د. فكري عزيز حمد السورجي
تحتل الأمم المتحدة موقعاً فريداً في النظام الدولي المعاصر، فهي الإطار الذي اجتمعت فيه الدول بعد الحرب العالمية الثانية لتجنب تكرار الكوارث الكبرى، ولإيجاد لغة قانونية وسياسية مشتركة في إدارة النزاعات. وقد جعل ميثاقها حفظ السلم والأمن الدوليين في صميم مقاصد المنظمة، ومنح مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن هذا المجال. غير أن هذه المهمة، على وضوحها في النص، ظلت تواجه واقعاً سياسياً أكثر تعقيداً من أي قاعدة مكتوبة؛ إذ تتداخل المصالح الوطنية، وتتنافس القوى الكبرى، وتظهر نزاعات جديدة لا تقف عند حدود الدول أو الجيوش النظامية.
إن قيمة الأمم المتحدة لا تنحصر في قدرتها على إصدار القرارات، بل في كونها فضاءً يمنع القطيعة الكاملة بين الدول. ففي أوقات التوتر توفر الجمعية العامة ومجلس الأمن والوكالات المتخصصة قنوات للحوار والتفاوض وتبادل المواقف، وتمنح الدول الصغيرة مجالاً لإسماع صوتها في قضايا قد يتعذر عليها التأثير فيها بوسائل القوة التقليدية. لذلك فإن المنظمة ليست حكومة عالمية، ولا تستطيع أن تحل محل إرادة الدول، لكنها تُنشئ إطاراً قانونياً وأخلاقياً يحد من منطق القوة المنفلتة ويجعل السلوك الدولي قابلاً للنقاش والمساءلة.
يمارس مجلس الأمن أدوات متعددة في التعامل مع الأزمات، تبدأ بالدعوة إلى التسوية السلمية والوساطة، وقد تمتد إلى العقوبات أو التفويض باتخاذ تدابير لحفظ الأمن وفق أحكام الميثاق. ومع ذلك فإن فعالية هذه الأدوات تعتمد على توافق أعضائه، ولا سيما الدول الدائمة العضوية. وهنا تظهر إحدى أبرز معضلات النظام الدولي: فالحق في النقض الذي صُمم لضمان مشاركة القوى الكبرى في المنظمة قد يتحول، عند تضارب المصالح، إلى سبب لتعطيل القرار أو تأخير الاستجابة للأزمات الإنسانية والأمنية. ولا يعني ذلك أن وجود المنظمة بلا جدوى، بل يوضح أن القانون الدولي يعمل داخل بيئة سياسية لا تنفصل فيها القاعدة عن موازين القوة.
وقد تطورت عمليات حفظ السلام لتصبح من أهم وسائل الأمم المتحدة في الحد من العنف وحماية المدنيين ودعم الانتقال من الحرب إلى الاستقرار. وتعتمد هذه العمليات، في جوهرها، على قبول الأطراف وحياد القوة الدولية واستخدام القوة في أضيق الحدود اللازمة لتنفيذ التفويض. لكنها تواجه اليوم تحديات جسيمة حين تنتشر الجماعات المسلحة غير النظامية، أو تنهار مؤسسات الدولة، أو تصبح خطوط القتال متحركة وغير واضحة. فالجنود الدوليون لا يستطيعون وحدهم بناء سلام دائم إذا غابت التسوية السياسية، وإذا لم تتوافر مؤسسات وطنية قادرة على إدارة الأمن والعدالة والخدمات.
ولا يقتصر مفهوم السلم الدولي في العصر الحديث على وقف إطلاق النار. فالفقر الشديد، وانتشار الأوبئة، والتغير المناخي، والنزوح القسري، والجرائم المنظمة، والإرهاب العابر للحدود، كلها عوامل يمكن أن تهدد استقرار المجتمعات وتدفع إلى العنف. ولهذا اتسع دور الأمم المتحدة ليشمل التنمية وحقوق الإنسان والإغاثة الإنسانية وبناء القدرات، إذ بات واضحاً أن السلام المستدام لا يتحقق بالاتفاقات العسكرية وحدها. وكلما كانت التنمية أكثر عدلاً، والخدمات الأساسية أكثر حضوراً، والقضاء أكثر استقلالاً، انخفضت فرص عودة النزاع.
