العراق بين المارد والزجاجة.. قواعد اللعبة الدولية الجديدة

مهند محمود شوقي | كاتب وباحث في الشأن السياسي

منذ سنوات، أحتفظ في ذاكرتي بأبرز التصريحات التي استمعت إليها من قادة الكتل السياسية في العراق، ولا سيما أولئك الذين مثّلوا المعارضة لنظام صدام حسين خلال وجودهم في المنافي، وفي عواصم المهجر، ومنها لندن. ومن بين تلك التصريحات، استوقفتني عبارة «المارد والزجاجة» التي أطلقها ذات يوم رئيس الوزراء العراقي الأسبق ووزير الخارجية إبراهيم الجعفري. كانت عبارة لم تُفهم على نحو واضح، وأصبحت آنذاك مادة للجدل الإعلامي العراقي، قبل أن تطويها دورة أخرى من دورات الحكم، وتتبدل حكومة السنوات الأربع، وكأن الذاكرة السياسية تُفرمت، والعقول تُعاد تهيئتها من جديد، لتبدأ دورة جديدة من الشعارات والتفسيرات والوعود. لكن السؤال الذي بقي عالقاً في ذهني لم يكن متعلقاً بالعبارة وحدها، بل بما إذا كان المارد الذي تحدث عنه الجعفري رمزاً لقوة أُطلقت ولم يعد ممكناً التحكم بها، أم تعبيراً عن واقع سياسي لم تستطع النخب العراقية إدراك حدوده ومآلاته. ومع مرور السنوات، يبدو أن هذه العبارة تجاوزت سياقها الأول لتصبح مدخلاً إلى فهم علاقة العراق بمحيطه، وبالقوى الدولية التي ترسم جانباً مهماً من ملامح البيئة التي يتحرك فيها.
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، وتنصيب الملك فيصل الأول، القادم من الحجاز، على عرشها في ظل الانتداب البريطاني، ارتبطت التحولات الكبرى في العراق بحسابات إقليمية ودولية تجاوزت حدوده. وتكشف قراءة مراحل الحكم المتعاقبة كيف تداخلت الإرادة الداخلية مع مصالح القوى الكبرى، حتى بدت بعض التحولات وكأنها تمهد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، للظروف التي أنتجت واقع العراق اليوم. فهل كانت تلك التحولات أحداثاً منفصلة، أم حلقات في مسار استراتيجي أطول من أعمار الأنظمة نفسها؟ من يراقب السياسة الأمريكية منذ عام 2003، وصولاً إلى التحولات التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023، يستطيع ملاحظة خيط استراتيجي لا ينقطع بتغير الإدارات. فالديمقراطيون والجمهوريون يختلفون في اللغة والوسائل وحدود التدخل، لكن المصالح الأمريكية الأساسية تظل حاضرة في رسم الاتجاهات الكبرى. تتغير الأدوات، وتتبدل الأولويات، ويتقدم التفاوض عندما يخدم الغاية، ويعود الضغط عندما تتطلبه الحسابات. ليست هذه بالضرورة سياسة مؤامرة دائمة، بل ممارسة لدولة تعرف كيف تفصل بين اختلافاتها الداخلية ومصالحها الخارجية.
ولعل أهم ما يستحق التأمل أن واشنطن لا تجعل الحل النهائي شرطاً لكل تحرك، كما لا تراهن دائماً على بقاء الخصومة إلى الأبد. ففي المسافة بين التسوية والتصعيد مساحة واسعة لإدارة التوازنات وإعادة توزيع النفوذ، من دون تحمل كلفة الحسم الكامل. وقد أتاحت أدوات الاقتصاد والعقوبات والتحالفات والتكنولوجيا والقوة العسكرية للولايات المتحدة التأثير في مسارات متعددة، مع الاحتفاظ بهامش للانتقال من المواجهة إلى التفاوض. وفي عالم المصالح، لا يعني تبدل الوسيلة بالضرورة تبدل الغاية.
وتبقى الطاقة جزءاً مهماً من هذه المعادلة، إلى جانب أمن الممرات البحرية والتجارة العالمية ومنافسة القوى الكبرى. فالأهمية لا تكمن في امتلاك الموارد وحدها، بل في التأثير في طرق انتقالها وأسعارها وشروط الوصول إليها. لذلك قد يتجاوز مضيق بحري ضيق، مثل هرمز، في حسابات الاستراتيجية الدولية مساحة دول كاملة، لأن اضطرابه ينعكس على الأسواق وسلاسل الإمداد واقتصادات بعيدة عن جغرافيته.
