الموقف الوجودي للرئيس مسعود بارزاني حول استفتاء استقلال كوردستان

الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانيا

تنشأ الأمم في أحيان كثيرة من لحظة إدراك فلسفي عميق لمفهوم الوجود، حيث يصبح انتزاع الحرية والتعبير عن الذات شرطاً قيمياً يعلو فوق أي حسابات جيوسياسية عابرة.
فالسيادة في معنييها الفلسفي والأنطولوجي ليست مقعداً تفاوضياً تهديه الموازين الدولية، بل هي إعلان كياني يحرر إرادة الشعوب من صمت التاريخ، ويمنحها حق تسمية الأشياء بإسمها الحقيقي بعيداً عن منطق التبعية والوصاية.
من هذا المنطلق الفلسفي للسيادة والوجود، نحن الکورد التواقون الی الحریة و الإستقلال لانعتبر بأن يوم 25 أيلول 2017 کان مجرد موعد لإلقاء بطاقات الاقتراع في الصناديق داخل أربيل وبقية المدن الكوردستانية، وخاصة مدينة كركوك قلب كوردستان، بل كان محطة تاريخية أعلن فيها الشعب الكوردستاني موقفه الصريح أمام العالم.
وفي قلب تلك الظروف المحفوفة بالضغوط الإقليمية والدولية غير المسبوقة، اتخذ الرئيس مسعود بارزاني إحدى أجرأ الخطوات في تاريخ المنطقة الحديث، متجاوزاً اعتبار حق تقرير المصير شعاراً مؤجلاً ليحوله إلى واقع مدون في وثيقة شعبية وتاريخية حاسمة.
لم يأت قرار الذهاب إلى الاستفتاء نتيجة انفعال لحظي أو مناورة لكسر جمود أزمة عابرة، بل كان نتاج مراجعة طويلة لمسار العلاقة مع بغداد بعد عام 2003.
ورغم أن القيادة الكوردستانية كانت شريكاً أساسياً في صياغة دستور 2005 وتثبيت مفاهيم الفيدرالية والشراكة والتوافق، إلا أن السنوات التالية شهدت تراجعاً ملموساً من الحكومات الاتحادية عن تنفيذ تلك البنود، بدءاً من تعطيل المادة 140 الخاصة بالحدود والمناطق الكوردستانية المستقطعة خارج إدارة الإقلیم، وصولاً إلى قطع حصة الإقليم من الموازنة العامة والسيولة المالية في شباط 2014.
وأمام هذا الانسداد الدائم، وجد الرئيس مسعود بارزاني أن الدوران في هذه الحلقة المفرغة لم يعد مجدياً لحماية حقوق الإقليم واستقراره.
وقد تلخص موقف الرئيس بارزاني عشية الاقتراع، وتحديداً خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في منتجع صلاح الدين يوم 24 أيلول 2017، حين وجه كلامه إلى العواصم الكبرى والدول الإقليمية التي ضغطت لإلغاء الخطوة دون تقديم بديل موثوق، قائلاً:
“الاستفتاء ليس ملكاً لشخص أو حزب لتأجيله، بل هو ملك لشعب كوردستان ودمائه وتضحياته.. لقد جربنا كل خيارات الشراكة والنتيجة كانت الأنفال والكيمياوي وقطع الموازنة، ولا يمكننا العودة إلى تجربة التبعية والإلغاء.”
ثم أردف موضحاً أبعاد خطوته: “نحن لا نريد افتعال المشاكل ولا قطع العلاقات مع بغداد أو دول الجوار، بل نريد أن نكون جيراناً طيبين يبنون علاقاتهم على التكافئ واحترام إرادة الشعبين”.
ومع التهديدات العسكرية المباشرة وإغلاق المجال الجوي والحدود من قبل دول الجوار، توجه الناخبون إلى المراكز في مدن الإقليم والمناطق المشمولة بالاستفتاء ككركوك وسنجار وخانقين.
وأظهرت بيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والاستفتاء مشاركة واسعة بلغت 72.16% من إجمالي المسموح لهم بالتصويت والبالغ عددهم 4,581,255 ناخباً.
وأظهرت النتائج الرسمية أن 92.73% نحو 2.86 مليون ناخب صوتوا بـ “نعم” لصالح الاستقلال، مقابل 7.27% بـ “لا”، في اقتراع شارك فيه الكورد والعرب والتركمان والمسيحيون والإيزيديون على حد سواء.
ورغم التبعات الجيوسياسية والعسكرية الصعبة التي شهدها شهر تشرين الأول 2017، إلا أن الأبعاد البعيدة المدى لقرار الرئیس بارزاني ظلت حاضرة، إذ لم ينه الاستفتاء مكانة الإقليم كفاعل رئيسي في العراق والمنطقة، بل ثبت يوم 25 أيلول 2017 كحقيقة شعبية وقانونية لا يمكن تجاوزها أو إسقاطها بالتقادم في أي مفاوضات مستقبلية تخص شكل الدولة أو تقرير المصير.
وتظل هذه المحطة في مسيرة الرئيس مسعود بارزاني السياسية تجسيداً لإعلاء القرار الوطني المباشر، وتفضيل الإرادة الشعبية على الحسابات الظرفية العابرة.
إن القيمة الفلسفية للأحداث الكبرى لا تقاس بمصائر لحظتها الزمانية والمكانية فحسب، بل بمدى قدرتها على إعادة رسم الوعي التاريخي وإرساء مرجعية لا تزول.
لقد أعاد 25 أيلول التوازن لمعادلة الإرادة مقابل الوجود، فحتى إن تغيرت الخرائط السياسية تحت وطأة التحالفات والمصالح العابرة، فإن الإشهار التاريخي للحق يبقى مطبوعاً في ذاكرة الأمة ووعيها الجمعي.
لقد تحول الاستفتاء بفعل رؤية الرئيس مسعود بارزاني من مجرد ورقة اقتراع إلى موقف وجودي يثبت أن إرادة الشعوب الحرة حين تكتب بالصوت الحر الصريح، ترتقي فوق التقادم لتغدو حقيقة إنسانية وسياسية ثابتة لا يمكن لمسارات الزمن إلغاؤها.
وختاماً قال الخالد مصطفی بارزاني:
“إن حقوق الشعب الكوردي وطموحاته المشروعة غير قابلة للمساومة، والسلام الحقيقي لا يبنى على سلب إرادة الشعوب، بل على الاعتراف بها… نحن لا نطلب أكثر من حقنا، ولا نرضى بأقل منه، وحق تقرير المصير ليس ملكاً لحزب أو قيادة، بل هو ملك لكل أبناء هذا الشعب.”

قد يعجبك ايضا