لكن العمل الإنساني نفسه أصبح يواجه اختبارات صعبة. ففي بعض النزاعات تُعرقل المساعدات أو تُستخدم للضغط السياسي، ويتعرض العاملون في المجال الإنساني للخطر، وقد تصبح حماية المدنيين موضع خلاف بين الأطراف الدولية. هنا تبرز الحاجة إلى التمسك بمبدأ الحياد الإنساني وبالقواعد التي تحمي الأشخاص المتضررين، مع عدم تحويل المساعدات إلى بديل عن الحلول السياسية. فالمعونة تخفف الألم، لكنها لا تعالج جذور الأزمة ما لم تقترن بمسار جاد للمصالحة والعدالة واستعادة الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
ومن التحديات الأساسية أيضاً مسألة تمثيل الواقع الدولي داخل مجلس الأمن. فتركيب المجلس يعكس إلى حد كبير موازين القوة في لحظة تأسيس المنظمة، بينما شهد العالم تحولات اقتصادية وديموغرافية وسياسية واسعة. لذلك تتكرر الدعوات إلى إصلاح آليات التمثيل واتخاذ القرار كي يصبح المجلس أكثر تعبيراً عن التنوع الجغرافي ومصالح الدول النامية. غير أن الإصلاح يظل مهمة شاقة لأنه يحتاج إلى توافق واسع بين الدول، بما فيها الدول التي تملك امتيازات قائمة. ومع ذلك فإن استمرار النقاش حول الإصلاح مهم، لأنه يؤكد أن شرعية المؤسسات الدولية تتجدد بقدرتها على الاستجابة لتغير العالم.
وفي المقابل، ينبغي ألا يتحول نقد الأمم المتحدة إلى تجاهل إنجازاتها. فالمنظمة أسهمت في تطوير قواعد حقوق الإنسان، وتقديم المساعدات للاجئين، ودعم الانتخابات، ومكافحة الأمراض، وتنسيق الاستجابة للكوارث، وتوفير الخبرة الفنية للدول. هذه الأعمال قد لا تحظى دائماً بالاهتمام الذي تحظى به أزمات مجلس الأمن، لكنها تمثل وجهاً عملياً لفكرة التعاون الدولي. كما أن وجود قواعد مشتركة ومعاهدات ومؤسسات رقابية يتيح للدول والمجتمعات أدوات قانونية للمطالبة بالحقوق والاعتراض على الانتهاكات.
إن مستقبل الأمم المتحدة يرتبط بقدرتها على الجمع بين الواقعية والمبدأ. الواقعية تقتضي الاعتراف بأن الدول القوية ستظل مؤثرة في صياغة القرار الدولي، وأن المنظمة لا تملك عصا سحرية لفرض السلام. أما المبدأ فيقتضي ألا يصبح النفوذ ذريعة لتعطيل القانون أو إهمال حياة المدنيين أو تقويض حق الشعوب في الأمن والكرامة. وبين هذين البعدين تتحدد قيمة المنظمة: فهي ليست بديلاً عن السياسة، بل محاولة لجعل السياسة الدولية أقل عنفاً وأكثر خضوعاً للقواعد.
وخلاصة الأمر أن الأمم المتحدة تبقى ضرورة دولية رغم أوجه القصور التي تعانيها. فالعالم الذي يواجه النزاعات والأزمات العابرة للحدود يحتاج إلى مؤسسة تجمع الحوار بالقانون، والإغاثة بالتنمية، والوساطة بالمساءلة. والتحدي الحقيقي ليس في سؤال ما إذا كانت الأمم المتحدة كاملة أو ناقصة، بل في كيفية تمكينها من أداء دورها بعدالة وفعالية، وفي جعل الدول تلتزم بروح الميثاق قبل نصه. عندئذ فقط يصبح حفظ السلم مشروعاً مشتركاً لا مجرد قرار يصدر عند وقوع الأزمة.