عبد الكريم مراد
ليس من الحكمة، في هذه المرحلة الحسّاسة التي تمرّ بها سوريا عامةً، ومنطقة الجزيرة على وجه الخصوص، أن نسمح لحوادث القتل والاعتداءات والانتقامات المتبادلة بأن تتحوّل إلى شرارة تشعل ناراً أكبر من الحادثة نفسها، ولا أن نترك وسائل التواصل الاجتماعي تتحوّل إلى ساحات للتحريض والشحن والكراهية، تُستباح فيها الكرامات، وتُوزَّع فيها الاتّهامات، ويُدفع بالناس إلى الاصطفاف على أساس القوميّة والانتماء، بدل الوقوف إلى جانب الحقيقة والعدالة.
إنّ ما يجري في الجزيرة، وما سبقه من أحداث مؤلمة، يستوجب من الجميع التوقُّف لحظةً أمام خطورة الطريق الذي يمكن أن تسلكه المنطقة إذا استمرّ منطق الانتقام وردّ الفعل. فالجريمة، مهما كانت بشعة، لا تُعالج بجريمة أخرى، والدم لا يغسل الدم، والظلم لا يصبح عدلاً إذا انتقل من يدٍ إلى أخرى. وإذا كان من حقّ أهل الضحيّة أن يطالبوا بالعدالة، فإنّ من حقّ المجتمع كلّه أن يطالب أيضاً بألّا يتحوّل القصاص إلى ثأر، وألّا يتحوّل البحث عن الجاني إلى مبرّر لمعاقبة أبرياء لا ذنب لهم.
ومن العدل والحكمة أن أقول بأنَّه لا اتّهام بلا دليل… ولا تبرئة بلا تحقيق، ففي حادثة القتل الأخيرة التي أثارت الكثير من الغضب والاحتقان، لا أريد أن أبرئ أيّة جهة أو جماعة من المسؤوليّة مسبقاً، كما لا أريد أن أتّهم أحداً اتّهاماً قاطعاً من دون دليل، هناك روايات متداولة، وقد تكون هناك اتّهامات وشهادات متناقضة، وقد يكون بعض الأشخاص قد ساقوا غيرهم إلى ارتكاب الجريمة أو استدرجوهم إليها، لكنّ كلّ ذلك يبقى في دائرة الرواية والاحتمال إلى أن تقول التحقيقات كلمتها.
وهنا تكمن مسؤوليّة الدولة ومؤسّساتها: أن تصل إلى الحقيقة، وأن تحدّد المسؤول عن الجريمة، وأن تضعه أمام القضاء، بعيداً عن ضغط الشارع، وعن التحريض القومي، وعن الحسابات السياسيّة، وعن رغبة البعض في تحويل حادثة فرديّة إلى صراع جماعي. فالعدالة لا تُبنى على الظنون، ولا على مقاطع مجتزأة، ولا على منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، ولا على ما يرويه الغاضبون في لحظة احتقان. بل تحتاج العدالة إلى دليل، ويحتاج التحقيق إلى هدوء، وتحتاج الحقيقة إلى وقت.
ويفترض بأننا قد انتهينا من الجاهلية وانتقلنا إلى دولة القانون، ومن المفيد أن نتذكر أنّ الثأر الجماعي ليس جديداً في تاريخ المجتمعات البشرية. ففي الجاهلية، كان منطق الثأر يتجاوز القاتل إلى غيره؛ فقد يُقتل بريء بدلاً من القاتل، أو يُقتل أكثر من شخص مقابل شخص واحد، وقد يصل الانتقام إلى التمثيل بالجثث، وكأنّ الدم لا يطفئه إلا المزيد من الدم، ثم جاء الإسلام ليضع حداً لهذا المنطق، ويربط القصاص بالعدل، لا بالغضب، وبالمسؤولية الفرديّة، لا بالعصبية الجماعية.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾
[الإسراء: 33]
ولكي يكون لولي الدم حقّ المطالبة بالقصاص، فإنّ هذا الحقّ ليس رخصة للقتل العشوائي، ولا تفويضاً بالانتقام من جماعة أو عشيرة أو قومية، ولا يسمح بتجاوز حدود العدالة. فكيف بنا اليوم، ونحن نتحدّثُ عن دولة ومؤسّسات وقانون، أن نعود إلى منطق الثأر الذي تجاوزته المجتمعات منذ قرون؟ وعلينا أن ندرك بأنَّ الجزيرة ليست ساحةً لصراع العرب والكورد، فمن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو حين يتم سحب كل حادثة جنائية إلى خانة الصراع العربي ـ الكوردي.
