متابعة التآخي
قد يمرّ يوم كامل من حياة الإنسان من دون أنيسأله أحد: هل أحسنت ما فعلت؟ هل ظلمتشخصاً؟ هل أضعت وقتاً كان يمكن أن تستثمرهبصورة أفضل؟ وهل القرارات التي اتخذتها كانتنتيجة تفكير هادئ، أم مجرد ردود أفعال سريعة؟ومع ذلك، هناك شخص واحد يستطيع أن يطرح عليههذه الأسئلة في كل لحظة، وهو الإنسان نفسه…
قد يمرّ يوم كامل من حياة الإنسان من دون أنيسأله أحد: هل أحسنت ما فعلت؟ هل ظلمتشخصاً؟ هل أضعت وقتاً كان يمكن أن تستثمرهبصورة أفضل؟ وهل القرارات التي اتخذتها كانتنتيجة تفكير هادئ، أم مجرد ردود أفعال سريعة؟ومع ذلك، هناك شخص واحد يستطيع أن يطرح عليههذه الأسئلة في كل لحظة، وهو الإنسان نفسه. هناتبدأ فكرة الرقيب الذاتي؛ ذلك الصوت الداخلي الذيلا ينتظر رقابة الآخرين حتى يراجع السلوك، ولايحتاج إلى عقوبة خارجية حتى يعترف بالخطأ. فحين يصبح الإنسان قادراً على الوقوف أمام نفسهبصدق، تتحول المراجعة من موقف مؤلم إلى وسيلةمستمرة لإعادة بناء الشخصية.
كثير من الناس يتعاملون مع تقويم النفس باعتبارهاعترافاً بالفشل، مع أن الفكرة في جوهرها مختلفةتماماً. الإنسان الذي يراجع نفسه لا يفترض أنهسيئ، وإنما يدرك أنه قابل للخطأ والتغيير والتحسن. ولهذا ارتبطت محاسبة النفس في التراث الأخلاقيبفكرة الاستزادة من الخير وتصحيح الخطأ، لأنالغاية ليست جلد الذات، وإنما اكتشاف ما يحتاجإلى تعديل قبل أن يتحول الخطأ إلى عادة، والعادةإلى جزء ثابت من الشخصية. الإنسان الذي لايراجع نفسه قد يكرر السلوك ذاته سنوات طويلة وهويظن أنه يتقدم، بينما الإنسان الذي يراقب أفعالهيستطيع أن يكتشف مبكراً أين تتسرب طاقته، وأينتتعطل قدرته، وما الذي يمنعه من الوصول إلى مايريد.
ومن هنا تصبح المحاسبة الذاتية أكثر اتساعاً منالسؤال التقليدي: هل أخطأت أم لم أخطئ؟ السؤالالأكثر أهمية هو: ماذا فعلت بما أملك من قدرات؟ هلأنجزت ما خططت له؟ هل بذلت أفضل ما أستطيعفي عملي؟ هل أؤجل ما ينبغي إنجازه؟ هل أستهلكوقتي في أمور لا تضيف شيئاً إلى حياتي؟ هلأتعامل مع الآخرين باحترام، أم أطلب منهم ما لاأقدمه لهم؟ وهل أستمع إلى النقد الذي يمكن أنيطوّرني، أم أبحث فقط عمن يؤكد لي أنني علىصواب؟ مثل هذه الأسئلة تنقل الإنسان من محاكمةالماضي إلى فهم الحاضر والاستعداد للمستقبل.
المشكلة أن الإنسان يستطيع بسهولة أن يجد تفسيراًمريحاً لكل تقصير. قد يحمّل الظروف مسؤوليةتأخره، أو يلوم الآخرين على فشل علاقة، أو يقنعنفسه بأن الوقت لم يكن كافياً، أو أن الإمكانات لمتكن متاحة. وقد يكون بعض ذلك صحيحاً، لكنالرقيب الذاتي الحقيقي يبدأ من السؤال الأكثرصعوبة: ما الجزء الذي كان يمكنني أنا أن أغيّره؟هذا السؤال لا يلغي تأثير الظروف، وإنما يعيدللإنسان مسؤوليته عن المساحة التي يستطيعالتحكم بها. وحين يعرف الإنسان حدود مسؤوليته،يصبح أكثر قدرة على التصحيح وأقل ميلاً إلىإضاعة طاقته في البحث عن الأعذار.
وتظهر قيمة هذه المراجعة بصورة أكبر في العمل. الموظف أو المسؤول أو صاحب المهنة لا يحتاج إلىانتظار تقييم سنوي حتى يعرف مستوى أدائه. يستطيع في نهاية كل يوم أن يسأل نفسه: هل قدمتأفضل خدمة أستطيع تقديمها؟ هل كنت دقيقاً فيقراراتي؟ هل تعاملت مع زملائي بطريقة تستحقالاحترام؟ هل استثمرت وقت العمل كما ينبغي؟ وهلكنت أعمل من أجل إنجاز حقيقي، أم كنت منشغلاًبإظهار أنني أعمل؟ هذه الأسئلة تكشف الفارق بينأداء المهمة وبين الإخلاص لها، وبين الحضور فيمكان العمل وبين إنتاج القيمة داخله.
والأمر ذاته ينطبق على العلاقات الإنسانية. الإنسانالذي يراقب نفسه لا يسأل فقط: لماذا يخطئالآخرون بحقي؟ وإنما يسأل أيضاً: هل كنت عادلاًمعهم؟ هل استمعت إليهم قبل أن أحكم عليهم؟ هلكنت متعاوناً أم أنانياً؟ هل سمحت للغرور أن يؤثرفي طريقة تعاملي؟ وهل أبحث عن احترام الآخرينمن خلال السيطرة عليهم، أم من خلال السلوك الذييجعل الاحترام نتيجة طبيعية؟ هذه المراجعة لا تجعلالإنسان مثالياً، لكنها تمنعه من رؤية العلاقات منزاوية واحدة، وتساعده على اكتشاف الأخطاء التيقد لا يراها حين يكون منشغلاً بالدفاع عن نفسه.
