انس الشيخ مظهر
لم تكن الجماعات الإسلامية يوماً مجرد أحزاب تتنافس على السلطة كغيرها من التيارات السياسية، بل قدّمت نفسها للناس بوصفها مشروع إنقاذ شامل يتجاوز السياسة إلى معنى المجتمع نفسه, العودة إلى الدين هي الحل، والابتعاد عنه هو أصل كل أزمة. هذا الخطاب لم يكن مجرد شعار تعبوي، بل تفسيراً كاملاً للتاريخ في فشل الدولة الحديثة في العالم الإسلامي والذي لم يكن “بحسب هذا الطرح” نتيجة سياسات خاطئة أو بنى اقتصادية معطوبة أو إرث استعماري، بل نتيجة انفصال المجتمعات عن هويتها الأصيلة. وبما أن التشخيص ديني، فإن الحل بكون بالضرورة دينيا , فإعادة بناء الدولة على أساس الشريعة كفيلة ” حسب هذا التصور” بأن تحل ما عجزت عنه عقود من التجارب القومية والعسكرية والاشتراكية والليبرالية مجتمعة.
هذا الوعد لم يكن منفصلا عن سياقه , فقد صعد في لحظات انهيار متكررة “انهيار المشروع القومي العربي بعد هزيمة 1967، وانهيار الشرعية الثورية في إيران الشاه، وانهيار الدولة الشيوعية في أفغانستان، وانهيار الدولة المركزية في العراق بعد 2003، وانهيار نظام الاستبداد الأمني في سوريا بعد أكثر من خمسين عاماً من حكم العائلة الواحدة” . في كل حالة من هذه الحالات، لم تكن الجماعة الإسلامية تنافس نظاماً ناجحاً، بل تملأ فراغاً خلّفه نظام فشل قبل أن يصل الإسلاميون إلى السلطة أصلاً. وهذا ما يفسر لماذا حظيت هذه الحركات، في لحظة صعودها تحديداً، بثقة قطاعات واسعة تجاوزت المتدينين أنفسهم , فقد صوت الكثيرون لها لا اقتناعاً بالمشروع الديني بقدر ما كان تصويتاً عقابياً ضد كل من سبقها.
لكن الفارق الجوهري بين الوعد والتجربة يكمن في طبيعة المهمتين المختلفتين تماماً اللتين تتطلبهما كل مرحلة.
فالوصول إلى السلطة يتطلب قدرة على التعبئة
خطاباً يوحّد.
وشبكة تنظيمية تُعبّئ.
وسردية تمنح الأتباع معنى يستحق التضحية من أجله.
أما إدارة الدولة فتتطلب شيئاً مختلفاً بالكامل:
مؤسسات تراكم الخبرة لا الولاء.
وسياسات اقتصادية قابلة للقياس بالنتائج لا بالنوايا.
وأجهزة إدارية تُدار بمنطق التخصص لا بمنطق الثقة الشخصية.
التنظيم الذي يتقن الأولى ليس مضموناً أن يتقن الثانية، بل غالباً ما تكون المهارات التي أنتجت نجاحه في التعبئة “الانضباط الصارم، والولاء المطلق، والحسم العقائدي” هي بالذات ما يعطّله حين يحتاج إلى المرونة والتخصص والتعددية التي تتطلبها إدارة دولة حديثة.
ولفهم هذه الفجوة بعمق أكبر من التعميم النظري، سنتناول هنا خمس تجارب حكم إسلامي مختلفة تماماً في المذهب والجغرافيا والحقبة الزمنية:-
إيران الشيعية منذ 1979.
أفغانستان السنّية القَبَلية في عهدي المجاهدين وطالبان.
ومصر في تجربة الإخوان المسلمين القصيرة والحادة عامي 2012-2013.
والعراق الشيعي بعد 2003 في ظل نظام المحاصصة.
وسوريا في تجربتها الانتقالية الوليدة منذ سقوط الأسد أواخر 2024.
