د أميمة منير جادو
لم تكن تريد أن تصبح ثَرِيَّة.
كانت تريد فقط أن تكفَّ الحياة عن مطاردتها.
كلما ظنّت أنها أغلقت بابًا من أبواب المصروفات، انفتح لها باب آخر؛ إيجار البيت، وفاتورة الكهرباء، ومصاريف المدرسة، ودفاتر جديدة لا تعرف كيف صارت أسعارها تسبق أسعار الطعام، وملابس مدرسية لا يجوز للطفل أن يدخل فناء المدرسة من دونها، وكتب خارجية تشتريها وهي تعرف أن بعضها لن يُفتح إلا مرات قليلة، ثم دروس خصوصية بدأت تُفرض على الأطفال منذ الصفوف الأولى حتى صار الاستغناء عنها ضربًا من المغامرة.
كانت تحاول أن تشرح لأبنائها الدروس في البيت كلما استطاعت.
لكن الصفوف لا تبقى سهلة إلى الأبد.
وحين بلغ أحدهم الصف الرابع، اكتشفت أن ما كانت تستطيع شرحه في الصفوف السابقة صار يحتاج إلى وقت لا تملكه، وإلى شرح متخصص لا تستطيع أن تقدمه بعد يوم عمل طويل.
قالت لها إحدى الأمهات:
ـ إن لم تلحقيه بمدرس خاص الآن، فسوف يتأخر عن زملائه؛ تغيرت المناهج وصارت اصعب بكثير عما كنا ندرسه ؛ مضى زمن عادل وسعاد وشرشر نط أكل البط وأزور حقل جدي كل جمعة ؛ تطورت المناهج لما يفوق قدرتنا نحن على الاستيعاب والشرح.
لم تقل لجارتها إن راتبها هو الذي سيتأخر عنهم جميعًا.
كان لديها أربعة أبناء.
وكان لكل واحد منهم موعد مختلف مع الحاجة.ومطالب متجددة باستمرار .
الكبير يحتاج إلى مصاريف المدرسة.
والثاني إلى درس؛ والثالث إلى حذاء وحقيبة ؛ والصغير إلى دواء.
وهي تحتاج إلى راتب يكفي أربعة أطفال وبيتًا مفتوحا بكل التزاماته؛ كهرباء؛ مياه؛ غاز؛ إيجار ؛ مواصلات الخ؛ وامرأة تحاول أن تظل واقفة.
أما أبوهم، فقد أصبح رجلًا يأتي من بعيد، يحمل من المسؤولية قدرًا بالكاد يستطيع حمله، ثم يمضي. لم يكن شريرًا، ولم يكن بإمكانه أن يمنحهم حياة كريمة بما يكفي، ولم يكن فقيرًا إلى الحد الذي يعفيه من واجباته. كان فقط رجلًا بسيطًا، محدود الدخل، محدود القدرة، يعيش هو الآخر حياةً تضيق عليه من كل جانب؛ ولا يستطيع الاستغناء عن السجائر ينفث فيها همه كما يخيل له ثم إنه لا يشم المخدرات مثل غيره ؛ هكذا يقنع نفسه ؛ رغم أنه لو طالها لفعل من تأثير اصدقاء السوء الذي لا يستغنى عنهم ولا يفهمهم..كان ذليل حاجته معهم ؛ يستدين منهم ؛ فيقرضونه أحيانا.
وكانت هي تعرف أن انتظار ما يأتي منه لن يغيّر شيئًا.
لذلك عملت؛ ثم عملت أكثر.
ثم بدأت تبحث عن عمل آخر.
وفي الليل، بعد أن ينام الأولاد، كانت تفتح هاتفها وتبحث عن فرص العمل في الخارج.
بلد بعد بلد؛ شركة بعد شركة؛ إعلان بعد إعلان.
كانت تحفظ أسماء المدن التي لم ترها، وتقرأ عن الرواتب، وتبحث عن شروط العقود، وتدقق في كل كلمة، وتسأل من تعرفهم عمّن سافروا قبلها.
وفي البداية كانت تضحك من نفسها حين تتخيل أنها ستترك مصر؛ ثم صار الأمر حلمًا؛ثم صار ضرورة.
ثم صار شيئًا يشبه الخلاص الوحيد.
لم تكن الشبكة الذهبية كبيرة.
لكنها كانت الشيء الوحيد الذي بقي لها من زمن آخر.
كانت تحتفظ بها في علبة صغيرة داخل درج الملابس، ملفوفة في قطعة قماش بيضاء.