فالجزيرة السورية لم تكن يوماً مجرّد جغرافيا تتجاور فيها مجموعتان قوميّتان متخاصمتان، بل هي موطن عاش فيه العرب والكورد والسريان وغيرهم جيلاً بعد جيل، وتقاسموا الأسواق والقرى والمدن والعمل والجيرة والأفراح والأحزان. وقد عانى أبناء الجزيرة، عرباً وكورداً وسرياناً وغيرهم، من الاستبداد والتمييز والحروب والفقر والتهميش، ولم يكن المستفيد من ذلك كلّه المواطن البسيط، بل كانت النتيجة دائماً مزيداً من الانقسام والضعف والعداء. ولذلك فإن تحويل كلّ حادثة إلى معركة قومية بين العرب والكورد هو أخطر ما يمكن أن نفعله في هذه المرحلة.
والمجرم يجب أن يُحاسب بصفته مجرماً، لا بصفته عربيّاً أو كورديّاً أو سريانيّاً. وأنَّ الضحية يجب أن تكون ضحيةً للعدوان، لا وقوداً لمعركة قومية. فإذا كان القاتل فرداً، فليحاسَب الفرد. وإذا كان وراء الجريمة تنظيم أو مجموعة، فلتُكشف الحقيقة ويُحاسَب من تثبت مسؤوليّته. أمّا تحميل جماعة بأكملها مسؤوليّة فعل أفراد، فهو ظلم جديد يفتح الباب أمام جرائم جديدة. ولابد لنا أن نظهر الدور الذي تلعبه وسائل التواصل من نقل الخبر إلى صناعة الفتنة
إنَّ ما يثير القلق اليوم، ليس الجريمة وحدها، وإنّما الطريقة التي تتناقل بها بعض الصفحات والحسابات أخبارها، ففي دقائق قليلة يمكن لمنشور غاضب أو تسجيل مجهول المصدر أن يشعل مشاعر الآلاف، وأن يحوّل حادثة محدودة إلى قضيّة قوميّة، وأن يزرع الحقد بين أشخاص لم يعرف بعضهم بعضاً يوماً. فهناك فرق كبير بين نقل الحقيقة وبين صناعة الكراهية…وهناك فرق بين المطالبة بالعدالة وبين التحريض على الانتقام…وهناك فرق بين التعبير عن الألم وبين تحويل الألم إلى دعوة للثأر.
ولهذا فإنَّ المسؤوليّة اليوم لا تقع على الحكومة وحدها، بل تقع أيضاً على الكتّاب والمثقّفين والإعلاميين ورجال الدين وشيوخ العشائر والوجهاء والناشطين، وعلى كل شخص يمتلك منبراً يستطيع من خلاله التأثير في الناس. لأنّ الكلمة في زمن الفتنة قد تكون رصاصة، وقد تكون ضماداً، ومن يكتب منشوراً تحريضياً عليه أن يدرك أنّه قد لا يعرف إلى أين ستصل كلماته، ومن يشارك خبراً غير موثوق قد يكون، من حيث لا يدري، شريكاً في إشعال فتنة يصعب إطفاؤها.
لذك فنحن اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى المثقفين والحكماء ودورهم … أجل … فإنّنا بحاجة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى أصوات العقل. فنحن بحاجةٍ إلى المثقف العربيّ والكورديّ والسريانيّ، وإلى رجل الدين، وإلى شيخ العشيرة والوجهاء، وإلى كل صاحب كلمة مسؤولة، كي يقولوا بوضوح:
كفى….. كفى تحريضاً. كفى تخويناً. كفى تعميماً. كفى انتقاماً. كفى تحويل دم الضحايا إلى وسيلة لتصفية الحسابات. وليس عيباً أن يعتذر الإنسان إذا أخطأ، بل إنّ الاعتذار في مثل هذه الظروف شجاعة ومسؤوليّةٌ، وقد يكون أحياناً أقصر الطرق إلى إطفاء نار كانت على وشك أن تكبر. نحن بحاجة إلى نشر ثقافة الاعتذار والمصالحة، وإلى تعليم الناس أنَّ الاختلاف لا يعني العداء، وأنّ المطالبة بالحق لا تعني الاعتداء على حقوق الآخرين… وأنَّ القانون هو الملاذ… لا الشارع
فقد يتأخر القانون، وقد يخطئ القضاء، وقد يشعر أهل الضحية أنّ العدالة لا تأتي بالسرعة التي يريدونها، لكنّ البديل عن القانون ليس الفوضى…. والبديل عن القضاء ليس الثأر…. والبديل عن الدولة ليس الشارع. إنّ الاحتكام إلى القانون، مع المطالبة بتطبيقه بعدالة ونزاهة، هو الطريق الأكثر أمناً والأكثر حفظاً للحقوق والكرامات. قد يأتي القصاص بعد حين، لكنّ قصاصاً عادلاً خير من انتقام سريع يقتل بريئاً، ثم يخلق ضحيّة جديدة، ثم يطالب أهلها بثأر جديد، وهكذا ندخل في دائرة لا تنتهي.
