حاوره: جـلال مشـروك.
«رماد الزفاف» دراما إنسانية تعيد الاعتبار لضحايا الـعتمة وصمود الذاكرة..
بين محراب التّربية والتّعليم الذي تَفتحت فِيه عقول الأجيال لعقود، وريشة الفن التشكيلي التي تقتنص جماليات الضوء من رحم العتمة، يخطّ المربي والأديب إبراهيم دالي مساراً إبداعياً فريداً يلامس عمق الروح والذاكرة الجزائرية.
من مساقط جبال “أغبولة” وبني ورثيلان بسطيف، حيث تتداخل عراقة التاريخ وصلابة الإنسان، ينطلق الأستاذ دالي ليقدم للمكتبة أول مولود روائي له؛ «رماد الزفاف: وشم من زمن الخوف»؛ عمل سردي لا يقتصر على توثيق مأساة تسعينيات القرن الماضي فحسب، بل يغوص بشجاعة في تفكيك الصدمة النفسية والاجتماعية، محولاً ندوب الانكسار إلى نيشان فخر وصمود.
المخاض الإبداعي يكتشف كيف تتشابك خيوط التربية، والصحافة، والفن، والتاريخ، لصياغة أدب ينتصر للحياة ويهزم النسيان. سبرنا أغوار النص وخلفياته.
* كيف يعرف الأستاذ إبراهيم دالي بنفسه؟
– إبراهيم دالي مربٍّ ومدير متوسطة بمدينة سطيف، من مواليد 23 مارس 1968 ببني ورثيلان. تلقيتُ تعليمي الابتدائي خلال سبعينيات القرن الماضي بمنطقة “أغبولة” (مسقط رأسي) ببلدية عين لقراج، ثم واصلتُ المرحلة المتوسطة ببني ورثيلان، والمرحلة الثانوية بمدينة بوقاعة، لألتحق بعدها بالمعهد التكنولوجي لتكوين الأساتذة بسطيف. أما على الصعيد الأكاديمي، درستُ تَخصص اللّغة العربية وآدابها لمدة ثلاث سنوات، كما تحصلتُ على شهادة جامعية في قانون الأعمال.
بخصوص إصداراتي الأدبية، تُعدّ رواية «رماد الزفاف: وشم من زمن الخوف» أول مولود روائي لي، بالإضافة إلى مشاركتي بنص سردي ينتمي “لأدب الرحلات والفواجع” ضمن كتاب جماعي بعنوان «كتاب النار» يتناول الحرائق الأخيرة والهبة التضامنية للشعب، وينتظر صدوره خلال شهر أكتوبر القادم عن دار خيال للنشر والترجمة.
* كيف ولجتم عالم التدريس والتعليم؟
– كان التّعليم بالنّسبة لي حلماً منذ كنت صغيراً، وولجت هذا العالم عن حب وقناعة. في البداية وُظِّفْتُ في إطار الاستخلاف عام 1989، ما مهّد لي الطريق للنجاح في مسابقة الأساتذة عام 1990، وتلقيت تكويناً إقامياً في معهد الغسيري لمدة عامين، بعده تم تعييني فِي متوسطة الفضيل الورثيلاني ببني ورثيلان أستاذاً لمادة اللّغة العربية إلى أن تمت ترقيتي لمنصب مدير متوسطة عام 2012.
* كيف ساهمت بيئتك في جعلك اليوم أستاذاً ذاع صيته؟
– صحيح أن المثل يقول: “الإنسان ابن بيئته”، لكنه أيضاً ابن إرادته وتحدياته. إذا كانت البيئة الاجتماعية والثقافية في بداياتي لم توفر لي كافة الإمكانيات والامتيازات التي تيسّر صقل الموهبة، فإن هذا الفقد تحديداً لم يكن عائقاً، بل كان مُحفّزاً أكبر للتحدي والاعتماد على الذات.
لقد صنعت من قلة الموارد دافعاً قوياً للتّعلم وتطوير قدراتي؛ فرسّخت قدمي في ميدان دراسة اللّغة وآدابها حتى اعتليت صهوة التّدريس والإدارة التربوية، واستمسكت بالفن التشكيلي والريشة كفضاء حرّ أُطوّر وأهذّب فيه قدرتي على رؤية الجمال، ونقد اللوحة، وتذوّق التباين البصري بين الضوء والظل.
بيئتي لم تمنحني الجاهز، لكنها منحتني الصلابة والقيم الأخلاقية وإرث الكرامة.. ومن رحم تلك البدايات البسيطة وُلد الإصرار على ترك أثرٍ علمي وفني يُقتدى به.
