الواقعية السياسية والحقوق القومية لكورد سوريا قراءة في موقف نيجيرفان بارزاني ودور إقليم كوردستان في حماية المكتسبات
عبد الرحمن حبش*
إن ما طرحه السيد نيجيرفان بارزاني خلال حديثه في منتدى ميري بهولير بشأن خصوصية الواقع الكوردي في سوريا واختلافه عن تجربة إقليم كوردستان العراق، يستحق القراءة في سياقه السياسي والاستراتيجي، بعيدا عن التفسيرات المتسرعة أو الأحكام التي تختزل المواقف الدبلوماسية في مسألة القبول بالطموحات القومية أو التخلي عنها. ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أن فهم موقفه يتطلب إدراك حجم التعقيدات الإقليمية والدولية التي تحيط بالقضية الكوردية في سوريا، وحجم التحديات التي تواجهها القيادات الكوردية في سعيها إلى حماية حقوق شعبها ومكتسباته في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية.
إن تأييدنا للنهج السياسي الذي يتبناه السيد نيجيرفان بارزاني لا يعني أن نتخلى عن حقنا في مناقشة مختلف الخيارات الدستورية والسياسية المتعلقة بمستقبل كورد سوريا، بل يعني إدراك أهمية التعامل مع هذه القضية بعقلانية ومسؤولية، والاستفادة من الخبرة السياسية والدبلوماسية التي راكمتها قيادة إقليم كوردستان العراق. فالسياسة ليست مجرد إعلان للمواقف ورفع سقف المطالب، وإنما هي القدرة على قراءة موازين القوى، وفهم حسابات الدول، وتحديد المسارات التي يمكن من خلالها تحقيق أكبر قدر ممكن من الحقوق والمكتسبات، من دون تعريض ما تحقق من إنجازات لمخاطر غير محسوبة.
ومن الضروري هنا التمييز بين جغرافية كوردستان سوريا، بما تمثله من امتداد تاريخي وحضور قومي كردي في عفرين وكوباني والجزيرة والحسكة ومناطق أخرى، وبين الصيغ السياسية والإدارية التي يمكن اعتمادها في ظل الظروف الراهنة. فالتأكيد على اختلاف تجربة كوردستان العراق عن واقع كورد سوريا لا يعني إنكار الهوية القومية للكرد أو الانتقاص من حقوقهم، كما أن الإقرار بصعوبة تطبيق نموذج سياسي معين لا ينبغي أن يتحول إلى إغلاق نهائي لباب النقاش حول أشكال الحكم والإدارة التي تلبي تطلعات الشعب الكوردي وتنسجم مع خصوصية سوريا وتنوعها القومي والثقافي..
لقد أثبتت التجارب السياسية في منطقتنا أن الشعوب لا تحقق أهدافها بمجرد مشروعية مطالبها، بل تحتاج أيضا إلى قيادة قادرة على حماية هذه المطالب وتحويلها إلى مكاسب سياسية وقانونية قابلة للاستمرار. وهنا تبرز أهمية تجربة إقليم كوردستان العراق، وما تمتلكه قيادته من علاقات إقليمية ودولية وخبرة في التعامل مع الأزمات والتوازنات المعقدة. كما يبرز الدور الذي اضطلعت به القيادة الكردستانية، وفي مقدمتها القيادة البارزانية، في مساندة كورد سوريا في مراحل صعبة، والعمل على مساعدتهم في مواجهة تداعيات السياسات الخاطئة والصراعات الحزبية والتجاذبات الإقليمية والدولية التي انعكست سلبا على قضيتهم ومصالحهم القومية.
ولعل من الإنصاف السياسي والتاريخي أن نتساءل كيف كان يمكن أن يكون واقع كورد سوريا اليوم، لو لم تتدخل قيادة إقليم كوردستان العراق في محطات مفصلية لمساندتهم، وتعمل على فتح قنوات التواصل السياسي والدبلوماسي، وتقديم الدعم للقضية الكوردية السورية في مواجهة الضغوط والتحديات؟ من المشروع الاعتقاد بأن غياب هذا الدور كان سيجعل كورد سوريا أمام ظروف أشد صعوبة، وربما كانت تداعيات بعض السياسات الخاطئة والحسابات الإقليمية والدولية أكثر قسوة على مستقبلهم ومكتسباتهم. وهذا لا يعني أن جميع المشكلات قد حلت، أو أن تجربة كورد سوريا خالية من الأخطاء، وإنما يعني أن الدعم السياسي والدبلوماسي الذي قدمته قيادة إقليم كوردستان شكل عاملا مهما ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم مواقفها وأدوارها.
فإن التعامل مع تصريحات السيد نيجيرفان بارزاني باعتبارها تخليا عن خيار الإقليم الكوردي في سوريا، أو تفسيرها على أنها رسالة لإرضاء أخرين ، من دون التمييز بين مضمون التصريحات وسياقها السياسي، لا يقدم قراءة متكاملة للمشهد. فالعلاقات الإقليمية والدولية تفرض على القيادات السياسية حسابات دقيقة، ولا سيما حين تكون القضية التي تدافع عنها مرتبطة بمصالح دول متعددة، بعضها لا ينظر بإيجابية إلى تطلعات الشعب الكوردي . ومع ذلك، فإن الواقعية السياسية لا ينبغي أن تعني حصر الحقوق الكوردية في الحدود التي تقبل بها القوى الإقليمية، بل يجب أن تكون وسيلة لتوسيع هامش الحركة السياسية، وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق الحقوق القومية والدستورية.