منذ حرب غزة في أكتوبر 2023، مروراً بالمواجهة الإيرانية الإسرائيلية والضربات الأمريكية للمنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025، وصولاً إلى تصاعد المخاطر المحيطة بأمن مضيق هرمز، تبدلت ملامح البيئة الإقليمية. لم تعد قواعد الاشتباك القديمة كافية لضمان الاستقرار، ولم يعد السؤال مقتصراً على من يمتلك القوة العسكرية الأكبر، بل على من يستطيع حماية اقتصاده ومؤسساته وقراره من ارتدادات صراع تتجاوز حدوده. وربما تكون المرحلة الجديدة قد بدأت بالفعل، حتى إن لم تتضح جميع ملامحها بعد.
هذه التحولات لا تثبت وجود خطة واحدة تتحكم بكل ما يجري، لكنها تفرض على الدول قراءة المصالح وموازين القوة بواقعية، بعيداً عن التفسيرات التي ترى كل حدث مؤامرة مكتملة، أو تفترض أن النظام الدولي يتحرك بدافع المبادئ وحدها. فالسياسة الدولية ليست محكمة أخلاقية، كما أنها ليست ساحة خالية من القواعد؛ إنها مجال تتفاعل فيه المصالح مع القانون والقدرة والتفاوض. وهنا يعود العراق إلى السؤال الأصعب. فمنذ عام 1958، تعاقبت مشاريع رفعت عناوين كبرى، لكن البلاد دفعت أثماناً باهظة من الحروب والعزلة والاضطراب الاقتصادي. وبعد عام 2003 تبدلت المؤسسات والدساتير والتحالفات، إلا أن جزءاً من العقل السياسي ظل يخلط بين توصيف الأزمة وامتلاك أدوات حلها. خرج المارد من الزجاجة مرات كثيرة في الخطاب السياسي، لكن إخراجه من أزمات الاقتصاد والإدارة والخدمات بقي أصعب من إطلاقه في الخطب.
واللافت أن العقدين يتكرران في محطات من التاريخ العراقي، من التحولات التي أعقبت عام 1958 إلى نهاية حكم عام 2003، ثم إلى المرحلة التي تجاوزت عقدين على تغيير النظام. لا تمثل هذه الفترات قانوناً تاريخياً ولا نبوءة، لكنها تفتح سؤالاً مشروعاً: هل تستطيع الأنظمة تجديد أدواتها بما يكفي لمواكبة عالم يتغير أسرع من مؤسساتها؟ ولهذا فإن إدراك موازين القوى لا يعني الاستسلام لها، كما أن تحديها من دون حساب لا يصنع استقلالاً. وبين الموقفين توجد مساحة للعمل السياسي الرشيد، حيث يستطيع العراق تحويل موقعه الجغرافي وموارده وعلاقاته إلى أوراق تفاوض، بدلاً من أن تتحول إلى مصادر انكشاف. وقد وفر الدستور العراقي لعام 2005 إطاراً لتنظيم السلطات والاختصاصات والعلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم، بما يتيح إدارة التعدد ضمن قواعد دستورية. والتحدي ليس في تجاوز هذه القواعد، بل في تفعيلها بما يحمي الدولة ويمنح مؤسساتها قدرة أكبر على الاستقرار والعمل.
تبدأ الاستفادة من المرحلة الجديدة من الداخل: اقتصاد أكثر تنوعاً، وإنتاج يقلل الارتهان للإيرادات الأحادية، ومؤسسات تتعامل مع الموارد باعتبارها مسؤولية عامة، وشراكات دولية تقوم على المصالح المتبادلة لا التبعية. فليس مطلوباً من العراق أن يقف ضد الولايات المتحدة أو أن يصطف خلفها بلا حساب؛ المطلوب أن يفهم حدود قدرته، ويحدد مصالحه، ويتحرك ضمن المساحة التي تسمح بها موازين القوى، مع توسيعها كلما امتلك أدوات اقتصادية وسياسية أكثر فاعلية.
العالم الجديد لا يمنح موقعاً دائماً لأحد، ولا يحتفظ بمساحة لمن يكتفي بتكرار نظرياته القديمة. وليس كل من أخرج المارد امتلك القدرة على توجيهه، كما أن التحذير من الحرب لا يعني معرفة موعدها. وبين الوهمين تقف الدولة التي تتعلم قراءة التحولات قبل أن تتحول هي نفسها إلى موضوع في حسابات الآخرين.

قد يعجبك ايضا
∧