الاختيار المتعمد لتجارب بهذا التباين يجاوب على السؤال التالي :-
هل الفشل المتكرر ناتج عن سياق معين ، أم أنه نمط أعمق يتكرر كلما انتقلت حركة دينية من منطق الدعوة إلى منطق الدولة، بصرف النظر عن كل هذه الفروق؟
ايران
ثورة 1979 لم تكن ثورة إسلامية خالصة، بل تحالفاً واسعاً ضمّ يساريين (حزب توده، فدائيو خلق) وليبراليين وقوميين وتجار البازار إلى جانب أنصار الخميني. وفي خضم الحرب الباردة، كانت واشنطن أكثر قلقاً من صعود تيار مقرّب من موسكو من قلقها من تيار ديني بدا في البداية معادياً للشيوعية بطبعه، فتعاملت مع الخيار الإسلامي بوصفه “الشر الأهون” لا بوصفه مشروعاً قد يهددها مستقبلا . هذا التقدير انقلب خلال أشهر إلى أزمة الرهائن الأمريكية 1979-1981 وعداء استراتيجي طويل الأمد لم يتوقعه أحد بهذا الحجم.
الأهم من قصة النشأة هو بنية الحكم التي أنتجتها الثورة لاحقاً , تعتمد على نظام مزدوج المستوى، ورئيس منتخب يمكن انتقاده ومحاسبته شعبياً، وولي فقيه غير منتخب يملك السلطة الفعلية فوق الدستور والصندوق. هذا التصميم بالذات هو ما يفسر كيفية صمود نظام ديني أكثر من أربعة عقود رغم فشله اقتصاديا، وهجرة نخب علمية وتقنية هي الاكبر من نوعها في المنطقة، واحتجاجات متكررة (2009، 2019، 2022) قُمعت جميعها بعنف. وقد فصل النظام السلطة الحقيقية عن آلية المحاسبة الانتخابية تماماً، فحين يفشل الرئيس المنتخب يمكن تغييره، لكن من يملك القرار الفعلي محصّن من أي صندوق. وجزء كبير من العقوبات الدولية التي يُحمَّل الغرب مسؤوليتها الكاملة، هو في الواقع نتيجة مباشرة لسياسات النظام نفسه وليس الحكومة “البرنامج النووي، ودعم أذرع مسلحة إقليمية استنزفت موارد كان يمكن توجيهها للداخل”.
افغانستان
هنا يظهر النمط الأوضح بين الحالات الأربع. المجاهدون الأفغان دُعموا في الثمانينيات من الولايات المتحدة والسعودية، عبر قناة رئيسية هي الاستخبارات الباكستانية (ISI)، في حربهم ضد حكومة نجيب الله الشيوعية المدعومة سوفيتياً. لكن حين سقطت كابل عام 1992، لم يتفق المجاهدون على تقاسم الحكم، بل انزلقوا إلى حرب أهلية دموية بين فصائلهم -قصف حكمتيار المتكرر للعاصمة، صراع مسعود ورباني ضد خصومهم- دمّرت كابل بشكل يفوق أحياناً ما خلّفته سنوات الاحتلال السوفيتي. هذا الانهيار الداخلي تحديداً، لا عامل خارجي ابتدائي، هو ما دفع باكستان إلى دعم حركة ناشئة في قندهار تحت اسم طالبان بوصفها قوة “توحّد” وتؤمّن طرق التجارة، وهو ما لقي قبولاً أمريكياً حذراً في البداية لاعتبارات منها مشروع خط أنابيب مقترح عبر الأراضي الأفغانية، قبل أن ينقلب هذا القبول إلى عداء كامل بعد 1998 وإيواء تنظيم القاعدة.
حين عادت طالبان إلى الحكم عام 2021، حملت معها الدرس نفسه دون أن تستوعبه بالضرورة , تماسكها الداخلي النسبي (نتيجة تجانس عرقي وقَبَلي أكبر من غيرها) لم يمنع انهياراً اقتصادياً شبه كامل، وعزلة دولية خانقة، وحظراً على تعليم النساء أفقد البلاد نصف طاقتها البشرية دفعة واحدة، وتوقفاً شبه تام لمساعدات كانت تشكل عصب اقتصاد هش أصلاً.
