فاضل ميراني لفضائية شمس: الكورد أو الكوردستانيون، شاؤوا ام أبوا، ليس لهم سوى الرئيس مسعود بارزاني

 

 

نص المقابلة التي اجرتها فضائية (شمس) مع مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني الأستاذ فاضل ميراني

 

بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لاندلاع ثورة أيلول المجيدة، أجرت فضائية «شمس»، يوم الجمعة 11 أيلول 2026، مقابلة مهمة وموسعة مع مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، الأستاذ فاضل ميراني، تناول خلالها بالتفصيل أبرز المحطات والوقائع التاريخية التي رافقت الثورة، مستعرضاً جوانب مهمة من مسيرتها وتطوراتها.

ولم تقتصر المقابلة على استذكار الأحداث المعروفة، بل تضمنت أيضاً الكشف عن محطات ولحظات لم يُسلَّط عليها الضوء من قبل، استناداً إلى الذاكرة الشخصية للأستاذ ميراني وما عايشه وشهده من وقائع خلال تلك المرحلة المهمة من تاريخ الحركة التحررية الكوردستانية.

ونظراً لما تكتسبه هذه المقابلة من أهمية تاريخية وتوثيقية، وما تتضمنه من شهادات وذكريات ومعلومات تسهم في إضاءة جوانب من تاريخ ثورة أيلول المجيدة، ارتأت جريدة التآخي أن تنشر نص المقابلة كاملاً، لتضعه بين أيدي قرائها الكرام، بوصفه شهادة حية وذاكرة شخصية توثق جانباً مهماً من تلك الحقبة.

ونظراً لطول المقابلة، سيتم نشرها على جزأين، اليكم الجزء الأول من الحوار.

*لم تكن ثورة أيلول مجرد بندقية حملها شعبٌ دفاعًا عن وجوده، بل كانت مشروعًا متكاملًا للتحرر والبناء؛ ففي الوقت الذي كانت فيه طائرات تقصف قرى كوردستان، كانت الثورة تفتح مدرسة، وحين فُرض عليها الحصار أقامت مستشفى، وحين أُريد إسكات الشعب الكوردي أسست إذاعة، وحين حُرم من حقوقه أنشأت مجلسًا للتشريع وقضاءً لإقامة العدالة.

على امتداد أربعة عشر عامًا، قاد الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني واحدة من أعظم الثورات في تاريخ كوردستان، فوحد خلفها مختلف مكونات الشعب، وحوّل الجبال إلى أرض محررة تملك مؤسساتها وصوتها وإرادتها، حتى اضطرت بغداد إلى الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي في اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1970.

فكيف استطاعت ثورة محاصرة أن تبني ملامح دولة تحت النار؟ وما الذي جعل قيادة الملا مصطفى البارزاني قادرة على الصمود في مواجهة حكومات وجيوش وتحالفات إقليمية؟ وما الأسرار التي لم تُروَ بعد عن تلك السنوات؟

نناقش ذلك مع مسؤول الهيئة العاملة في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، السيد فاضل ميراني.

*أهلًا وسهلًا بك معنا، سيد فاضل، وشكرًا على حضورك.

-فاضل ميراني: شكرًا جزيلًا على هذا السرد الجيد.

*سيد فاضل، ثورة أيلول عندما اندلعت عام 1961، في البداية، هل كان الملا مصطفى البارزاني يدرك أنه يبدأ بثورة ستستمر أربعة عشر عامًا؟

– شكرًا. في الحقيقة، توجد مقولة: «ليس كل ما يُعرف يُقال، ولا كل ما يُقال صحيح».

ثورة أيلول استنبطت كل ما في الماضي من معاناة كوردستان وأهلها، والوضع الحالي في ذلك الوقت. فمن حيث التعامل مع كوردستان، كانت بندقية تحمل في جوفها معاناة الماضي ومتطلبات الحاضر، وهذا ما يميز ثورة أيلول ومصطلح الثورة بشكل عام.

في تصوري، لا أعتقد أن البارزاني الخالد كان مُعِدًّا في ذلك التاريخ للثورة، وإنما كان يخطط لها من خلال توفير الإمكانيات اللازمة. ولكن عقلية الأنظمة التي اقتسمت كوردستان، ونخص بها الأنظمة العراقية المتعاقبة، لم تكن تتحمل مطالبة الشعب الكوردي، أو شعب كوردستان، عن طريق الحزب الديمقراطي الكوردستاني والبارزاني الخالد، بنوع من الحقوق ربما أثقلت كاهلهم في ذلك الوقت.

