رمزي ميركاني
في 25 سبتمبر/أيلول 2017، أجرى إقليم كوردستان العراق استفتاءً على الاستقلال عن العراق، شمل محافظات أربيل والسليمانية ودهوك، إلى جانب مناطق متنازع عليها مع بغداد، وفي مقدمتها كركوك. وأعلنت المفوضية المنظمة أن 92.73% من المشاركين صوتوا لمصلحة الاستقلال، بنسبة مشاركة بلغت 72.16%. لكن النتيجة لم تتحول إلى خطوة نحو إعلان الدولة، بل فجّرت أزمة سياسية وأمنية واسعة مع بغداد ودول الجوار.
جاء الاستفتاء تتويجًا لعقود من النضال الكوردي من أجل الحقوق القومية والحكم الذاتي. فقد شهد القرن العشرون انتفاضات وحركات كوردية متعاقبة، وصولًا إلى اتفاق الحكم الذاتي عام 1970، ثم مرحلة القمع في عهد النظام العراقي السابق، التي بلغت ذروتها في حملات الأنفال وقصف حلبجة عام 1988. وبعد حرب الخليج عام 1991، نشأ واقع حكم ذاتي كوردي تطور لاحقًا إلى كيان اتحادي معترف به دستوريًا في العراق بعد عام 2005.
ومع ذلك، بقيت العلاقة بين أربيل وبغداد محكومة بخلافات عميقة، خصوصًا بشأن المناطق المتنازع عليها، والنفط، والموازنة الاتحادية، وتطبيق المادة 140 من الدستور. وخلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، تمكنت قوات البيشمركة من توسيع نطاق سيطرتها على مناطق واسعة، بينها كركوك، مستفيدة من انهيار القوات العراقية في عام 2014. واعتقدت القيادة الكوردية أن هذا الواقع العسكري والسياسي يوفر فرصة تاريخية للانتقال من الحكم الذاتي إلى الاستقلال.
لكن الاستفتاء اصطدم برفض حازم من بغداد، إلى جانب معارضة تركيا وإيران، وعدم حصوله على دعم دولي كافٍ. فقد اعتبرت الحكومة العراقية الاستفتاء غير دستوري وطالبت بإلغاء نتائجه، واتخذت إجراءات للضغط على الإقليم، شملت استعادة السيطرة على المعابر وفرض قيود على الرحلات الجوية الدولية. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، تقدمت القوات العراقية وقوات الحشد الشعبي إلى المناطق المتنازع عليها، وانسحبت قوات البيشمركة من أجزاء واسعة منها، بما فيها كركوك، الأمر الذي غيّر موازين القوى بصورة كبيرة.
إقليميًا، نظرت تركيا وإيران إلى قيام دولة كوردية مستقلة باعتباره تهديدًا لأمنهما القومي، خشية أن يشجع أكراد البلدين على المطالبة بخطوات مماثلة. أما الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فعلى الرغم من علاقاتها الوثيقة مع إقليم كوردستان ودعمها العسكري للبيشمركة في مواجهة تنظيم الدولة، تمسكت بوحدة العراق ودعت إلى الحوار بين بغداد وأربيل. وفي المقابل، أعلنت إسرائيل تأييدًا واضحًا للاستفتاء ولحق الأكراد في إقامة دولة مستقلة.
كما كشفت الأزمة عن أهمية الانقسام السياسي الكوردي الداخلي. فعلى الرغم من اتفاق القوى الرئيسية على إجراء الاستفتاء، لم تكن الحسابات السياسية موحدة، وبرزت خصوصًا الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني. وقد انعكست هذه الانقسامات بصورة مباشرة على أحداث كركوك، وأسهمت في سرعة تغير الوضع العسكري هناك.
اقتصاديًا، واجه مشروع الاستقلال تحديات صعبة أيضًا. فالإقليم كيان غير ساحلي يعتمد بصورة كبيرة على النفط والتجارة مع دول الجوار، ولا سيما تركيا وإيران والعراق. كما كانت أزمته المالية وارتفاع ديونه يمثلان عقبة أمام بناء دولة مستقلة قادرة على تأمين مواردها وعلاقاتها الخارجية. ولذلك لم تكن المشكلة مرتبطة بالإرادة السياسية وحدها، بل بقدرة الإقليم على الصمود اقتصاديًا في مواجهة الضغوط الإقليمية.
وبذلك تحوّل الاستفتاء من ورقة تفاوضية يُراد استخدامها للوصول إلى تسوية مع بغداد إلى أزمة انتهت بخسارة الإقليم جزءًا مهمًا من الأراضي التي كانت قواته تسيطر عليها. وأصبحت الخيارات المطروحة أمام القيادة الكوردية أكثر تعقيدًا، بين العودة إلى التفاوض مع بغداد، وتأجيل مشروع الاستقلال، أو مواصلة السعي إليه في ظروف إقليمية ودولية أكثر صعوبة.
أما في سورية، فقد أعاد الاستفتاء إحياء النقاش حول مستقبل الكورد وحقوقهم السياسية، في ظل صعود نفوذ القوى الكوردية خلال الحرب السورية. وأظهر ذلك أن القضية الكوردية لم تعد شأناً عراقياً داخليًا، بل أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من التوازنات والصراعات في الشرق الأوسط.
في المحصلة، كشف استفتاء 2017 الفجوة بين الطموح الكوردي في تقرير المصير وبين موازين القوى على الأرض. كما أثبت أن نتائج الاستفتاء، مهما كانت نسبتها، لا تكفي وحدها لإنشاء دولة مستقلة من دون توافقات سياسية، واعتراف دولي، ومقومات اقتصادية، وحدود قابلة للحماية، وعلاقات مستقرة مع دول الجوار. وبقي مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد مرتبطًا بإيجاد تسوية لقضايا الحدود والنفط والمناطق المتنازع عليها، وبناء صيغة سياسية تضمن الحقوق الكوردية ضمن عراق مستقر.