العراق
بعد 2003، تشكّل نظام سياسي عراقي قائم على “المحاصصة” الطائفية والحزبية، وصلت فيه أحزاب إسلامية شيعية (الدعوة، المجلس الأعلى، وفصائل لاحقة) إلى مواقع القرار برعاية أمريكية مباشرة في مرحلة التأسيس، ثم بنفوذ إيراني متصاعد عبر فصائل مسلحة مرتبطة بالحرس الثوري. لكن الدليل الأقوى على أن المشكلة بنيوية لا طائفية هو ما جرى في البصرة , فالمدينة تقع فوق الجزء الأكبر من احتياطي النفط العراقي، ومحافظة موالية انتخابياً لهذه الأحزاب نفسها، شهدت عام 2018 احتجاجات واسعة بعد تسمم آلاف المواطنين بمياه ملوثة، وسط انقطاع كهرباء متكرر في قيظ صيف يتجاوز خمسين درجة. المفارقة أن الفشل لم يقع في مناطق الخصوم السياسيين، بل في القاعدة الانتخابية الأكثر ولاءً لهذه الأحزاب، وهو ما يكشف أن نظام توزيع المناصب حسب الولاء الحزبي لا حسب الكفاءة يضرّ حتى مؤيديه، قبل أن يضرّ خصومه. هذا بالضبط ما فجّر انتفاضة تشرين 2019، حين خرج شبان عراقيون “كثير منهم من العائلات نفسها التي صوّتت لهذه الأحزاب” يهتفون ضد الطبقة السياسية الإسلامية والعلمانية معاً.
مصر
تختلف التجربة المصرية عن الحالات السابقة في نقطة جوهرية , فسنة واحدة كانت كفيلة بالكشف عن فشلها .فقد فاز محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين، بأول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ مصر الحديث في يونيو 2012، في لحظة كانت البلاد فيها متعطشة لتجربة ديمقراطية حقيقية بعد سقوط حسني مبارك. لكن خلال أشهر معدودة، بدأت الشرعية الانتخابية بالتآكل بسرعة لافتة , ففي نوفمبر 2012 أصدر مرسي إعلاناً دستورياً منح نفسه بموجبه صلاحيات استثنائية حصّنت قراراته من أي طعن قضائي، في خطوة قرأتها قطاعات واسعة من المصريين بوصفها استئثاراً بالسلطة لا إدارة لها. توازى ذلك مع اتهامات متكررة لجهاز الرئاسة بما وُصف إعلامياً بـ”الأخونة” , بعد تعيين موالين للجماعة في مواقع المحافظين والإعلام الرسمي ومؤسسات الدولة، بصرف النظر عن خبرتهم الفعلية في إدارة هذه الملفات.
في الموازاة، تدهور الوضع الاقتصادي بسرعة, طوابير ممتدة أمام محطات الوقود، انقطاعات كهرباء متكررة، وتراجع حاد في احتياطي النقد الأجنبي والسياحة. وبحلول منتصف 2013، كانت حركة احتجاجية شعبية تحمل اسم “تمرد” قد جمعت توقيعات بالملايين تطالب بانتخابات مبكرة، لتنفجر في 30 يونيو 2013 بأحد أكبر التظاهرات في تاريخ مصر الحديث. في 3 يوليو تدخل الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي وأزاح مرسي من السلطة.
ما تضيفه الحالة المصرية إلى المقارنة هو نقيض ما أظهرته إيران تماماً , حيث حصّن النظام الإيراني نفسه من المحاسبة عبر فصل السلطة الفعلية عن الصندوق، لم تملك جماعة الإخوان في مصر أي حصانة بنيوية مماثلة , لا جيشاً موالياً بالكامل، ولا مؤسسة دينية موازية للدولة، ولا نظاماً دستورياً يحميها من انقلاب الرأي العام بهذه السرعة, فانهارت شرعيتها بالسرعة نفسها التي اكتسبتها بها. وهذا يطرح سؤالاً يستحق التوقف عنده :-
“هل يكمن الفشل في مضمون سياسات هذه الحركات أم في افتقارها للوقت والخبرة الكافيين لتصحيح مسارها قبل أن ينفد صبر من انتخبها؟”
الأرجح أن الإجابة مزيج من الاثنين , فالقرارات التي اتُّخذت في تلك الأشهر عجّلت بانهيار لم يكن حتمياً بالضرورة، لكنها لم تكن السبب الوحيد أيضاً في بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وبنيوية متراكمة منذ عقود.