الآن، تُنجز هذه الحقوق أو تُؤخذ من خلال مظاهرات في الدول أو المجتمعات الناضجة، ولكن بدأ القصف الجوي والهجوم، وسبق ذلك اعتقال سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني وغلق مقرات الحزب؛ لأن البارزاني ترك بغداد بعد عودته من الاتحاد السوفيتي آنذاك.

فأصبحت الثورة أمرًا واقعًا، ولكن المهم في حشوة هذه البندقية كان الإجماع الكوردستاني حول البارزاني في مجابهته للاعتداءات من قبل الحكومة العراقية آنذاك.

*هذا ما أود أن أكمله معك، سيد فاضل. ثورة أيلول توصف بأنها أول ثورة كوردستانية شاملة وجامعة، وكان الكل مشاركًا فيها من جميع الأطياف والمكونات. ما السر الذي امتلكه الملا مصطفى البارزاني ليجمع تحت هذه الراية الشعب الكوردستاني بجميع أطيافه ومكوناته ومناطقه أيضًا؟

– لأكون واقعيًا وصريحًا مع حضرتك، كانت ثقة الناس بشخصية البارزاني وقيادته وحكمته، ونظرة الناس واشمئزازهم من تعامل الحكومة العراقية. أحيانًا أنت تخطط والعدو يفرض عليك، فأتصور أن العامل الرئيسي هو ثقة الناس بالبارزاني الخالد.

وهذا ما حدث في عام 1945، وذهابه للمساهمة في جمهورية كوردستان في مهاباد، حتى رحيله أو لجوئه إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك، حيث تبعه خمسمائة مقاتل. وهذا أيضًا نادر في تاريخ القادة الذين يتعرضون لمثل هذه الظروف، ولكن أفهم الناس، والناس فهموا ذلك بثقة.

ولهذا تعتبر ثورة أيلول شاملة، من زاخو إلى خانقين ومندلي، وشارك فيها والتف حولها الناس، ليس حول راية الحزب، ولنكن واقعيين، لا ندعي بأن الحزب كان مهيأً أو ملزمًا بما يمكن تهيئته من مستلزمات، ولكن الناس وثقوا بالبارزاني.

المسلم والمسيحي والإيزيدي والأرمني والآشوري والكلداني والعربي وحتى التركماني؛ ثقة شعب كوردستان بالبارزاني لا يمكن أن نقارن فيها بين مكون وآخر بدرجات أدنى من الثقة بالبارزاني.

*هل من هذه النقطة، سيد فاضل، بدأت الهوية الوطنية الجامعة تتشكل؟
-نعم. الحزب الديمقراطي، أول مرة، كان اسمه الحزب الديمقراطي الكوردي، ولكن تيقن البارزاني الخالد وقيادة الحزب آنذاك، رحم الله من توفي منهم، ولا أتذكر بقاء أحد من المؤسسين، رحمهم الله جميعًا، من أن هذا يشكل نوعًا من القومية العنصرية في وقت كانت كوردستان فيه تضم قوميات أخرى.

لذلك بدلوا الاسم من الحزب الديمقراطي الكوردي إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ولهذا تحولت الثورة من ثورة… إخواننا العرب يسمونها «الثورة الكوردية»، تحاشيًا لمفهوم كوردستان كوطن لمكونات متعددة تتعايش بسلام وإخاء.
ولهذا تعتبر ثورة أيلول ثورة وطنية، والوطن هو كوردستان، ومواطنو كوردستان مكونات متعددة، والعراق أيضًا بلد متعدد القوميات والانتماءات والأديان والطوائف.

*سيد فاضل، ثورة أيلول لم تكتفِ فقط بإدارة الجبهات في المعارك والقتال، بل كانت أيضًا تدير حياة الناس بشكل يومي، وتدير شؤون الناس التي لم تستطع تحملها حتى نهاية هذه الثورة. هل من هنا تشكلت اللبنات الأولى لكوردستان التي نراها اليوم بمؤسساتها وخدماتها وطريقة تعاطيها مع المواطن الكوردستاني؟

-القيادات الناجحة هي التي تحول، أو تترجم، الأفكار إلى عمل، من الناحية النظرية إلى الناحية العملية.

إذا قرأتِ المنهاج والنظام الداخلي للحزب الديمقراطي الكوردستاني ، فدائمًا المنهاج، وليس النظام الداخلي، المنهاج الحزبي، كان يتطرق إلى ضرورة تحسين الوضع في كوردستان في مختلف مناحي الحياة؛ من الناحية التربوية، ومن الناحية الزراعية، وإلى آخره.

