التاريخ البشري وتاريخ الحضارات غالبا ما كتب بدماء الصراعات، وبدوائر متكررة من الدمار والخراب. يمكن إرجاع الدوافع والأسباب الحقيقية للحروب البشرية إلى عدة محاور رئيسة تتداخل فيها العوامل النفسية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية عبر العصور، من بينها الصراع على الموارد الاقتصادية وتوسيع مساحات الدول وتأثير الأيديولوجيا والدين، وغير ذلك من الأسباب.
ويعد الاقتصاد الشعلة الأولى لمعظم الحروب عبر التاريخ وتمثل ذلك في السعي للسيطرة على الأراضي الزراعية الخصبة، ومصادر المياه العذبة، الطرق التجاريّة الاستراتيجية، ومناجم الثروات الطبيعية كالحديد والمعادن قديما، والنفط ومصادر الطاقة حديثا. ومع تزايد أعداد السكان في رقعة جغرافية محدودة، تبرز نزعاتالتوسع والسيطرة على أراضي ومواردالمجتمعات المجاورة تحت أوهام ضمان البقاء والازدهار.
ومن أسباب الحروب السلطة و العوامل الجيوسياسية وما يتعلق بالهيمنة والنفوذوتوسيع الإمبراطوريات، اذ سعى القادة والدول تاريخيا لفرض سيادتهم السياسية وتوسيع حدودهم الجغرافية لزيادة “هيبتهم“ ومكانتهم الدولية. وعند الشعور ان قوة صاعدة تهدد هيمنة قوة قائمة، أو عندما تحاول الدول منع دولة واحدة من السيطرة المطلقة على منطقة معينة، تنشأ الحروب الكبرى لاستعادة التوازن أو فرضه.
ومن عوامل الحروب الأيديولوجيا، والدين، و ما يسمى الهويات القاتلة، بتوظيف الأفكار، والمعتقدات الدينية، أو المذاهب السياسية لتعبئة الجماهير، وغالبا ما يصور العدو في هذه الحروب على أنه “خطر وجودي” أو “شر مطلق”، مما يسهل عملية تسويغ القتال وإراقة الدماء. وهناك الانتماء القبلي، القومي أو العرقي المتعصب الذي يغذي شعور التفوق والاستعلاء على “الآخر”، مما يجعل التصادم أمرا حتمياعند تقاطع المصالح.
في كثير من الأحيان، لا تنشأ الحرب عن رغبة عدوانية بحتة، بل عن “معضلة الأمن”؛ حيث تقوم الدولة (أو القبيلة قديما) بتعزيز قدراتها العسكرية دفاعيا، مما يفسر من قبل الطرف الآخر على أنه إعداد للهجوم، فيبادر بدوره بالتسلح أو الهجوم الاستباقي، وتشتعل الحرب نتيجة الخوف المتبادل وسوء التقدير.
وتدخل عوامل الجشع والنزعات السيكولوجية الفردية كسبب لاندلاع الحرب، فأحيانا يكون دافع الحرب مرتبطا بسيكولوجية الزعماء أو الحكام أنفسهم؛ فرغبة الطغاة أو القادة النرجسيين في المجد الشخصي وتخليد أسمائهم في التاريخ قد تقود الملايين إلى التهلكة من دون اكتراث بثمن الدم البشري.
أي ان الحروب ليست قدرا بيولوجيا حتميا، بل هي نتاج فشل الأنظمة البشرية في إدارة الاختلافات، وتوزيع الثروات بعدالة، وبناء آليات سلمية لحل النزاعات. إنها دائما انعكاس لجشع يعمي البصيرة، أو خوف يسوغ العنف، أو صراع على “المكانة والموارد” في عالم وجدت فيه الرغبات بلا حدود والموارد محدودة.
وتاريخ الحروب مليء بالثنائيات ما بين الأسباب المعلنة التي تسوق لتعبئة الشعوب، والدوافع الخفية الحقيقية المرتبطة بالمصالح والنفوذ.
حروب البيلوبونيز (التاريخ القديم 404 – 431 ق.م) بين أثينا وحلفائها والاتحاد البيلوبونيزي (إسبرطة وحلفائها)، كانت الأسباب المعلنة حماية الحلفاء، الدفاع عن حرية المدن اليونانية، وردع التهديد الخارجي. أسبابها المخفية “الحقيقية“صراع الهيمنة الجيوسياسية بين إمبراطورية أثينا البحرية وتحالف إسبرطة البري على زعامة العالم اليوناني. التأثير على الشعوب: دمار شامل، مجاعات وأوبئة اجتاحت أثينا (مثل طاعون أثينا)، انهيار الاقتصاد اليوناني، وتراجع الحضارة الهيلينية لصالح قوى خارجية لاحقا.