* وهل تخصصك في اللغة العربية غيّر من شخصيتك وحياتك وكذا محيطك؟
– تخصصي في اللّغة العربية لم يكن وليد الصدفة، بل كان امتداداً لشغف مبكر وتفوق ملحوظ منذ مقاعد الدراسة في المتوسطة، حيث كان أساتذتي يُبدون إعجابهم الدائم بمواضيع التّعبير والإنشاء التي أحررها، وكان لشهاداتهم وتشجيعهم أكبر الأثر فِي اندفاعي لنحت أسلوبي وتطوير لغتي. ولم أكتفِ يوماً بالمقررات المدرسية، بل كان للتكوين الذاتي والمُطالعة الشغوفة الفضل الأول في إتقاني للغة العربية نطْقاً وكتابةً.
أما عن أثرها في شخصيتي ومحيطي: فاللّغة ليست مُجرد أداة للتّواصل، بل هي وعاء فكري ومنهج حياة؛ فقد منحتني الرصانة فِي التفكير، والدقة في التّعبير، والعمق فِي تَحليل المشاعر والنُصوص. انعكس ذلك على شخصيتي بالهدوء والانضباط، وعلى مساري المهني والتّربوي بالقدرة على التأثير الإيجابي في الأجيال المتعاقبة، حتى أضحت اللّغة هي الفرشاة التي أصوغ من خلالها أدبي وفني.
* أصدرتم مؤلَّفاً تحت عنوان “رماد الزفاف، وشم من زمن الخوف”، حدّثنا عنه؟
– بادئ ذي بدء، لابد من التنويه إلى أن “رماد الزفاف” هي دراما إنسانية استغرق مخاضها الأدبي سنوات طويلة من التأمل والمراجعة.. حيث باشرتُ كتابة مرحلتها الأولى منذ سنة 2011، ثم توقفتُ لسنوات لأعود إليها بين الحين والآخر أُنقّح وأُشَرّح وأُضيف.. وظلّت فكرتها تتخمر في وجداني إلى أن تفرّغتُ لها كلياً في شهورها الأخيرة، فعدتُ إلى صياغتها وترتيب أفكارها وصقل لغتها صباح مساء من شهر أفريل إلى أن اكتملت في جويلية 2026 لتخرج بالنضج الذي أردته لها.
تدور أحداثها في تسعينات القرن الماضي، في إحدى القرى الجبلية المعزولة المحاصرة بالخوف. تبدأ القصة بفتاة اسمها “شريفة” تُزفّ إلى بيت الزوجية في ليلة يُفترض أن تكون بداية فرح وأملٍ جديد، لكن هجوماً إرهابياً مفاجئاً يحيل بياض زفافها إلى رماد.. حيث تختطف وتقتاد بعيداً لتجد نفسها في مغارة بالجبل تواجه وحوشاً آدمية، قاموا بسبها وانتزعوا منها كرامتها وإنسانيتها تحت غطاء فتاوى دينية مشوّهة، والدين منها بريء، فزرعوا في أرضها بذرة خبيثة رغماً عنها لتغدو وشماً شاهداً على زمن الخوف والغدر.
الرواية تُتابع رحلة شريفة ليس فقط في معركتها القاسية للنجاة من “جماعة الجبل” وسط ظروف مزرية، بل في معركتها الثانية.. فقد فرّت مِن إرهاب الجبل لتُواجه إرهاب مجتمع جريح وقاسٍ يلاحقها بنظرات استهجان وسخرية دون التّمييز بين الجلاد والضحية.
هي قصة عن الشرف والكرامة، عن الخوف والمقاومة، الأمومة والهوية، والذاكرة التي تَرفض المحو، وعن كيفية تحوّل “وشم الخوف والانكسار” إلى “نيشان فخر وصمود وانتصار”.. عن امرأة قوية زرعت في عرين الألم بذرة أمل صارت فيما بعد درعاً واقياً للوطن، وحارساً أميناً لحدوده الرقمية. لكن يبقى السؤال الجوهري للرواية مَفتوحاً: هل تستطيع النجاحات أن تمحو ندوب الماضي؟ هنا نترك القارئ يجيب عنه.