حتى كنا نتطرق إلى كيفية التعامل مع مزارعي التبغ، باعتبارها من الزراعات المهمة في كوردستان، والبارزاني الخالد أحيانًا كان يوافق على المفاوضات مع الحكومة العراقية لمواسم فقط، لكي يستطيع الفلاح تسويق الإنتاج الزراعي، وخاصة مزارعي التبغ.

ولهذا، كما تفضلتِ في ديباجة المقابلة، متى ما احتاجت كوردستان أو حوصرت كوردستان من ناحية من نواحي الحياة، الثورة استجابت لمتطلبات الشعب.

فلمعلومات المستمعين وحضرتك، في عام 1964 أصبح لدينا مجلس قيادة الثورة، وأصبح لدينا مكتب عسكري، وأصبح لدينا عدلية وقضاة، ومالية، وتربية، وأصبح لدينا قسم للصحة، وحتى أصبح لدينا لجنة للإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين في مناطق كان فيها الإقطاع.

ولهذا، نحن الآن في وضع عراق اتحادي فيدرالي، والإخوان في البارتي والاتحاد، سنة 1992، تنافسوا في من بدأ مشروع الفيدرالية أو يرفع شعار الفيدرالية، ونسوا أو تناسوا أنه عندما تجدد القتال في كوردستان، وللأسف، شُكلت لجنة من القانونيين والموجودين والإداريين والنخبة، أعدوا مشروع الفيدرالية، على أمل أنه إذا تفاوضت الحكومة العراقية مع الثورة الكوردية، يكون البديل الحكم الذاتي لحكومة كوردستان العراق، أو الاتحاد الطوعي أو الاتحاد الفيدرالي.

وأذكر أسماء كُثر من اللجنة، منهم المرحوم إبراهيم أحمد، وكان هو سكرتيرًا سابقًا للحزب، وحبيب محمد كريم، وكان سكرتيرًا للحزب، وسامي عبد الرحمن، الذي كان يشغل منصبًا شبيهًا برئيس الوزراء، وعمر مصطفى، ومحامي شمس الدين مفتي، وجرجيس فتح الله، وهو من الخبراء القانونيين، وصالح اليوسفي، ومجموعة أخرى لا تساعدني ذاكرتي على تذكر أسمائهم.

فأعدوا مشروع الفيدرالية، ولهذا كانت الثورة وقيادة الحزب الديمقراطي والبارزاني تفكر أحيانًا في أمور يتصور البعض أنها لا تتحقق، وإنما البارتي دائمًا يحاول أن يفكر ويحاول ويناضل من أجل تحسين الوضع، ليس الكوردستاني فقط، وإنما في العراق أيضًا. شعارنا الأساسي كان: الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان.

*هذا يقودني أيضًا، سيد فاضل، للتساؤل عن الحقوق القومية للكورد. بعد سنوات من ثورة أيلول، اضطرت بغداد اضطرارًا للاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي في اتفاقية الحادي عشر من آذار. ما الذي جعل بغداد تجبر على الاعتراف بما أنكرته لسنوات وسنوات طويلة؟

-كلمة «اضطرت» مجازية. أنا أريد أن أنصف التاريخ. الثورة كانت في أوج قوتها، وتوسعت المناطق المحررة وكان هناك الجيش والمرتزقة، حتى لا نسمي المسائل بتسميات أخرى.

الوضع العراقي كان أيضًا سيئًا اقتصاديًا وعسكريًا، ولكن كان هناك قرار سياسي في العراق بأن حل القضية الكوردية بات أمرًا ملزمًا. ففي المؤتمر القطري السابق لحزب البعث، شُكلت لجنة لدراسة كيفية حل القضية الكوردية، برئاسة المرحوم عبد الخالق السامرائي، وصدام حسين، وإذا ما تخونني الذاكرة، محمد فاضل.

أنا دائمًا، كعراقي، أميز وضع حل القضية الكوردية في العراق عن الدول الأخرى التي اقتسمت كوردستان، وأعطي لكل ذي حق حقه.

قوة الحركة الكوردية وتنظيم الحركة الكوردستانية وقيادة الحركة الكوردستانية عوامل مهمة، ولكن طريقة تعامل الحركة الوطنية أيضًا عامل آخر في تاريخ العراق.