الحملات الصليبية (العصور الوسطى – 1096م) الأسباب المعلنة “تحرير الأراضي المقدسة” وقبر المسيح من المسلمين، وحماية الحجاج المسيحيين، الأسباب الحقيقية المخفية السيطرة على طرق التجارة الشرقية، تخفيف الضغط السكاني والاجتماعي في أوروبا، وطموحات الأمراء والأباطرة في تأسيس إمبراطوريات وثروات جديدة، نتائج الحرب مجازر بشرية هائلة في الشرق والغرب، تدمير المدن الساحلية والداخلية، تشريد ملايين السكان، وخلق حالة كراهية مستدامة بين الشرق والغرب.
الحرب العالمية الأولى (العصر الحديث – 1914م) السبب المعلن الثأر لاغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند، وحماية المعاهدات والتحالفات الدولية، السبب الحقيقي المخفيإعادة تقسيم مستعمرات العالم وثرواته بين الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، والسيطرة على خطوط النفط وسكك الحديد (مثل خط برلين-بغداد). نتيجة الحرب سقوط ملايين القتلى في خنادق القتال، تفشي الأمراض، انهيار أربع إمبراطوريات كبرى (العثمانية، الروسية، النمساوية المجرية، والألمانية)، ورسم حدود جديدة مزقت المجتمعات المحلية.
غزو العراق (العصر المعاصر – 2003م)، الاسبابالمعلنة القضاء على أسلحة الدمار الشامل العراقية، نشر الديمقراطية، وتحرير الشعب العراقي من النظام. الأسباب المخفية السيطرة على احتياطات النفط الهائلة، إعادة هندسة الخريطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط، وتأمين مصالح النفوذ الأمريكي والإسرائيلي الاستراتيجية. النتيجة مقتل مئات الآلاف من المدنيين، تدمير البنية التحتية بالكامل، ظهور الانقسامات الطائفية والمجتمعية الحادة، وتشريد الملايين داخليا وخارجيا.
تثبت هذه النماذج أن الأسباب المعلنة غالبا ما تصاغ بعناية لإثارة المشاعر الوطنية أو الدينية، فيما تظل الأسباب الخفية محصورة في صراع المال، النفوذ، والسيطرة الجيوسياسية، ليكون الثمن الأبدي مدفوعا دائما من دماء وأمن الشعوب البريئة في ساحات القتال.
الشعوب تدفع الثمن
الحرب ليست حدثا عسكريا فقط، بل عملية تدمير تمتد آثارها المباشرة إلى البشر أنفسهم: أجساد، أسرى، مجتمعات، وذاكرة. ولطالما شملتالتأثيرات المباشرة المشتركة عبر معظم الحقبقتلى وجرحى ومعاقون وأسرى ومفقودون، ترمل ويتم، انخفاض الزواج والمواليد، اختلال نسبة الجنسين، تهجير قسري ولجوء، وأحيانا إبادة جماعية أو تطهير عرقي.
وانتجت الحروب مجاعات بسبب الحصار وتدمير الزراعة، أوبئة تنتقل مع الجيوش واللاجئين كالطاعون والكوليرا والتيفوس، انهيار المستشفيات والمياه والصرف، سوء تغذية، وأمراض نفسية مثل الصدمة والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. وفضلا عن ذلك تشمل نتائج الحرب التأثيرات الاقتصادية والاجتماعيةبتدمير المنازل والمدارس والمصانع والطرق، فقر وبطالة، عمالة أطفال، تجنيد قسري، تفكك أسر، عنف أسري، وتغير أدوار المرأة أحيانا اضطرارا.وتدمير مدن ومتاحف ومكتبات، محو تراث ولغات، تهجير يغير التركيبة السكانية والهوية الجماعية. وتأثيرات بيئية تتعلق بانتشار ألغام وذخائر غير منفجرة، تلوث تربة ومياه، مواد كيميائية، إزالة غابات، ونفايات حربية.
في العصور القديمة مثل حروب الإمبراطوريات كآشور وروما وقرطاج؛ ولدت مدن محترقة ومزالة، وسبي وعبودية للناس الابرياء، ومجاعات وأوبئة. صحيح ان الجيوش كانت أصغر لكن العنف ضد المدنيين كان شديدا.