أما الحديث عن عدم إمكانية تطبيق نموذج إقليم كوردستان العراق بصورته الحالية في سوريا، فينبغي أن يفتح نقاشا جديا حول الصيغة الأنسب لمستقبل كورد سوريا، بدلا من تحويله إلى خلاف حول النوايا. فالمطلوب اليوم هو البحث في ضمانات دستورية واضحة تعترف بالهوية القومية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي ، وتكفل مشاركته الحقيقية في بناء الدولة السورية، وتتيح صيغة مناسبة من الإدارة والحكم المحلي تحمي خصوصيته القومية والثقافية والسياسية. كما أن التحديات المرتبطة بعدم الاتصال الجغرافي بين المناطق الكوردية تستوجب دراسة قانونية وسياسية متأنية، لا افتراض استحالة جميع الخيارات قبل بحثها.
وفي هذا السياق، فإن أي حل عادل ومستدام في سوريا يجب ألا يقوم على إنكار حقوق أي مكون من مكونات الشعب السوري، بل على بناء دولة ديمقراطية تعددية، تقوم على المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي، وتضمن حقوق الكورد والعرب والسريان والآشوريين وسائر المكونات. فالدفاع عن الحقوق القومية الكوردية لا يتعارض مع وحدة سوريا، كما أن الحفاظ على وحدة البلاد لا يجوز أن يكون ذريعة لتهميش الكورد أو حرمانهم من حقوقهم الدستورية. إن الوحدة الحقيقية لا تفرض بإنكار الهويات، وإنما تبنى على الاعتراف المتبادل والشراكة والعدالة.
أما فيما يتعلق بالمسار التركي والقضية الكوردية في تركيا، فإن أي مبادرة للسلام أو تسوية سياسية ينبغي أن تقاس بنتائجها العملية، لا بمجرد التصريحات والتمنيات. فالسلام الحقيقي يقتضي الاعتراف بالحقوق المشروعة، وإنهاء سياسات الإنكار والإقصاء، ومعالجة آثار الصراعات والانتهاكات والتهجير، ولا سيما ما تعرض له سكان عفرين وسري كانيه وكري سبي وغيرهم من مناطق الكوردية . ومن هذا المنطلق، فإن دعم أي مسار سياسي يخفف التوتر ويوقف الصراعات يظل مرتبطا بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة وعادلة، تحفظ كرامة الشعوب وحقوقها.
إن المرحلة الراهنة تفرض على القوى السياسية الكوردية في سوريا مسؤولية تاريخية تتمثل في توحيد الموقف، وتجاوز الخلافات الحزبية الضيقة، والابتعاد عن التخوين والتسرع، والانخراط في حوار جاد حول الأولويات القومية والدستورية. كما تفرض عليها التعامل بواقعية مع المتغيرات السياسية، والاستفادة من علاقاتها مع قيادة إقليم كوردستان العراق وسائر الأطراف المؤثرة، من دون تحويل هذا التعاون إلى بديل عن مسؤوليتها الوطنية في صياغة مشروع سياسي واضح يعبر عن تطلعات الشعب الكوردي .
إن تأييدنا لموقف السيد نيجيرفان بارزاني ينطلق من تقديرنا لأهمية الحكمة السياسية والدبلوماسية في هذه المرحلة، وللدور الذي يمكن أن تؤديه قيادة إقليم كوردستان في حماية مكتسبات كورد سوريا ومساندة قضيتهم. لكن هذا التأييد لا يعني التخلي عن حق الشعب الكوردي في طرح جميع خياراته المشروعة ومناقشتها، ولا يعني القبول بأي صيغة لا تضمن حقوقه القومية والسياسية والدستورية. فالواقعية والتمسك بالحقوق ليسا نقيضين، بل إن السياسة الناجحة هي التي تجمع بينهما، وتحول الإمكانات المتاحة إلى ضمانات حقيقية للمستقبل.
وفي المحصلة، فإن القضية الكوردية في سوريا تحتاج إلى قيادة مسؤولة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، ووحدة في الصف، ودعم إقليمي ودولي، إلى جانب دستور يضمن الحقوق القومية والسياسية بصورة واضحة لا تقبل التأويل أو الانتقاص. ومن واجبنا أن نثمن كل جهد صادق أسهم في حماية كورد سوريا ومساندتهم، وأن نتعلم من التجارب السابقة، وأن نميز بين المناورة السياسية والتنازل عن الحقوق، وبين الواقعية التي تحمي المكتسبات والاستسلام الذي يبددها. فالمطلوب ليس الدخول في سجال حول الأشخاص، بل بناء موقف كوردي مسؤول يحفظ الحقوق، ويصون الكرامة، ويؤسس لمستقبل أكثر أمناً وعدالة للشعب الكردي في سوريا، ضمن سوريا ديمقراطية تعددية تحترم جميع أبنائها.
*سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا البارتي