وأرجو ألا نمنحَ أعداء سوريا ما يريدون لقد عانى السوريون جميعاً من عقودٍ طويلة من الاستبداد والعنف والقمع، ودفعوا ثمناً باهظاً من أرواحهم وبيوتهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. واليوم، بعد كلّ هذه السنوات، نحن أحوج ما نكون إلى بناء سوريا تتّسع لجميع أبنائها، لا إلى إعادة إنتاج الانقسامات التي مزقتها. إنّ أيّة فتنة عربية ـ كوردية في الجزيرة لن يكون ضحيتها العرب وحدهم ولا الكورد وحدهم؛ بل ستكون خسارة لسوريّا كلها.
ومن هنا، فإنّ كلّ من يدعو إلى التهدئة، وكلّ من يرفض الانتقام الجماعي، وكلّ من يطالب بالتحقيق وكشف الحقيقة، وكلّ من يمد يده إلى جاره المختلف عنه في القومية أو الدين أو المذهب، إنّما يدافع عن مستقبل سوريا. أمّا الذين يزرعون الكراهيّة ويغذُّون الثأر ويصطادون في مياه الدم، فلا يخدمون الضحايا، ولا ينتصرون للعدالة، وإنّما يخدمون كلّ من يريد لسوريا أن تبقى غارقةً في الفوضى والانقسام. فلنطفئ النار قبل أن تكبر، فإن الدعوة إلى التهدئة اليوم ليست ضعفاً، وليست تراجعاً عن حقوق الضحايا، وليست تبرئة لأحد. بل على العكس تماماً؛ إنَّ التهدئة هي الطريق الذي يسمح بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤول الحقيقي.
ولنترك للتحقيق أن يقول كلمته. ولنترك للقضاء أن يحكم. ولنرفض جميعاً أن يُقتل بريء بسبب قوميته، أو أن يُعتدى على إنسان لأنّه ينتمي إلى جماعة مختلفة، أو أن تتحول جريمة فرد إلى عقوبة جماعية. ولندعم كلّ المبادرات التي يطلقها العقلاء والحكماء والمنظمات والجمعيات من أجل السلم الأهلي، ولنجعل من صوت العقل أعلى من أصوات التحريض. إنّ الجزيرة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من البنادق، بل إلى مزيد من الحكمة. ولا تحتاج إلى مزيد من الثأر، بل إلى العدالة. ولا تحتاج إلى جدران تفصل العرب عن الكورد، بل إلى جسور تعيد الثقة بين أبناء المنطقة.
فقد آن الأوان أن نفهم جميعاً بأنّ دم السوري، أيّاً كان اسمه وقوميته وانتماؤه، ليس رخيصاً. وأنّ جرحاً في بيت عربي هو جرح في بيت كوردي، وأنَّ جرحاً في بيت كورديٍّ هو جرح في بيت عربي، وأنَّ الذين عاشوا معاً عقوداً وقروناً يستطيعون أن يختلفوا، لكنّهم يستطيعون أيضاً أن يتجاوزوا الخلاف بالحكمة والقانون. فلنطفئ النار وهي ما تزال شرارةً، قبل أن تتحول إلى حريق لا يميّز بين قاتل وبريء، ولا بين عربي وكوردي، ولا بين مدينة وقرية.
فالوطن الذي دفع أبناؤه كل هذا الثمن لا يستحق منا أن نعيده إلى مربع الدم والثأر، -العدالة للضحايا، والقانون للجميع، فالتهدئة مسؤولية الجميع.