د. أيوب كلالي
في الخامس والعشرين من أيلول 2017، وقف إقليم كوردستان العراق أمام لحظة لم تكن عادية في تاريخ الشعب الكوردي، ففي ذلك اليوم لم يتوجه شعب كوردستان إلى صناديق الاقتراع لاختيار حكومة أو برلمان، وإنما للإجابة عن سؤال ظل حاضراً في الوجدان الكوردي عبر أجيال: هل يريدون أن تكون لهم دولة مستقلة؟
كانت الإجابة واضحة، قال شعب كوردستان «نعم» للاستقلال.
وبين تلك الـ«نعم» الشعبية وبين قيام الدولة مسافة طويلة صنعتها الجغرافيا السياسية وموازين القوى، والمصالح الإقليمية والدولية، وتعقيدات الواقع العراقي، لكن مرور السنوات لم يلغِ قيمة تلك اللحظة، بل جعلها واحدة من أكثر المحطات أهمية في التاريخ السياسي الحديث لكوردستان.
وفي قلب تلك اللحظة التاريخية كان الرئيس مسعود بارزاني، الذي حمل مسؤولية القرار السياسي، وقاد عملية الاستفتاء في واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً في تاريخ العراق والمنطقة.
كان الرئيس مسعود بارزاني يدرك أن الذهاب إلى الاستفتاء لن يكون طريقاً سهلاً ، فهو لم يكن يجهل حساسية الموضوع بالنسبة إلى بغداد ودول الجوار والقوى الدولية، بل إن واحدة من أكثر سمات تلك المرحلة وضوحاً كانت كثافة التحذيرات والضغوط التي سبقت الاستفتاء.
ومع ذلك، اختار بارزاني المضي قدماً، لقد تعامل مع الاستفتاء باعتباره حقاً للشعب في التعبير عن إرادته، وليس إعلاناً فورياً لقيام الدولة، وهنا تكمن نقطة مهمة كثيراً ما جرى تجاهلها في النقاش السياسي حول أحداث 2017: الاستفتاء لم يكن في ذاته إعلاناً للاستقلال، بل كان تفويضاً شعبياً وسياسياً بشأن خيار الاستقلال، وهذا التفريق مهم لفهم طبيعة القرار وأهدافه.
لقد أراد بارزاني، من خلال الاستفتاء، أن ينقل القضية من دائرة المطالب السياسية التقليدية إلى دائرة الإرادة الشعبية المعلنة.
25 أيلول.. يوم قال الشعب كلمته.
في ذلك اليوم المشهود ، شارك الآلاف المؤلفة من شعب كوردستان في عملية التصويت، لم يكن المشهد مجرد أرقام انتخابية، فقد حملت صناديق الاقتراع ذاكرة أجيال كاملة، كانت هناك أجيال عاشت الخوف والقمع، وأجيال أخرى ولدت في مرحلة أكثر أمناً داخل إقليم كوردستان، لكنها حملت معها سؤال الهوية والمستقبل، وجاءت النتيجة بأغلبية ساحقة لصالح الاستقلال.
وبغض النظر عن الخلافات السياسية التي أحاطت بالاستفتاء، فإن النتيجة نفسها شكلت رسالة سياسية وشعبية بالغة الوضوح: الشعب الكوردي يريد أن يكون صاحب القرار في تحديد مستقبله.
لماذا لم تتحول «نعم» إلى دولة؟
بعد الاستفتاء، واجه إقليم كوردستان ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة، رفضت بغداد الاعتراف بالاستفتاء ورفضت نتائجه، كما عارضته دول الجوار، ثم جاءت أحداث السادس عشر من اوكتوبر2017، التي شكلت نقطة تحول حاسمة في المشهد، حين هاجمت القوات التابعة للجيش العراقي والحشد الشعبي على كركوك وعدد من المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، إلا ان تلك الهجمات جوبهت بمقاومة فذة ةبطولية من قبل البيشمرگة، مما أدت إلى وقف تقدم تلك القوات.
من الخطأ أن تتحول أحداث ما بعد الاستفتاء إلى سبب لإلغاء قيمة الاستفتاء نفسه، بل من الضروري التمييز بين أمرين: فنتيجة التصويت الشعبي شيء، والقدرة على نقل تلك النتيجة إلى مرحلة تأسيس الدولة شيء آخر، فالأول يرتبط بصناديق الاقتراع، بينما يرتبط الثاني بموازين القوى والعلاقات الدولية والإقليمية والداخلية.
