محمد علي محيي الدين
يُعدّ محمد يوسف القريشي من الباحثين العراقيين الذين ارتبط اهتمامهم بالتاريخ الحديث والمعاصر، ولا سيما بتاريخ الأفكار والعلاقات الدولية والتحولات السياسية التي تركت آثارها في العراق والعالم العربي. وُلد في مدينة بهرز بمحافظة ديالى سنة 1966، وفيها تلقى دراسته الأولى، قبل أن ينتقل إلى التعليم الجامعي ويتخصص في التاريخ الحديث، حتى نال درجة الدكتوراه من جامعة بغداد، ثم واصل مسيرته الأكاديمية أستاذاً للتاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر في كلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة تكريت.

تدرج القريشي في السلم الأكاديمي وفق مسار علمي واضح؛ فحصل على البكالوريوس في 30 حزيران 1988، ثم الماجستير في 2 تشرين الثاني 1993، والدكتوراه في 15 آب 2000. وبعد سنوات من العمل والتدريس والبحث، نال لقب أستاذ مساعد سنة 2000، ثم أصبح أستاذاً في 10 كانون الثاني 2007. ولم تكن هذه الألقاب مجرد محطات وظيفية، بل جاءت متصلة بنشاط بحثي وتدريسي وإداري امتد إلى أكثر من مجال داخل المؤسسة الجامعية.
وفي جامعة تكريت، اضطلع بعدد من المسؤوليات العلمية والإدارية، فترأس أقسام الدراسات التاريخية والدراسات السياسية والدراسات الحضارية في مركز صلاح الدين الأيوبي للدراسات التاريخية والحضارية، كما ترأس اللجنة العلمية ولجنة الدراسات العليا في قسم التاريخ بكلية التربية، وشارك في لجنة الاعتراضات على الترقيات العلمية ولجنة صلاحية التدريس. وتكشف هذه المسؤوليات عن حضور أكاديمي لم يقتصر على التدريس والبحث، بل امتد إلى المشاركة في إدارة الحياة العلمية وتقويم النتاج الأكاديمي والإشراف على مسارات الدراسات العليا.
ويبدو اتساع اهتمامه العلمي واضحاً في طبيعة المواد التي تولى تدريسها، إذ انصرف جانب مهم منها إلى الفكر السياسي الأوروبي، فتناول لطلبة الدكتوراه موضوعات التنوير والعقلانية، والاقتصاد الحر، والديمقراطية الليبرالية، والفكر النقابي، والقانون الطبيعي، والاشتراكية الطوبانية، فضلاً عن ملامح الفكر السياسي في العصور الوسطى وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر. كما اهتم بالعلاقات الدولية، ودرّس موضوعات تتصل بتداعيات المشكلة الألمانية بين 1949 و1962، والتسويات المتعلقة بشرق أوروبا. ويشير هذا التنوع إلى أن اشتغاله بالتاريخ لم يكن قائماً على سرد الوقائع وحدها، وإنما على قراءة الأفكار والنظم والتحولات السياسية التي صنعت التاريخ الحديث.
وإلى جانب التدريس، ارتبط اسم محمد يوسف القريشي بالبحث والتأليف في التاريخ السياسي، ومن أبرز أعماله كتاب «المس بيل وأثرها في السياسة العراقية» الصادر سنة 2003، وهو موضوع يلامس واحدة من الشخصيات البريطانية الأكثر حضوراً في تاريخ العراق الحديث، ويضع نشاطها في سياق السياسة البريطانية تجاه العراق. وله كذلك دراسة تاريخية بعنوان «تشرشل والقضايا العربية»، بما يعكس استمرار اهتمامه بالشخصيات والسياسات البريطانية وعلاقتها بالمسألة العربية. وقد ذكره المؤرخ كمال مظهر أحمد وأشاد بجهده المتميز، وفق ما تورد موسوعة المطبعي.
وقد حظي نشاطه العلمي بعدد من الشهادات والتكريمات، منها شهادة تقديرية من جمعية المؤرخين والآثاريين سنة 2000، وشهادة تقديرية من مؤتمر القدس السنوي الرابع 2000–2001، فضلاً عن اختياره الأستاذ الأول في كلية التربية بجامعة تكريت سنة 2007 ومنحه درع الكلية. كما حصل على أكثر من ثلاثين كتاب شكر من رئيس جامعة تكريت ووزارة التعليم العالي في العراق، وهي مؤشرات تعكس استمرار حضوره في الوسط الأكاديمي ومشاركته في الحياة الجامعية.
وتكتمل صورة القريشي بوصفه أستاذاً وباحثاً جمع بين التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية، وسعى من خلال عمله الأكاديمي إلى ربط دراسة الماضي بالأسئلة الكبرى التي صنعت النظام السياسي الحديث. فاختياره موضوعات مثل التنوير والعقلانية والديمقراطية والاشتراكية والقانون الطبيعي، إلى جانب دراساته في العلاقات الدولية والسياسة البريطانية، يكشف عن رؤية تتعامل مع التاريخ بوصفه شبكة من الأفكار والمصالح والتحولات، لا مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مسيرته العلمية بوصفها امتداداً لجهد أكاديمي عراقي اهتم بالتاريخ الحديث باعتباره مدخلاً لفهم الحاضر؛ إذ تتقاطع في أعماله دراسة الشخصيات السياسية مع تحليل القضايا العربية والدولية، بينما منحته تجربته الجامعية الطويلة موقعاً في مجال تدريس التاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر وتكوين أجيال من الدارسين والباحثين. وتبقى إشارات موسوعة المطبعي إلى جهده، إلى جانب سجله الأكاديمي والتدريسي في جامعة تكريت، من الشواهد التي ترسم ملامح تجربة علمية ارتبطت بالبحث والتدريس وخدمة المؤسسة الجامعية.