الحزب الشيوعي العراقي: من شرعية النضال إلى امتحان السياسة

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

هل يمكن أن يكون حزبٌ ناجحاً في المجتمع، لكنه متعثر في السياسة؟ وهل تكفي التضحيات الكبيرة والتاريخ النضالي الطويل لكي يعفي حزباً سياسياً من مراجعة أخطائه؟
أطرح هذين السؤالين وأنا أتناول تجربة الحزب الشيوعي العراقي، لا من موقع الخصومة معه، ولا بقصد الانتقاص من تاريخه، وإنما من موقع من يرى أن احترام التاريخ لا يعني تقديسه، وأن الوفاء لتضحيات المناضلين يقتضي أيضاً امتلاك شجاعة النقد والمراجعة.
لا يمكن إنكار أن الحزب الشيوعي العراقي ترك أثراً عميقاً في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية العراقية. فقد ارتبط اسمه بالدفاع عن العمال والفلاحين والفئات الفقيرة والمهمشة، وبمقاومة الاستبداد والدفاع عن الحريات والعدالة الاجتماعية. كما دفع أعضاؤه وأنصاره ثمناً باهظاً من السجون والمطاردات والإعدامات والنفي.
لكن التاريخ السياسي لا يقاس بالتضحيات وحدها؛ بل يقاس أيضاً بقدرة القوى السياسية على قراءة الواقع، واختيار التحالفات، وتقدير موازين القوى، وتحويل الرصيد الجماهيري والفكري إلى مشروع سياسي قادر على التأثير. ومن هذه الزاوية تبدأ الأسئلة الصعبة.

الجبهة الوطنية… درسٌ لم يُقرأ مبكراً
تعد تجربة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في سبعينيات القرن الماضي واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ الحزب. فقد دخل الحزب في تحالف مع حزب البعث، في وقت كان النظام فيه يرسخ سلطته ويعيد بناء أدواته الأمنية والسياسية.
لم يكن الخطأ في فكرة التحالف السياسي بحد ذاتها، فالتحالفات جزء من العمل السياسي، وإنما في سوء تقدير طبيعة الطرف الآخر وقدرته على تحويل التحالف إلى أداة لتصفية خصومه وحلفائه معاً. وما إن تغيرت موازين القوى حتى انقلبت العلاقة إلى حملة قمع واسعة ضد الشيوعيين، فتعرض كثير منهم للاعتقال والإعدام والمطاردة، واضطر الحزب إلى العمل السري والمسلح.
هنا لا بد من طرح السؤال بوضوح: هل كان ممكناً قراءة طبيعة النظام البعثي بصورة أكثر واقعية قبل الدخول في تلك التجربة؟ وهل كان ينبغي أن تكون هناك ضمانات سياسية وتنظيمية أقوى تمنع تحول التحالف إلى فخ سياسي؟ هذه الأسئلة ليست محاكمة للتاريخ، وإنما محاولة لاستخلاص دروسه.
بعد 2003… المشكلة لم تعد في النظام السابق فقط
جاء عام 2003 حاملاً فرصة تاريخية للقوى الديمقراطية واليسارية والمدنية العراقية. فقد سقط نظام استبدادي طالما عانى الحزب الشيوعي منه، وبدأت مرحلة سياسية جديدة. لكن النظام الجديد سرعان ما تأسس على المحاصصة الطائفية والقومية، وتعدد مراكز النفوذ، وانتشار الفساد، وضعف مؤسسات الدولة، وتنامي نفوذ القوى المسلحة. وفي هذه المرحلة دخل الحزب، شأنه شأن قوى سياسية أخرى، في تحالفات ومشاركات سياسية أثارت جدلاً واسعاً بين أنصاره وخصومه.
وهنا تبرز مشكلة أساسية: هل كان دخول العملية السياسية كافياً، إذا لم يمتلك الحزب القدرة على تغيير قواعدها؟ فالمشاركة السياسية لا تصبح إنجازاً بمجرد الحصول على موقع أو مقعد. الإنجاز الحقيقي هو أن تستطيع القوى المشاركة تعديل ميزان القوى باتجاه الدولة المدنية، والقانون، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية.