كركوك في قلب الصراع ، الجغرافيا التي اصطدمت بالسياسة.
كانت كركوك دائماً أكثر من مدينة، فهي بالنسبة إلى الكورد رمز تاريخي وقومي، كما أنها منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية وجغرافية كبيرة، ولهذا أصبحت مسألة المناطق المتنازع عليها واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في العلاقة بين بغداد وأربيل، وقد أظهرت أحداث 2017 أن أي مشروع سياسي لا يستطيع تجاهل الجغرافيا السياسية للعراق والمنطقة، وهذه أيضا درس مهم لأي محاولة مستقبلية لتغيير الوضع السياسي وحتى الديموغرافي في كوردستان.
هل كان الاستفتاء خطأ؟
ربما يكون السؤال الأكثر تكراراً بعد 2017: هل كان إجراء الاستفتاء قراراً صحيحاً؟
والإجابة ليست بسيطة، فمن الممكن أن يختلف الباحثون والسياسيون حول التوقيت، وطريقة إدارة العملية، والظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بها، لكن هناك فرقاً بين تقييم القرار السياسي وبين إنكار دلالته التاريخية.
فالاستفتاء نجح في شيء لا يمكن تجاهله: لقد جعل خيار الاستقلال موقفاً شعبياً معلناً عبر عملية تصويت واسعة، ومن هذه الزاوية، فإن 25 أيلول لم يكن نهاية الطريق، وإنما لقد أظهر الاستفتاء أن خيار الاستقلال موقف شعبي معلن عبر عملية تصويت واسعة، ومن هذه الزاوية، فإن 25 أيلول لم يكن نهاية الطريق، وإنما محطة في طريق طويل.
الحلم مستمر.. لكن الطريق يتغير.
الحلم بالدولة الكوردية لم ينتهِ لأن مشروع الاستقلال لم يتحقق بعد الاستفتاء، الأحلام السياسية الكبرى لا تختفي بمجرد تعرضها لانتكاسة، لكن ما تغير هو الطريق.
إذا كانت المرحلة السابقة قد ركزت على طرح سؤال الاستقلال أمام الشعب والعالم، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بناء شروط الاستقلال قبل إعلان الاستقلال، وهذه الشروط تبدأ من الداخل( مؤسسات قوية، اقتصاد متين، سيادة القانون، وحدة سياسية، پيشمرگة موحدة، علاقات دولية متوازنة، مجتمع متماسك، ونظام سياسي قادر على إدارة الاختلافات)، كل ذلك ليس بديلاً عن حلم الدولة، بل هو جزء من الطريق إليها.
بغداد.. الشراكة لا القطيعة.
إن مستقبل كوردستان لا يمكن فصله عن مستقبل العراق، والخيار الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة هو بناء علاقة جديدة بين أربيل وبغداد، تقوم على الدستور والشراكة الحقيقية واحترام الحقوق المتبادلة.
الفيدرالية ليست بالضرورة نهاية الطموح السياسي الكوردي، كما أن الاستقلال ليس بالضرورة مشروع مواجهة دائمة مع العراق.
يمكن أن تكون هناك مرحلة من الشراكة الدستورية القوية، تُحل فيها الملفات العالقة على أساس الدستور، ويُبنى فيها نموذج عراقي أكثر استقراراً، لكن نجاح هذه الشراكة يتطلب إرادة سياسية من الطرفين، فلا يمكن أن تكون الفيدرالية مجرد نصوص دستورية، بينما تبقى الصلاحيات والحقوق موضع نزاع دائم.
المنطقة تتغير.. والفرص لا تبقى ثابتة.
منذ عام 2017 تغير الشرق الأوسط بصورة كبيرة، الحروب والتحولات في سوريا والعراق من جهة ، والحرب بين امريكا وايران واسرائيل من جهة اخرى، وتغير موازين القوى الإقليمية، وتبدل أولويات القوى الدولية، كلها عوامل جعلت المنطقة أمام مرحلة جديدة.
وفي مثل هذه المراحل قد تظهر فرص لم تكن موجودة من قبل وقد تختفي فرص كانت تبدو متاحة.