في العصور الوسطى كانت تجري الحروب بفرض حصار والقيام بعمليات نهب ومذابح، وحروب دينية، من ذلك الحملات الصليبية والغزو المغولي، و اقترنت الحروب بانتشار الامراض المهلكة مثل الطاعون الأسود الذي كان أحدالعوامل الرئيسة لانتشاره اختلاط الجيوش في المعارك. وفي العصر الحديث المبكر بعد اكتشاف البارود ونشوء الاستعمار وتجارة العبيد عبر الأطلسي، تسببت حرب الثلاثين عاما في دمارأوروبا الوسطى، ومجاعات وأوبئة فتكت بالسكان.
وبعد الثورة الصناعية لم يتخلص الناس من الحروب فاندلعت الحربان العالميتان وتسببتا فيتعبئة ملايين الشباب لخوض حرب خنادق، ومواجهة الغازات السامة، و قصف مدن، والمحارق واستعمال قنبلتين نوويتين، وفي هذا الخضم فان الحرب العالمية الثانية وحدها خلفت عشرات الملايين بين قتيل وجريح ومشرد، وأعادت رسم الخرائط والهويات. ثم جاءت الحرب الباردةالتي انتجت حروبا بالوكالة وانقلابات وتدخلات، وسباقا نوويا، وتكاثرت اعداد اللاجئين، وتسببت في دمار بيئي، ومخلفات حرب كالألغام.
ولم نسلم في الحقبة المعاصرة من النتائج الكارثية للحروب فظهرت بشكل حروب داخلية وتدخلات، وحصار وتجويع، وقصف مدن، ونزوح جماعي، وأزمات إنسانية، وتأثير نفسي ورقمي على الأطفال والشباب، ومثلما كان في الماضي،المدنيون غالبا هم الضحية الأولى.
ونادرا ما هددت الحروب وجود الإنسان بيولوجيا، لكنها شكلت ديموغرافيا الكوكب عبر الهجرات والاختلاط وفقدان جماعات بشرية. في العصر النووي والبيولوجي، صار ممكنا تهديد وجودي واسع. كما أن الحروب سرعت أحيانا تكنولوجيا وفرضت حقوقا، لكن الثمن البشري كان فادحا. لقد كان القاسم المشترك بين كل الحقب هو أن المدنيين، وبخاصة النساء والأطفال والفقراء، يدفعون الثمن الأكبر. فقد كانت الآثار المباشرة فورية: موت، جرح، جوع، مرض، تهجير، وتدمير. لكنها تمتد لأجيال عبر الفقر والصدمة وفقدان التعليم والهوية. لذلك فإن حماية المدنيين، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، والصحة النفسية، والتعليم، هي شروط أساسية لمنع تكرار هذه المآسي.
ان منع الحروب ليس شعارا مثاليا، بل ضرورة وجودية، خاصة في عصر الأسلحة النووية والبيولوجية. والوقاية أرخص بكثير من العلاج: فكل دولار ينفق على الإنذار المبكر والوساطة والتنمية قد يوفر مئات الأضعاف من كلفة الحرب من أرواح وممتلكات ونفسيات. لكن المنع بحاجة الى منظومة متكاملة، لا وصفة واحدة.
فالمنع قبل الانفجار يتمثل في مراقبة مؤشرات الخطر مثل تكديس الأسلحة، وانتشار خطاب الكراهية الديني او الطائفي او القومي، وتهميش الجماعات، وحدوث انتخابات متنازع عليها او مزوره لا تمثل اغلبية الناس، وانهيار اقتصادي، وجفاف أو نزاع على موارد، ونزوح مفاجئ. كما يمكن درء الحرب بالدبلوماسية الوقائية مثل المساعي الحميدة، والمبعوثون ألامميون، ووساطات، ولجان تحقيق، ونشر مراقبين، و انشاء خطوط ساخنة بين القادة العسكريين،وبناء الثقة بتنظيم اتفاقيات وقف إطلاق نار، والشفافية العسكرية، وتبادل المعلومات، وإقامةمناطق منزوعة السلاح، واجراء تدريبات مشتركة، وإقامة معاهدات عدم اعتداء.
معالجة الأسباب الجذرية للحروب
لا تنتهي أسباب ودوافع الحروب الا بمعالجة الأسباب الجذرية، فالحرب غالبا ابنة الظلم والفقر والتهميش. لذا من الضروري، اجراء تنمية اقتصادية شاملة، وفرص عمل للشباب وعدالةاجتماعية وتوزيع عادل للموارد والمياه والأراضي.