سوريا
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تولى أحمد الشرع، قائد هيئة تحرير الشام، رئاسة مرحلة انتقالية، ووقّع في مارس 2025 إعلاناً دستورياً يحدد فترة انتقالية من خمس سنوات. وعلى عكس الحالات السابقة، لم تواجه هذه التجربة عزلة دولية بل انفتاحاً لافتاً , زيارات رسمية إلى السعودية وقطر وتركيا وفرنسا وروسيا، ولقاء وُصف بالتاريخي في واشنطن، وإلغاء قانون قيصر ورفع عقوبات أمريكية ودولية، وشطب هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب في عدة دول.
لكن هذا الانفتاح الخارجي لم يُترجم بعد إلى تحسّن داخلي ملموس. تقارير اقتصادية من مطلع 2026 تشير إلى أن نسبة الفقر في سوريا تجاوزت 90%، مع أزمة كهرباء تحولت من “خدمة عامة” إلى عبء جبائي، حيث بات مواطنون يدفعون فاتورة كهرباء قد تعادل راتباً شهرياً كاملاً، إضافة إلى فقدان الحكومة سيطرتها على مساحات واسعة من الجنوب السوري، واكتشاف قضايا فساد مالي داخل قطاعات حيوية كالنفط.
الحالة السورية وإن كانت لا تزال في بداياتها ومن المبكر الحكم النهائي عليها، تقدّم درساً مبكراً واضحاً وهي ان الشرعية الدولية والدعم الدبلوماسي شرط ضروري لكنه غير كافٍ، إذا لم تتغيّر آليات إدارة المؤسسات من الداخل.
عبر الحالات الخمس، يتكرر نمط واحد بصيغ مختلفة , تنظيم نشأ في ظروف قمع أو حرب أو عمل سري أو دعوي، جعلت الولاء والثقة الشخصية معياري البقاء لعقود قبل الوصول إلى السلطة. وحين ينتقل هذا التنظيم فجأة إلى إدارة دولة، يصطدم بحقيقة أن الدولة الحديثة لا تُدار بمنطق التعبئة والولاء، بل بمنطق الكفاءة والمحاسبة الدورية. إيران حلّت هذا التناقض بفصل السلطة الفعلية عن الصندوق بالكامل. العراق حلّه بتوزيع الغنائم بالتساوي بين الأحزاب المتنافسة على حساب الكفاءة. أفغانستان لم تحله أصلاً فانفجر حرباً أهلية قبل أن تفرضه طالبان بالقوة. مصر لم تُتح لها فرصة “حل” هذا التناقض أصلاً، إذ سقطت التجربة قبل أن تكتمل سنتها الأولى، لتذكّرنا بأن غياب الحصانة البنيوية يجعل الحساب أسرع وأقسى لا محالة. وسوريا لا تزال في لحظة الاختبار المبكر لهذا السؤال بالذات.
في نهاية المطاف، لا يقيس المواطن “في طهران أو كابل أو القاهرة أو البصرة أو دمشق”حكامه بمقدار التزامهم الرمزي بالمشروع الديني، بل بما يصله فعلياً من كهرباء ودواء وفرصة عمل وكرامة. وطالما بقيت الفجوة بين هذين المنطقين”منطق الدعوة ومنطق الدولة” فستظل هذه التجارب عالقة , وسيظل السؤال نفسه يتكرر :-
هل يستطيع الاسلام السياسي أن يبني دول، أم أنه لا يزال لا يجيد سوى بناء تنظيمات قوية؟