كلما احتاج البيت إلى مال، كانت تفتح الدرج، وتنظر إليها، ثم تغلقه.
قالت لنفسها مرات كثيرة: «هذه ليست للبيع.»
كانت تقولها كما لو كانت تتحدث إلى شخص.
وفي إحدى الليالي، عاد أحد أبنائها من المدرسة وفي يده ورقة طويلة من الطلبات.
كتاب خارجي.كشاكيل؛ جلاد خشابي وأزرق وأحمر؛ لكل مادة لونها ؛ ملازم؛ زيّ مدرسي جديد يحمل شعار المدرسة نفسها ؛ ومبلغ للدروس.وكله ضروري ولا يمكن التأجيل ؛
وضعت الورقة أمامها.
قرأت الأرقام؛ ثم أعادت قراءتها.
سألها الطفل:
ـ هل ستشترينها غدًا؟
قالت: إن شاء الله.
دخل غرفته؛ وبقيت الورقة أمامها.
ثم فتحت الدرج ؛ أخرجت العلبة ؛ آخر ما تبقى لديها .
جلست طويلًا وهي تنظر إلى الشبكة.
تذكرت يوم ارتدتها للمرة الأولى.
تذكرت وجهًا لم تعد تذكر ملامحه جيدًا، لكنها تذكرت الفرح الذي كان في عينيها يومها.
قالت لنفسها: سامحيني…مضطرة ..كنت أقول لوقت عوزة ؛ وهل في عوزة أكثر من ذلك؟
وفي الصباح باعتها.
خرجت من محل الذهب وهي تقبض المال في يدها، وشعرت أنها لم تَبِع ذهبًا.
كانت قد باعت آخر قطعة من الماضي لكي تشتري بها يومًا واحدًا من المستقبل.
بعد ذلك بأسابيع، ظهر الإعلان الذي جعل قلبها يخفق.
فرصة عمل في دولة عربية : راتب جيد..سكن..عقد.
إجراءات منظمة.
لم تتعامل مع الأمر هذه المرة بحماس الفتاة التي وجدت حلمها، بل بحذر امرأة تعلّمت أن الأحلام قد تكون لها فواتير..بحثت عن الشركة..اتصلت بها..ذهبت إلى مقرها.
كان المكتب مرتبًا، والموظفون يتحدثون بثقة، والملفات مكدسة فوق المكاتب، وشعار الشركة معلقًا على الحائط.
قال لها الموظف:
ـ ملفك مناسب جدًا.
كانت الجملة بسيطة.
لكنها خرجت من المكتب وهي تشعر أن أحدًا أعاد إليها شيئًا فقدته منذ سنوات: الأمل.
بدأت مشوارا طويلا من الإجراءات: توثيق شهادات..ترجمة أوراق..فحوص…تصديقات…رسوم…طلبات جديدة..مشاوير ومشاوير استهلكتها ..ماديا وصحيا وغيابا عن البيت والاولاد ..تجهز طعامهم للغد بعد عودتها مستنزفة وتصبر نفسها بنفسها وتقوي عزيمتها ؛ مستعينة بالله وتقول هانت.
كلما ظنت أن الملف انتهى، ظهر مستند آخر.
وكانت تدفع…ثم تدفع…ثم تدفع.
وفي كل مرة كانت تقول لنفسها:
«هذه آخر دفعة.»
وحين نفد المال الذي حصلت عليه من بيع الشبكة، اتصلت بأختها التي تعيش مع اسرتها في الخارج وفي بحبوحة من العيش منذ سنوات…قالت:
ـ أحتاج إلى مبلغ أُكمل به الإجراءات. بمجرد أن أسافر وأقبض أول راتب، سأعيده إليكِ.
صمتت أختها قليلًا ثم باغتتها : دولار بدولار ؛ اندهشت ثم وافقت .
قالت الاخت: سأحوله لكِ انستاباي…
لم تفهم فسألتها : كيف؟
شرحت لها : إنه تطبيق حديث لتحويل الاموال وممكن أي طالب ينزله لها او احد اولادها وإجراءات بنكية بسيطة.
ووصل المال ؛ دعت لأختها بالستر في غربتها ؛ ووضعت الهاتف على صدرها..وبكت.
هذه المرة لم تكن دموع خوف.
كانت دموع امرأة صدقت أخيرًا أن الطريق فُتح.
قبل السفر بأيام بدأت مشكلة أخرى.
مَن سيبقى مع الأطفال؟
لم يكن السؤال سهلًا.
الكبير يستطيع أن يعتمد على نفسه قليلًا.
أما الأصغر فلا يستطيع أن ينام دونها.
