قرية كاخور..ملحمة الصمود الكوردي في ديالى ووفاءٌ لا يساوم

د. احمد خليل كاخورى

تزخر الذاكرة الوطنية الكوردية بالعديد من القرى والبلدات التي مثّلت قلاعاً للصمود والحرية، ومن أبرز هذه القلاع تبرز قرية كاخور الواقعة ضمن حدود محافظة ديالى. لقد كانت هذه القرية، بطبيعتها الخلابة ومياهها وتربتها المعطاءة، رمزاً حياً للانتماء الخالص والتشبث بنهج القائد الوطني ملا مصطفى البارزاني، ومحضناً أميناً لمسيرة الحزب الديمقراطي الكردستاني.

شعلة النضال والشهادة الأولى

لم تكن قرية كاخور مجرد تجمع سكني عابر، بل كانت خط دفاع متقدماً عن القضية الكوردية. وقد ترجم أبناؤها هذا الوفاء بالدم والتضحية، حيث قدّمت القرية الشهيد خليل محمد كأول شهيد على درب التحرر، وهو الذي لم يكن مقاتلاً عادياً بل كان يحمل موقعاً قيادياً متقدماً في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مما جعل القرية هدفاً مباشراً لسياسات القمع والبطش.

دراما التهجير والتدمير (عام 1988)

في عام 1988، وفي أوج الهجمات الشرسة التي شنها النظام السابق ضد القرى والمناطق الكوردية، طال الدمار قرية كاخور؛ حيث أقدم النظام على هدمها بالكامل وتشريد أهلها الأوفياء. تفرّق أهالي القرية قسراً في جهات الأرض المختلفة، فمضى قسم منهم نحو إيران، بينما تشتت بقية الأهالي في محافظات وسط وجنوب العراق مثل كربلاء والأنبار، محملين بغصة فراق الديار وذكريات الطفولة والأرض.

مقايضة المبادئ بالتعويضات.. رفض قاطع

من أروع صور الإباء التي سجلها أهالي كاخور هو موقفهم التاريخي المشرف برفضهم القاطع لأي تعويضات مالية عرضت عليهم من قبل الدولة في ذلك الحين. لقد رأى الأهالي أن المبادئ لا تقبل المساومة، وأن قضية شعبهم العادلة وحلمهم الأسمى في نيل الحرية والكرامة أثمن بكثير من أي مبالغ مالية، فظل الحلم الكوردي ساكناً في وجدانهم رغم مرارة النفي والتهجير.

مضيف حجي خضير: منارة الفكر والسمر الليلي

رغم قسوة الظروف السياسية، ظل بيت الجد حجي خضير شمعة منيرة في وجه الظلام. كان ذلك المضيف العامر يمثل الملتقى الدائم لمثقفي القرية وأحرارها، حيث تلتئم جلسات الليل الهادئة لتدور نقاشات عميقة وملؤها الأمل حول كيفية تحقيق الحلم الكوردي. كانت تلك الجلسات تنبض بحب الأرض ورفض الخنوع، قبل أن تُغتال تلك السكينة وتُصادر سياسات الدولة ذلك المضيف الذي طالما فتح أبوابه للكرم والنضال.

الوفاء المؤجل وغياب الإنصاف

بالرغم من كل تلك التضحيات الجسام، والمعارضة الباسلة لحكم الدكتاتور المقبور صدام، واجه أهالي قرية كاخور إجحافاً كبيراً؛ إذ لم يحصلوا لاحقاً على حقوقهم المنصفة ولا التعويض المعنوي الذي يليق بحجم تضحياتهم ومكانة قريتهم المدمرة. وبقي حلم العودة وإعمار القرية والاعتراف الرسمي بنضالهم يراود أرواح من تبقى من أجيالها.

إن قصة قرية كاخور ليست مجرد فصل من تاريخ عائلي أو محلي، بل هي وثيقة حية تُسطر بمداد الفخر صمود الإنسان الكوردي، ووفاءً مستمراً لدم الشهداء ولمضيف “حجي خضير” الذي سيبقى طيفه حاضراً في ذاكرة الأحرار شاهداً على أن المبادئ العظيمة لا تموت وإن طال ليل الظلم.

قد يعجبك ايضا
∧