* العنوان وحده يحمل تقابلاً درامياً هائلاً بين فرح “الزفاف” وعتمة “الرماد والخوف”. كيف وظّفت هذه المفارقة النفسية والاجتماعية لبطلة وجدت بياض زفافها يتحول إلى ليل طويل ومواجهة قاسية مع إرهاب الجبل والمجتمع؟
– العنوان هو جوهر الصراع في الرواية. فالزفاف رمزٌ للحياة والأمل، والرماد أثرٌ للحريق والمأساة. وظّفتُ هذه المفارقة لنقل البطلة مِن لحظة البياض المفترض “الزفاف” إلى دوامة صدمة نَفسية واجتماعية مركّبة؛ فهي لم تواجه إرهاب الجبل الذي سلبها أمنها وكرامتها فحسب، بل واجهت أيضاً قسوة المُجتمع ونظرات أفراده الاستهجانية التِي تُحمّل الضحية وزر الفاجعة.
الرواية هي رحلة تحوّل هذه المرأة من ضحية يطاردها الخوف، إلى امرأة ترفض الانكسار وتصنع من رماد انكسارها بداية جديدة وصموداً يتحدى الغدر وكلام الناس، لتتحول ندوب تلك التجربة القاسية من وشم يدمي قلبها إلى نيشان يثبت أصالتها وصمودها.
* تختتم الرواية بسؤال يتردد في وجدان الابن (ضابط الأمن السيبراني): “فهل يمكن لبذرة وُلدت في رحم الغدر أن تحول إلى سياج يحمي التراب؟ وهل يمحو الشرف أثراً خُطّ بالدم؟”. إلى أي مدى أرَدْتَ لهذه الرواية أن تكون رسالة تطهير ومصالحة مع الذات ومع المجتمع؟
أردتُ لـ “رماد الزفاف” أن تكون بالفعل عملَ تطهيرٍ ومُصالحة، لكنها مصالحة لا تنبني على النّسيان أو القفز فوق الجراح، بل على المواجهة الشجاعة للذاكرة، التطهر هنا يتحقق عبر تفكيك وصمة الذنب المقترفة، فشريفة لم تكن يوماً سبباً فِي الاحتراق وتَراكم الرماد، بل كانت ضحية لغدر الإرهاب وقسوة المُجتمع. وعندما يَتساءل الابن -الذي يمثل الجيل الجديد وحامي الفضاء الرقمي للأمة- هذا السؤال، فهو لا يطلب الغفران مِن المُجتمع، بل يطرح مُعادلة رد الاِعتبار لكيفية جعل النّقاء الوطني والإخلاص للتّراب يمحوان أثر الجريمة التي خُطت بالدم في الماضي؟
الرواية رسالة تقول: إن الجينات الحقيقية للإنسان لا تصنعها لحظة غدرٍ عابرة فرضها البطش، بل تصنعها التربية، والقيم، والانتماء الصادق، فعندما يتحول الابن “البذرة الخبيثة” إلى سياجٍ يحمي التراب، فهو يعيد صياغة مفهوم “الشرف” نفسه، ليصبح الشرف حماية للوطن، ووفاء للأرض، وانتصاراً لكرامة الأم التي زرعت الأمل في قلب العتمة. “أنا والأرض من ربياك.. فلا تسمح لشبح ميت أن يقتل الرجل الحي فيك”، فهي مصالحة مع الذات أولاً لتبرئة الضحية، ومصالحة مع المجتمع ثانياً عبر تحويل الوجع الفردي إلى قيمة جماعية تحمي الوطن في حاضره ومستقبله.
* منذ عام 1989 وأنت في قلب المؤسسة التربوية أستاذاً للغة العربية ثم مديراً للمتوسطة. هل ساعدك الاحتكاك اليومي بالأجيال وجماليات اللغة على نحت هذا السرد المؤثر والمحمّل بالرموز الإنسانية؟
– لا شك أن الوقوف فِي مِحراب التّربية والتّعليم لعقود، والتّأمل اليومي في تَحولات الأجيال، كان المَشتلة الأولى لرافد تجربتي الإنسانية. غير أن هذا الاحتكاك التّربوي لم يعمل بمعزل عن روافد أخرى.. فقد كان لتمكّني مِن أدوات اللّغة العربية شغف أصيل، صقله عملي الميداني كمراسل صحفي لعدد مِن الصحف اليّومية مع مَطلع الألفية الثانية، وهو ما جعلني في اِحتكاك مُباشر مع نبض الشارع والتّحولات الجارية بمرّها وحلوها.
يضاف إلى ذلك شغفي بالفن التّشكيلي، الذي منحني عيناً تقرأ ما بين السطور، وترى المعنى خلف المنظر، وأكسبني بعداً تحليلياً فِي التخيّل والغوص في أعماق النّفس. كُل هذه الروافد مُجتمعةً (التّربية، والصحافة، واللّغة، والفن) مكّنتني من التغلغل في أعماق الشخصيات، وترجمة هذا المخزون الوجداني في قالب درامي مفعم بصدق المشاعر.
