ياسين الحديدي
تحت قبة البرلمان العراقي، وفي غضون أسبوع واحد، صدرت عن النائب أرشد الصالحي تصريحات أثارت الكثير من علامات الاستفهام، لما حملته من لغة قد تُسهم، عن قصد أو من دونه، في إثارة حساسيات قومية جديدة في محافظة كركوك.
لقد نسي النائب، وهو يتحدث تحت قبة البرلمان، أنه عضو في مجلس النواب العراقي، وليس في مجلس مدينة أو عشيرة أو عائلة. فالبرلمان يمثل جميع العراقيين بمختلف قومياتهم ومكوناتهم، ومن ثم فإن الخطاب الصادر عنه ينبغي أن ينسجم مع مسؤولية النائب الوطنية والدستورية، وأن يحافظ على وحدة العراق وحقوق جميع مواطنيه.
ولا شك في أن أرشد الصالحي شخصية سياسية معروفة، ويحظى باحترام شريحة واسعة من العراقيين، ولا سيما من أبناء المكون العربي، وهذا الاحترام لا يمنع من تسجيل الملاحظات على بعض تصريحاته الأخيرة، خصوصاً عندما تتعارض مع ما عُرف عنه من خطاب وطني كان محل تقدير وإعجاب لدى كثيرين.
ومما يثير الاستغراب أن يستعرض النائب، أمام العراقيين ووسائل الإعلام، رؤيةً تختزل كركوك في مكونين، وكأن أراضي المحافظة حكرٌ على التركمان والكرد وحدهما، متجاهلاً وجود العرب والمسيحيين وغيرهم من أبناء المحافظة. فوجود نسبة كبيرة من الكرد والتركمان في كركوك، وما لهم من حقوق تاريخية وقانونية، لا يعني بأي حال من الأحوال إلغاء حقوق المكونات الأخرى أو حرمانها من حقها في المواطنة والعيش والمشاركة في إدارة شؤون المحافظة.
إننا نعيش في القرن الحادي والعشرين، وفي ظل دولة دستورية، ولا يمكن التعامل مع الأراضي والحقوق بمنطق الملكية الخاصة أو الإرث القومي. كركوك جزء من العراق، وأراضيها وحقوق مواطنيها ينبغي أن تُنظم وفق الدستور والقوانين النافذة، وليس وفق التصريحات السياسية أو الخطابات المتشنجة.
والأكثر إثارة للقلق هو القول، بصورة أو بأخرى، إن الدولة أو الوزير إذا كان من مكون آخر فلا حق له في التدخل أو ممارسة صلاحياته في كركوك. فهذا الطرح، إن صح فهمه على هذا النحو، يفتح الباب أمام تقسيم صلاحيات الدولة على أساس قومي، ويضعف مفهوم المواطنة العراقية الجامعة.
كما أن النائب يجلس تحت قبة تحمل اسم «مجلس النواب العراقي»، وليس مجلساً خاصاً بمدينة أو قومية أو مكون بعينه. ومن هنا تبرز مسؤولية رئاسة مجلس النواب في الحفاظ على خطاب برلماني يحترم الدستور ووحدة البلاد وحقوق جميع العراقيين، ومنع أي خطاب من شأنه أن يؤجج الانقسامات المجتمعية.
واللافت أن هذه التصريحات جاءت للمرة الثانية خلال أسبوع واحد؛ ففي التصريح الأول جرى التركيز على التركمان، بينما أضيف الكرد في التصريح الثاني، الأمر الذي يثير تساؤلات حول طبيعة هذا الخطاب والغاية منه، خصوصاً أن النائب لا يتحدث باسم جميع أبناء هذه المكونات، ولا يملك تفويضاً للحديث باسمها أو تحديد حقوق الآخرين.
إن المطلوب ليس الدخول في سجال قومي جديد، وإنما المساءلة السياسية والقانونية عن أي خطاب قد يؤدي إلى التحريض أو إثارة النعرات القومية، لأن العراق دفع ثمناً باهظاً نتيجة الصراعات والانقسامات التي غذتها السياسات القائمة على الإقصاء والتهميش.
لقد عانى الكرد والتركمان وغيرهم من المكونات العراقية من سياسات النظام السابق التي لم تحترم حقوقهم، وليس من المنطقي أن تتحول معالجة مظالم الماضي إلى سلب حقوق مكونات أخرى في الحاضر. فالعدالة لا تتجزأ، والحق لا يُستعاد بانتزاع حق الآخرين.
وإذا كانت هناك أراضٍ أو ملكيات متنازع عليها في كركوك، فإن معالجتها يجب أن تتم وفق القانون والقضاء والمؤسسات الدستورية المختصة، بعيداً عن التصريحات النارية والخطابات القومية. فهناك قوانين وإجراءات قضائية تنظم موضوع إعادة الأراضي والملكيات إلى أصحابها الشرعيين، والقضاء العراقي هو الجهة التي ينبغي أن تفصل في هذه القضايا، استناداً إلى الوثائق والأدلة والقانون.
وكركوك ليست مجرد أسماء قوميات تتنافس على أرضها، بل هي مدينة يعيش فيها مواطنون من قوميات ومكونات وشرائح اجتماعية مختلفة: موظفون ومتقاعدون وعسكريون وأفراد من قوات الأمن الداخلي، وأبناء القطاع الخاص، وغيرهم من أبناء المجتمع الكركوكي.
هؤلاء جميعاً مواطنون عراقيون، ولهم حقوق متساوية أمام القانون، ولا يجوز اختزالهم في انتماء قومي أو سياسي واحد.
إن كركوك ليست ضيعةً بيد أحد، وليست ملكاً حصرياً لمكون دون آخر، بل هي جزء من العراق، وحقوق أهلها تُحسم بالدستور والقانون والقضاء، لا بالخطابات النارية ولا برفع سقف التحدي تحت قبة البرلمان.
فمن يحاسب النائب عندما يتحول الخطاب البرلماني من مساحة للحوار الوطني إلى منصة قد تُثير الانقسام القومي؟