وهنا تبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية، فالقضايا التاريخية لا تُدار بردود الأفعال، وإنما بالاستعداد للفرص عندما تأتي، وإذا كان الاستفتاء قد مثّل لحظة إعلان الإرادة الشعبية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة بناء القوة السياسية التي تجعل تلك الإرادة قابلة للتحول إلى مشروع مستقبلي قابل للحياة.
مسعود بارزاني.. الاستفتاء جزء من مسيرة.
لقد تحمل الرئيس مسعود بارزاني مسؤولية اتخاذ قرار اجراء استفتاء الاستقلال في لحظة شديدة الحساسية، ووضع ثقله السياسي والشخصي خلف خيار الاستفتاء، وبذلك انتقلت فكرة الاستقلال من كونها حلماً تاريخياً إلى قضية وضعت أمام الشعب مباشرة، وهذا هو الإرث الأهم للاستفتاء، فقد أصبح لدى الأجيال اللاحقة حدث تاريخي واضح تقول من خلاله: في 25 أيلول 2017، أُعطي الشعب الكوردي فرصة للتعبير عن رأيه في الاستقلال، وكانت الإجابة نعم.
المستقبل.. دولة أم نموذج؟
قد يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط: «متى تقوم الدولة الكوردية»
بل كيف نبني كوردستان التي تستحق أن تكون دولة، فالدولة تبدأ قبل إعلانها، تبدأ عندما تصبح المؤسسات قوية، والقانون أقوى من المصالح ، والاقتصاد أكثر قدرة على الصمود، والمجتمع أكثر تماسكاً، والعلاقات الخارجية أكثر توازناً، وعندما تتحول كوردستان إلى نموذج ناجح في الحكم والاستقرار والتنمية، فإنها تكون قد قطعت شوطاً مهماً نحو تحقيق حلم الدولة، مهما كان شكل التسوية السياسية التي قد تفرضها ظروف المنطقة في المستقبل.
الحلم باقٍ.
اليوم وبعد تسعة أعوام من استفتاء 25 أيلول، قد تكون الظروف قد تغيرت، وقد تكون الحسابات السياسية قد تبدلت، وقد يكون الطريق إلى المستقبل مختلفاً عن الطريق الذي تخيله كثيرون عام 2017، لكن شيئاً واحداً لم يتغير، « الحلم ».
لقد دخل الاستفتاء ذاكرة شعب كوردستان بوصفه اليوم الذي قال فيه ملايين الناس كلمتهم بصورة مباشرة، وربما لا يكون التاريخ دائماً منصفاً مع الذين يصنعون قراراته في لحظتها، إذ قد تحتاج الأحداث سنوات طويلة حتى تتضح نتائجها الحقيقية، ومن هنا، فإن الحكم على استفتاء 2017 لا ينبغي أن يتوقف عند ما حدث في الأسابيع التي تلته، فالتاريخ أطول من اللحظة.
وقد يكون 25 أيلول 2017، في منظور المستقبل، ليس تاريخ الدولة الكوردية، وإنما أحد التواريخ التي سبقت ولادتها السياسية، لقد تغيّر الطريق، لكن الحلم لم يتغير.
وقد تتغير الخرائط والتحالفات والحكومات وموازين القوى، لكن الشعوب التي تحتفظ بذاكرتها وتبني مؤسساتها وتقرأ التاريخ بعقل استراتيجي تستطيع أن تنتظر اللحظة المناسبة، وفي النهاية، لا توجد قضية تاريخية كبرى تتحقق دفعة واحدة، إنها تتراكم عبر الأجيال.
وإذا كان الرئيس مسعود بارزاني قد قاد في 25 أيلول 2017 لحظة تاريخية قال فيها الشعب الكوردي «نعم» للاستقلال، فإن مسؤولية المرحلة المقبلة تقع على عاتق جيل جديد قادر على تحويل تلك الـ«نعم» من ذاكرة سياسية إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد.
قد تتأخر الدولة، وقد تتغير الطريق، وقد تختلف الوسائل، لكن الحلم باقٍ.
25 أيلول لم يكن نهاية الحلم، كان إعلاناً بأن الحلم أصبح إرادة شعبية مكتوبة في التاريخ.