الرصيد الاجتماعي الكبير… والنتيجة السياسية المحدودة
ربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الحزب امتلك، على مدى عقود، رصيداً اجتماعياً وثقافياً وأخلاقياً مهماً، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل هذا الرصيد إلى قوة سياسية واسعة ومؤثرة. لقد استطاع الشيوعيون الوصول إلى قطاعات واسعة من العمال والمثقفين والطلبة والفقراء، وتركوا أثراً في الوعي العراقي يتجاوز أعداد أعضاء الحزب ومؤيديه.
فالمجتمع العراقي تغير، والطبقات الاجتماعية تغيرت، وظهرت أجيال جديدة لا تحمل ذاكرة الصراعات القديمة بالقدر نفسه. ولم تعد الشعارات التقليدية قادرة وحدها على استقطاب الشباب الذين يبحثون عن حلول للبطالة، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والبيئة، والحريات، والسيادة، وبناء الدولة. ومن هنا فإن الحزب يحتاج إلى تجديد خطابه وأدواته التنظيمية والسياسية، لا الاكتفاء باستعادة أمجاد الماضي.
من أخطر ما يمكن أن يصيب أي حزب سياسي أن يتحول تاريخه إلى حصانة تمنع النقد. فالشهداء لا يمنحون القيادات حصانة سياسية، والسجون والمعتقلات لا تجعل كل قرار صحيحاً، والتضحيات لا تعني أن كل تحالف كان صائباً. بل العكس تماماً.إن الحزب الذي دفع ثمناً كبيراً من دماء أعضائه ومناضليه ينبغي أن يكون أكثر حرصاً على مراجعة القرارات التي قادته إلى تلك الخسائر. والحزب الذي يرفع راية النقد الاجتماعي والسياسي لا ينبغي أن يخشى النقد الداخلي، ولا أن يتعامل مع المراجعة باعتبارها عداءً أو خروجاً على التاريخ. فالنقد ليس خيانة للحزب، بل يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الوفاء له.

ليس المطلوب اليوم إدانة الحزب الشيوعي العراقي أو محو تاريخه.
فهذا أمر لا يستطيع أحد فعله، لأن التاريخ ملك للمجتمع وليس للأحزاب وحدها.المطلوب هو مراجعة التجربة بعيون عراقية جديدة، بعيداً عن التقديس الأيديولوجي، وعن الارتهان للمحاور الخارجية، وعن لغة الماضي التي لم تعد كافية للإجابة عن أسئلة الحاضر.
العراق بحاجة إلى حزب يساري وطني حديث، يضع العراق أولاً، ويؤمن بالدولة المدنية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويدافع عن حقوق الفقراء والكادحين، لكنه في الوقت نفسه يمتلك رؤية واقعية للاقتصاد والدولة والعلاقات الدولية، ويضع مصلحة العراق فوق أي ارتباط أيديولوجي أو إقليمي. فالمشكلة ليست في أن يكون الحزب شيوعياً أو يسارياً؛ المشكلة أن يبقى أسير قوالب سياسية لم تعد قادرة على التعامل مع واقع جديد.
لقد نجح الحزب الشيوعي العراقي، بلا شك، في جوانب مهمة من معركته الاجتماعية والثقافية، وترك إرثاً لا يمكن تجاهله في تاريخ العراق الحديث. لكنه أخفق في محطات سياسية حاسمة في قراءة الواقع، واختيار بعض التحالفات، وتحويل رصيده الاجتماعي إلى قوة سياسية قادرة على إحداث التحول الذي كان يطمح إليه.
ولهذا فإن العبارة التي تختصر تجربته ربما تكون:نجاحٌ في الوعي الاجتماعي، وتعثّرٌ في تحويل ذلك الوعي إلى مشروع سياسي قادر على الحكم والتغيير. لكن المستقبل لم يغلق بعد. فالسياسة ليست متحفاً للتاريخ، والحزب الذي يريد أن يعيش في المستقبل عليه أن يمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائه، كما امتلك في الماضي شجاعة مواجهة خصومه.
ليس أعظم من تاريخ الحزب إلا قدرته على نقد ذلك التاريخ، وليس أوفى للشهداء من بناء عراقٍ لا تذهب تضحياتهم فيه سدى. ومع كل ما يمكن تسجيله من ملاحظات نقدية على مسيرة الحزب، فإن إنجازاته الوطنية والاجتماعية لا يمكن القفز عليها أو التقليل من شأنها. فقد كان من أوائل القوى السياسية العراقية التي رفعت مطالب العدالة الاجتماعية وحقوق العمال والفلاحين والمرأة والطبقات الفقيرة، وأسهم في نشر الثقافة السياسية والوعي الطبقي والمدني بين قطاعات واسعة من المجتمع. كما كان للحزب حضور بارز في الحركة الوطنية ومقاومة الاستبداد والدفاع عن الحريات والديمقراطية، وشارك أعضاؤه في النضالات والاحتجاجات والإضرابات والحركة الطلابية والنقابية، ودفع آلاف الشيوعيين ثمناً باهظاً من حريتهم وحياتهم بسبب مواقفهم السياسية. وفي المجال الثقافي والفكري، أسهم الشيوعيون العراقيون في رفد الصحافة والأدب والفن والفكر بأسماء وتجارب تركت أثراً واضحاً في الذاكرة العراقية. كما أن مشاركة الحزب في وثبة كانون 1948، وانتفاضة 1952، وثورة 14 تموز 1958 وغيرها من محطات الحركة الوطنية جعلته جزءاً مهماً من تاريخ المعارضة والنضال السياسي في العراق. ولذلك فإن نقد أخطاء الحزب لا يعني إنكار منجزاته، بل يعني وضع التجربة كلها على طاولة التاريخ: ما لها من إنجازات، وما عليها من أخطاء، وما يمكن استخلاصه من دروس للمستقبل.

قد يعجبك ايضا