جلست مع أمها، وتحدثتا طويلًا.
قالت لها أمها:
ـ اذهبي. إن بقيتِ هنا فلن يتغير شيء.
قالت: لكنهم أولادي.لم افترق عنهم أبدا.
ـ ولهذا اذهبي…من أجلهم .
كانت الجملة قاسية ورحيمة في الوقت نفسه.
وفي الليل، دخلت إلى غرفة الأطفال.
وقفت عند الباب:
راقبتهم وهم نائمون.
اقتربت من أصغرهم، ومسحت شعره.
همس وهو نصف نائم:
ـ لن تسافري، أليس كذلك؟
تجمدت يدها..قالت: سأعود…وأحضر لك هدايا كثيرة جميلة…لم تسأله إن كان صدقها.
ولم تسأل نفسها عن أشياء كثيرة محتملة في بعدها .
بدأ الانتظار.
أسبوع…ثم أسبوعان…ثم شهر.
اتصلت بالشركة.
قالوا: الأمور تسير بشكل جيد، لا تقلقي.
مر شهر آخر: الموافقة في مراحلها الأخيرة.
ثم شهر ثالث: هناك إجراءات في الدولة المضيفة.
ثم رابع…ثم خامس.
وفي كل مرة كانت تتشبث بالكلمة الأخيرة:
«قريبًا.»
رفضت عرض عمل آخر لأنها كانت تستعد للسفر.
أخرت بعض التزاماتها.
استدانت مرة أخرى من صديقة لها مبلغًا صغيرًا لتدبر أمور البيت…قالت لها صديقتها:
ـ لا تشغلي بالك. حين يفتحها الله عليكِ، أعيديه.
ثم جاء الشهر السادس.
في ذلك الشهر لم تعد تفتح حقيبتها.
كانت قد أعدتها منذ زمن.
وضعت فيها ملابسها وأوراقها، ثم تركتها فوق الخزانة.
وفي صباح أحد الأيام جاء الاتصال.
هذه المرة لم يكن صوت الموظف واثقًا.
قال: للأسف، الإجراءات لم تكتمل.
سألت: ماذا يعني هذا؟
ـ يعني أن السفر لن يتم في الوقت الحالي.هناك مشاكل تتعلق بالسفارة هناك و…و…
ـ ومتى يتم؟
صمت.
ـ لا نستطيع تحديد موعد الآن.
ـ لكن العقد…
ـ نأسف.
ثم انتهت المكالمة.
ألقت بنفسها على الأرض..وضعت يديها على خديها وضمت وجهها بقوة ؛ كاد راسها ينفجر .
لم تفكر في الشركة…ولا في الموظف…ولا حتى في المال.
فكرت في الشبكة…رأت العلبة الفارغة أمام عينيها.
ثم فكرت في أختها…وفي صديقتها…وفي الحقيبة…وفي الأشهر الستة.
وفجأة فهمت.
لم تكن قد خسرت فرصة سفر.
كانت قد خسرت ستة أشهر من عمرها، ومالها، وما بقي من ذهبها، وثقة أولادها في جملة «سوف تتغير حياتنا».
حين أخبرت أختها، لم تقل شيئًا في البداية.
لكنها سألت: وماذا عن مالي؟
كان السؤال في مكانه.
لم تستطع أن تغضب.
قالت: سأعيده.
ـ متى؟
ـ لا أعرف.
ـ كيف لا تعرفين؟
خفضت رأسها مرتبكة خجلى .
ـ لأنني لا أملك شيئًا الآن.
قالت أختها: كان عليكِ أن تفكري في هذا قبل أن تأخذي المال.
رفعت رأسها.
أرادت أن تقول لها إن المال لم يكن نزهة، وإنها لم تنفقه على نفسها، وإنها باعت ذهبها، وإنها صدقت شركة احتالت عليها، وإنها هي نفسها لم تعد تعرف من أين تبدأ.
لكنها لم تقل إلا: أنا لم أنكر دَيني..سأكتب لك به إيصالا وهو دين في رقبتي .
قالت أختها: وأنا لم أقل إنك تنكرينه. لكني أريد حقي.
كانت محقة.
وهذا ما جعل الألم أشد.
بعد ستة أشهر أخرى، اخيرا وجدت عملًا جديدًا براتب أفضل قليلًا.
لم يكن الراتب الذي كانت تحلم به.ولم يكن يكفي.
لكنه كان راتبًا…حاولت أن تدبر امورها بكل ما اوتيت من قدرة على تدبير انواع الطعام وترشيد استهلاك المياه والكهرباء .كانت رحلة من حرمانات متوالية لا يفهمها الأبناء..لكنها بدأت من جديد.