كما يجب تحقيق تمثيل سياسي حقيقي للأقليات والمناطق المهمشة، وإدارة موارد طبيعية عابرة للحدود، ومواجهة آثار تغير المناخ، ومصالحة مع إرث تاريخي مؤلم، من دون محو الذاكرة أو تزييفها. وفي طليعة إجراءات الحد من الحروب اقامة الحكم الرشيد وسيادة القانونوانشاء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، ومحاسبة الفاسدين، وبناء جيش وأجهزة أمن تحت سلطة مدنية، لا تحكم نفسها، وانتخاباتحقيقية نزيهة، وحرية تعبير مسؤولة، وحماية حقوق الإنسان، وتأسيس دستور يوزع السلطة، أو حكم محلي وفيدرالي عند الحاجة.
ويتوجب نزع السلاح وضبط التسلح، بمعاهدات منع الانتشار النووي والكيميائي والبيولوجيوإقامة مناطق خالية من الأسلحة، وتقليل الإنفاق العسكري، وشفافية تجارة السلاح، ومنع تدفق الأسلحة إلى الجماعات المسلحة.
ويجب الحذر من سباق التسلح؛ فالردع قد يمنع حربا لكنه يغذي حربا مقبلة. و يتوجب اجراء الوساطة والحوار في الازمات بوسطاء موثوقينمن دول، ومنظمات إقليمية، وزعماء دينيون، وشخصيات محلية. وكذلك انشاء مفاوضاتمتعددة المسارات، رسمية وشعبية واقتصادية وثقافية، وإشراك النساء والشباب؛ فاستبعادهم يجعل السلام هشا.
يجب لمنع مخاطر الحروب اللجوء الى القانون الدولي والمؤسسات مثل ميثاق الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والجمعية العامة، محكمة العدل الدولية، و المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى، وتنفيذ اتفاقيات جنيف لحماية المدنيين والأسرى، و عقوبات ذكية تستهدف القادة لا الشعوب. ان النقاش بشأن«المسؤولية عن الحماية» يبقى محل جدل؛ والأفضل دائما المنع قبل الاحتراق.
كما يمكن الاستعانة بالآليات الإقليمية لمعالجة المشكلات ومن ذلك منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، آسيان، إيكواس، الجامعة العربية، الاتحاد الأفريقي، منظمة التعاون الإسلامي، قوات فصل ومراقبة، آليات إنذار مبكر إقليمية، دبلوماسية وقائية قريبة من الميدان. واللجوء الى المجتمع المدني والتعليم والإعلام وتعليم السلام والتسامح والتفكير النقدي وإعلام مهني، ومكافحة خطاب الكراهية والأخبار الزائفة، وتفعيل النشاطات النسوية وبرامج للشباب، ورياضة وفنون تجمع المتنازعين. وعمل دور العبادة على نشر ثقافة الحوار بدلا من الخطابات التحريضية وخطابات كراهية الآخر.
اما في حالات وقوع الحرب فيجب أولا وقف إطلاق النار، ونزع السلاح وتسريح وإعادة الدمجفي الحياة المدنية، وتحقيق عدالة انتقالية، وتعويضات، وإعادة إعمار، ومصالحة، ومعالجةالصدمة النفسية، وإعادة فتح المدارس والمستشفيات، وانشاء ذاكرة جماعية مسؤولة لا تحرض على الثأر والانتقام.
اما دور الانسان الفرد فيكون برفض التحريض والكراهية، والتسامح والتفكير النقدي، والتطوعفي منظمات السلام وحقوق الإنسان و مراقبة السلطة والمطالبة بالشفافية.
وهناك معوقات لم تزل تفرض نفسها في اشعال الحروب وادامتها مع الأسف تتمثل في سوء استغلال المصالح الاقتصادية والعسكرية، وحق النقض في مجلس الأمن، وسباق التسلح، وتجارة السلاح، والقومية المتطرفة والتدين السياسي، والإعلام المضلل، وضعف الإرادة السياسية. لذلك الوقاية بحاجة الى مؤسسات وميزانيات وقرارات، لا نوايا طيبة فقط.
الخلاصة، درء الحروب يبدأ من العدل و تلبية حقوق السكان و الكرامة والتعليم، ويمر بالدبلوماسية والوساطة ونزع السلاح، وينتهي بمصالحة حقيقية، لتجنب التأثيرات المميتة للحرب مثل القتل، والتشريد، و المجاعة، والأوبئة، والصدمة، وضياع الأجيال، و لا يعالج ذلك إلا بمنع الحرب قبل وقوعها؛ والسلام ليس غياب الحرب فقط، بل بناء يومي للعدل والثقة والأمل.