* إلى جانب الكلمة المكتوبة، عُرفت بشغفك بالفنون التشكيلية والرسم والخط. ألا تشعر أن هندسة هذه الرواية تشبه اللوحة الفنية، حيث يتداخل فيها السواد المعتم ببريق الأمل؟
– بلى، فالرواية بالنّسبة لي هي لوحة تشكيلية كُتبت بالحروف بدلاً من الألوان، فِي الفن، لا يظهر بريق الضوء إلا عبر الظل والسواد المعتم عملاً بالقاعدة: “بالأضداد تتضح الأشياء”، وهذا بالضبط ما عملت عليه في “رماد الزفاف”:
السواد: جسّدته ليلة فقد الكرامة الإنسانية وقسوة الخوف والظلم الاجتماعي. الضوء: رسمته بفرشاة الصمود والتحدي في ملامح “شريفة”، وفي بذرة الأمل “رفيق” التي أثمرت حارساً أميناً للوطن. الخط كذلك منحني انضباط الكتلة والتّوازن، والرسم منحني التباين البصري، والكلمة كانت الروح التي نفخت الحياة في هذه اللوحة، فالرواية بالفعل هي لوحة تشكيلية، مادتها اللغة، وجوهرها الإنسان.
* النشأة في أحضان الطبيعة الجبلية لـ “أغبولة، عين لقراج، وبني ورثيلان” بسطيف، بما تحمله من تاريخ وعراقة ومقاومة، كيف انعكست على عمق الشخصيات وحرارة الأحداث في النص؟
– يجب التوضيح أولاً إن مناطق مثل “أغبولة، بني ورثيلان وضواحيها عامة” ظلّت عصيّةً وآمنة بفضل وعي أبنائها، ولم تمسّها يد الإرهاب آنذاك. لكنّ نشأتي فِي أحضان هذه الجبال (جبل أقوف وجبل أزرو يفلان) -بما تحمله من تاريخ نضالي عريق في مواجهة الاستعمار وما تشهد عليه دهاليز سجون قريتَيْ بورذيم وبني حافظ- أورثتني فهماً أعمق لطبيعة الإنسان الجبلي المحافظ والصامد.
هذا الأثر انعكس على الرواية كخلفية قيمية ونفسية: أولاًعمق الشخصيات: تجسّد فِي الصلابة والأصالة التِي استمدتها الشخصيات مِن قيم هذه البيئة المُحافظة المُسالمة، وجاء اِختيار أسماء الشخصيات مثل (شريفة وبوجمعة) بعناية كبيرة ليعبّر عن هذا الامتداد الثقافي والتاريخي. ثانياً حرارة الأحداث: بُنيت على المفارقة الصادمة بين قيم الأمن والسلام التي طالما طبعت القرى والجبال، وبين الإرهاب الغريب الذي داهم مسرح الأحداث. فالجبل هنا ليس فقط مسرحاً درامياً، بل هو رمزيّةٌ للكرامة والشموخ والصمود الإنساني.
* كلمة توجّهها لقرّاء الأدب الجزائري، وللأقلام الشابة التي تخوض غمار توثيق ذاكرة الوطن عبر السرد؟
– أقول للقراء بصفة عامة: اقرأوا أدب وطنكم بشغف، فهو المستودع الأمين لذاكرتنا وهويتنا الجماعية. وإلى الأقلام الشابة: ذاكرة الوطن أمانة، فاكتبوها بحرارة الصدق وبصيرة الأمل لا بحبر السوداوية. انقّبوا في آلام الناس وآمالهم وانسجوا منها سرديات خالدة.. فـالأمم التي لا تكتب تاريخها بفرشاة كتابها وأدبائها، يكتبه غيرها بلغة غريبة ووقائع مزيفة.
كلمتي الأخيرة: ستظل الكلمة الصادقة أبلغ سلاح لمواجهة النسيان، وسيبقى “الأمل” هو البذرة الوحيدة التي تهزم الرماد مهما اشتدت عواصف الزمن. وختاماً، جزيل الشكر والامتنان لكم على تخصيص هذه المساحة لإجراء هذا الحوار الشيق، وعلى غوصكم الذكي لإماطة اللثام عما أثقل كاهل الرواية من حمولات وإسقاطات، بأسلوب لامسَ قلوب القراء وجوهر العمل.