعزيز حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وتطوير قدرات الإنذار المبكر والدفاع الجوي ضمن إطار قانوني وسياسي واضح، والتنسيق مع بغداد والشركاء الدوليين لتقليل مخاطر الهجمات، مع تجنب تحويل الإقليم إلى طرف إضافي في المواجهة.
ثانياً: جعل الحقوق أساساً لأي اندماج سياسي أو عسكري.
في كوردستان سوريا، ينبغي متابعة تنفيذ الاتفاقات بنداً بنداً، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية والمدنية، وتوضيح آليات التمثيل المحلي، ومراقبة كيفية دمج المؤسسات والقوات. فالاندماج المستدام لا يقوم على حسن النيات وحده، بل على قواعد واضحة، ومؤسسات مسؤولة، وإمكانية مراجعة التجاوزات ومحاسبة مرتكبيها.
ثالثاً: بناء حد أدنى من التنسيق الكوردي المشترك.
لا تعني وحدة الموقف إلغاء الاختلافات الحزبية أو السياسية، ولا فرض رؤية واحدة على جميع أجزاء كوردستان. لكنها تعني الاتفاق على مبادئ أساسية: حماية المدنيين، ورفض الاعتداء على المناطق الكوردية، والدفاع عن الحقوق القومية، وعدم استخدام الخلافات الداخلية لتسهيل الإقصاء أو استهداف السكان.
إن الخلاف السياسي يصبح خطراً حين يمنع التنسيق في القضايا المصيرية؛ أما التعددية المنظمة، فيمكن أن تكون مصدر قوة إذا اتفقت الأطراف على الحد الأدنى من المصالح المشتركة.
رابعاً: عدم الارتهان لقوة دولية واحدة.
تحتاج القضية الكوردية إلى علاقات دولية واسعة، لكن ينبغي أن تستند هذه العلاقات إلى قراءة واقعية للمصالح المتبادلة. فلا يجوز الخلط بين الدعم في معركة محددة وبين ضمانة دائمة للمستقبل، ولا بين تصريح سياسي والتزام قابل للتنفيذ.
خامساً: وضع الإنسان في مركز الاستراتيجية.
ليست قيمة أي سياسة في عدد البيانات أو التحالفات، بل في قدرتها على حماية السكان، ومنع النزوح، وصون الحقوق، وتوفير الاستقرار، وفتح المجال أمام التنمية والحياة الطبيعية. إن الدفاع عن القضية الكوردية لا ينفصل عن الدفاع عن الناس الذين يعيشون في ظلها ويدفعون ثمن الصراعات.
خاتمة: الحافة ليست قدراً
تحذير لافروف يعكس خطورة مرحلة إقليمية لا تزال نتائجها مفتوحة على احتمالات متعددة. وقد أظهرت الهجمات التي طالت إقليم كوردستان أن السعي إلى تجنب الحرب لا يضمن وحده النجاة من آثارها، فيما تضع التحولات في كوردستان سوريا مسألة الحقوق والضمانات أمام اختبار جديد.
لكن ليس صحيحاً أن الكورد محكومون بأن يكونوا مجرد ساحة لصراعات الآخرين. فمحدودية القوة لا تعني انعدام القدرة على الفعل، والاختلافات الداخلية لا تعني استحالة التنسيق، والاعتماد على العلاقات الدولية لا يقتضي التخلي عن بناء مؤسسات ذاتية قادرة على حماية المجتمع.
إن القضية الكوردية لا تحتاج إلى خطاب يكتفي بتعداد المخاطر، بل إلى استراتيجية تجمع بين الواقعية السياسية والحقوق القومية، وبين القدرة الدفاعية والحلول الدبلوماسية، وبين وحدة الموقف واحترام التعددية.
فالحياد بلا حماية لا يكفي، والاندماج بلا ضمانات يظل هشّاً، والتحالف بلا مصالح واضحة قد يتغير حين تتغير الحسابات.
أما الدرس الأعمق، فهو أن حماية المستقبل لا تبدأ حين تشتعل الحرب، بل حين تُبنى المؤسسات وتُصان الحقوق وتُدار الخلافات قبل أن تتحول إلى نقاط ضعف.
لقد عاش الكورد طويلاً وسط صراعات لم يكونوا وحدهم من صنعها، لكنهم يستطيعون تقليل كلفتها حين يتحولون من انتظار قرارات الآخرين إلى صياغة مواقفهم بوعي وتنسيق.
فالحافة ليست قدراً أبدياً، لكنها تحذير. وما بين الحافة والهاوية، تصنع الحكمة السياسية والحقوق المصانة والمؤسسات القادرة الفارق.
*ماهين شيخاني.