دفعت جزءا من الإيجار…واستمهلت المالك قليلا مع بعض وساطات من اهل الخير.
دفعت بعض مصروفات المدرسة.
اشترت جزءًا من الكتب.
استعانت بمدرس لابنها الذي أصبح منهج الصف الرابع أصعب من أن تتابعه وحدها..وشرحت له ظروفها ؛ فمنحه الدرس مجانا.
ولكن قبل نهاية الشهر لم يبقَ شيء تقريبًا.
اتصلت أختها: ابدئي في رد المال.
قالت: اصبري قليلًا.
ـ لقد صبرت.
ـ أعلم.
ـ إذن ماذا أفعل؟
سكتت.
قالت أختها: تصرفي ؛زوجي يريد نقوده؛ خذي قرضًا من البنك…أغلقت عينيها.
كانت تسمع في رأسها أصواتًا كثيرة:
أقساط المدرسة.الكتب.الملازم.الزي.الإيجار.الدواء.
المواصلات.الدروس…كلها معا.
ثم صوت أختها: «خذي قرضًا.»
قالت: قرضًا لأدفع قرضًا؟
ردت أختها: المال مالي..وأنا مالي..لا اشحذ منك.ولا تحرجيني أكثر مع زوجي.
عندها شعرت أن شيئًا انكسر.
ليس حق أختها…شيء آخر.
شيء لا تعرف له اسمًا.
في تلك الليلة، اتصلت بصديقتها.
لم تذكر شيئًا عن أختها.
قالت فقط:
ـ لا أعرف ماذا أفعل.
جاءها صوت الصديقة هادئًا:
ـ ماذا تستطيعين أن تفعلي؟
ـ لا شيء.
ـ إذن لا تفعلي شيئًا الآن.
ـ لكن الدَّين…
ـ الدَّين لا يهرب. حين تستطيعين، ادفعيه.
سكتت.
ثم قالت الصديقة:
ـ أنتِ لم تضيعي المال.
ـ ماذا تعنين؟
ـ أنتِ حاولتِ أن تنقذي أولادك.
أجهشت بالبكاء.
كانت تلك الجملة هي الشيء الوحيد الذي كانت تحتاج إلى سماعه.
في اليوم التالي، عادت إلى عملها.
لم تتوقف.
بدأت تبحث من جديد عن فرصة أفضل.
هذه المرة لم تكن تحمل شبكة ذهبية.
ولا مالًا مدخرًا.
ولا ثقة سهلة في الشركات.
كانت تحمل أربعة أطفال، ودَينًا، وملف شهادات، وخبرة مريرة، وقلبًا يعرف الآن أن الطريق إلى النجاة قد يكون أطول مما ظن.
وفي المساء، فتحت درجها القديم.
كانت علبة الشبكة ما تزال هناك.
فارغة..أمسكتها…تأملتها قليلًا.
ثم وضعت فيها ورقة صغيرة كتبت عليها:
«لَمْ يَضِعْ الذَّهَبُ. ضَاعَ وَهْمٌ، وبَقِيَتِ الطَّريق.»
أغلقت العلبة.
ولأول مرة منذ شهور لم تبكِ.
رفعت رأسها إلى السماء، وقالت:
ـ يا رب، إن كنتَ قد أغلقتَ هذا الباب، فلا تجعلني أظل واقفةً أمامه…لا تحوجني إلا لك..ولا تذلني لغيرك..
ثم نهضت.
كان عليها في الصباح أن تشتري لابنها كراسةً جديدة، وأن تدفع جزءًا من مصروف الدرس، وأن تبحث عن عمل آخر، وأن تتصل بصاحبة المدرسة لتطلب مهلة.
وكان عليها أيضًا أن تسدد دينًا لا تعرف متى ستسدده.
لكنها، رغم كل شيء، كانت تمشي.
فربما لم تكن النجاة في البلد البعيدة التي ظلت ستة أشهر تنتظرها.
وربما لم تكن في العقد الذي وقّعته.
وربما لم تكن في الذهب الذي باعته.
ربما كانت النجاة كلها في تلك القدرة الغريبة التي تجعل امرأةً كلما سقط منها شيء، نهضت تبحث عن شيء آخر تتمسك به.
وكان الطريق طويلًا.
لكنها لم تعد تنتظر أن يفتح لها أحدٌ الباب.
كانت تمشي نحو بابٍ آخر.
حتى لو لم تعرف بعد أين هو.
ومازالت …..