ويحتاج الإنسان كذلك إلى مراقبة عاداته الصغيرة،لأنها كثيراً ما تكشف مسار حياته أكثر مما تكشفهالقرارات الكبيرة. الإفراط في استخدام الهاتف،تأجيل الأعمال، الإسراف في الإنفاق، السهر غيرالمنظم، التشتت بين مهام كثيرة، الاستسلام للغضب،أو إهدار ساعات طويلة في نشاط لا قيمة له؛ كلهاتبدو في البداية تفاصيل بسيطة، لكنها حين تتكررتتحول إلى نظام حياة. لذلك فإن السؤال المهم ليسفقط: ماذا أنجزت اليوم؟ وإنما أيضاً: ماذا فعلتبالوقت الذي كان يمكن أن أستخدمه بصورة أفضل؟وما العادة التي ينبغي أن أغيّرها حتى يصبح الغدأكثر كفاءة من اليوم؟
ولا تكتمل محاسبة النفس من دون شجاعة الاعترافبمحدودية المعرفة. فالإنسان قد يتخذ قراراً اعتماداًعلى انطباع سريع أو معلومة ناقصة أو تخمينشخصي، ثم يبني عليه موقفاً كبيراً. الرقيب الذاتيهنا يسأل: هل حللت الأمر فعلاً؟ هل استمعت إلىوجهات النظر المختلفة؟ هل امتلكت معلومات كافيةقبل إصدار الحكم؟ وهل كان قراري نابعاً منالتفكير، أم من الخوف أو الغضب أو الرغبة فيإثبات الذات؟ وكلما أصبح الإنسان أكثر دقة فيمراجعة طريقة تفكيره، تحسنت قراراته، لأن إصلاحالنتائج يبدأ غالباً من إصلاح الطريقة التي وصلنابها إليها.
ومن أكثر جوانب المحاسبة الذاتية أهمية أن يقيسالإنسان نجاحه بصدق، لا بالمقارنة مع الآخرين. قديحقق شخص نتائج تبدو جيدة أمام الناس، لكنهيعرف في داخله أنه كان يستطيع تقديم أكثر مماقدم. وقد يحصل آخر على تقدير مرتفع، مع أنهيعرف أن جزءاً من نجاحه كان نتيجة ظروف مواتية لاتعكس قدرته الحقيقية. لذلك يحتاج الإنسان بين فترةوأخرى إلى سؤال شديد الوضوح: لو قيّمت نفسيكما سيقيّمني شخص يعرف نقاط قوتي وضعفي ولايجاملني، فما الدرجة التي سأحصل عليها؟ الإجابةالصادقة قد تكون مزعجة، لكنها أكثر فائدة من تقييممريح لا يقود إلى أي تغيير.
وهنا تتصل محاسبة النفس بالنجاح اتصالاً عميقاً. فالنجاح ليس نتيجة قرار واحد كبير، وإنما حصيلةتعديلات صغيرة ومتواصلة في طريقة التفكير والعملوالعلاقات وإدارة الوقت. الشخص الذي يكتشفخطأه ثم يصححه يتقدم خطوة، والذي يلاحظ عادةسيئة ثم يغيرها يستعيد جزءاً من طاقته، والذييعترف بأنه لا يحسن مهارة معينة ثم يتعلمها يوسعقدرته على الإنجاز. بهذه الطريقة يصبح تقويمالنفس عملية تراكمية، تتحول فيها المراجعة اليوميةإلى خبرة، والخبرة إلى وعي، والوعي إلى سلوك أكثرنضجاً.
ومع ذلك، لا تعني الرقابة الذاتية أن يعيش الإنسانأسيراً للشك في نفسه، أو أن
يحول حياته إلى محكمة داخلية لا تتوقف. هناك فرقبين النقد الذي يقود إلى الإصلاح والنقد الذييستنزف صاحبه. الإنسان يحتاج إلى أن يرىأخطاءه بوضوح، وأن يعترف بنقاط قوته أيضاً؛ لأنمعرفة ما نجيده لا تقل أهمية عن معرفة ما نحتاجإلى إصلاحه. كما أن الاستعانة بشخص نثق برأيهقد تكشف لنا زوايا لا نستطيع رؤيتها بأنفسنا،فالعقل يملك قدرة محدودة على تقييم ذاته، والحوارالصادق مع الآخرين يمكن أن يضيف إلى عمليةالمراجعة قدراً أكبر من الموضوعية.
في النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى رقيب يقف فوقهطوال الوقت إذا استطاع أن يبني داخله رقيباً نزيهاًلا يجامل ولا يظلم. ذلك الرقيب لا يبحث عن العقوبة،وإنما عن التحسين؛ لا يذكّر الإنسان بأخطائهلإغراقه في الندم، وإنما يساعده على تحويلها إلىمعرفة؛ ولا يسأله فقط ماذا فعلت، وإنما ماذا تعلمت،وماذا ستغيّر، وكيف ستجعل يومك المقبل أفضل. وربما تكون القيمة الحقيقية لمحاسبة النفس في أنهاتمنح الإنسان فرصة نادرة ليعيد ترتيب حياته قبل أنتضطره الظروف إلى ذلك. فمن يراجع نفسه بإرادتهيستطيع أن يصحح طريقه، أما من يرفض مراجعتهافقد يترك للأيام مهمة اكتشاف أخطائه نيابة عنه،وغالباً بعد أن يصبح ثمن التصحيح أكبر.