الحزب الشيوعي في عام 1934 اعترف بحقوق الكورد في تقرير المصير، والحركة الاشتراكية في عام 1967 اعترفت بحل القضية الكوردية حلًا ديمقراطيًا، وفي سنة 1969 اعترف حزب البعث. والحركة الوطنية العراقية، بتوجهها القومي والديمقراطي والتوجه الاشتراكي، مجتمعة، أدركت أنه لا بد من حل هذه القضية، وحلها سلميًا.

وهذا أيضًا من ميزات الحركة الوطنية العراقية والمجتمع العراقي الذي انفتح بشكل ما على قضية تهم العراق، وليس كوردستان وحدها.

*بعد اتفاقية آذار، أريد أن أسأل أسئلة متعلقة بالناس.كيف استقبل الناس في الجبال هذه الاتفاقية، ومسألة أن الشعب الكوردي سيحصل على حقوقه؟ هل شعروا بأنهم حققوا الإنجاز الذي صمدوا من أجله لسنوات طويلة؟

-أتذكر ليلة 11 آذار 1970، كان الجو ممطرًا في كوردستان، في المنطقة التي كنت أنا متواجدًا فيها، في زاخو. الشهيد عيسى سوار كان قائد المنطقة عسكريًا، فأبلغ بطريقة بدائية كل المقرات بعدم إطلاق النار؛ لأننا كنا نترقب صدور بيان من مجلس قيادة الثورة بقيادة المرحوم أحمد حسن البكر.ولكن الناس، من فرحتها، لم تستجب، وأتصور أنها تجاوزت التعليمات.

أترككِ في كوردستان وأذهب إلى بغداد والبصرة والجنوب والوسط؛ الفرحة عمت الشعب العراقي، لأن الناس في الوسط والجنوب سئمت من استقبال جثامين ضحايا هذه الحرب، وكذلك الحال في كوردستان.

لذلك، كانت الفرحة فرحة عراقية عامة، وربما في كوردستان كانت الفرحة بدرجات أشد؛ لأنهم كانوا تحت وطأة تبعات الثورة والقصف الجوي والمدافع، ولكن أيضًا الحاجة والقلق وقلة الإمكانيات، مثل قلة المستشفيات والمدارس.

لهذا، كانت فرحة الشعب الكوردي كبيرة جدًا، في الحقيقة، وأنا كنت واحدًا منهم.

*أنت كنت واحدًا منهم، سيد فاضل. انضممت إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني في منتصف الستينيات، وكان عمرك آنذاك ثمانية عشر عامًا أو أقل بقليل. أي أن وعيكم السياسي تشكل في خضم ثورة أيلول وعلى يد الملا مصطفى البارزاني. كيف أثرت فيك هذه الثورة شخصيًا، وماذا تركت لديك من انطباعات لا تنساها حتى اللحظة؟

-أنا من الموصل، نسميها الضفة الغربية من نهر دجلة، وكنا ندرس في الموصل. أولًا، نتيجة وجودي في الإعدادية، كطالب، توعى بالمسائل القومية.

أتصور أن أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الطلبة ينتمون إلى الحزب هي القضية الفلسطينية. ربما الناس لا يدركون متابعتنا للقضية الفلسطينية وحرمانهم من حقوقهم، والإجماع العربي في تبني القضية الفلسطينية كقضية محورية ومركزية، جعلنا نفكر: ماذا بنا نحن؟ لسنا عربًا، ولسنا تركًا، ولسنا فرسًا، فما بالنا أن نبقى بهذه الصورة بلا هوية؟

هذا عامل، والعامل الآخر أن الشاب الكوردي كان يرى أن الكلية العسكرية بشروط قاسية، وأنا من الناس الذين قدموا إلى الكلية العسكرية ورُفضت لأسباب سياسية لا أكثر. والقوة الجوية هكذا. وأخيرًا أصبح موضوع أن الذي ينتمي إلى حزب البعث يُقبل في كليات التربية في أوائل الفترات الأخيرة.

العامل الآخر هو وجود كوادر حزبية تعمل ليل نهار وسط الناس، لكسب الناس وإفهامهم برنامج الحزب.

وأذكر أنهم جلبوا لنا مقطوعات من برنامج الحزب، فرأينا أن هذا البرنامج يعبر عن تفكيرنا الشخصي وطموحاتنا القومية، فصار انتماؤنا إلى الحزب عن هذه الطريقة.

أولًا، الاستعداد الذاتي لمستوى معين من الإدراك الثقافي. دعينا لا نبالغ في وضعنا آنذاك؛ كنا شبابًا، وشأني شأن كثير من شباب ذلك الوقت، انتميت إلى الحزب وأنا عمري 17 سنة، وأصبحت كادرًا في الحزب وأنا في عمر 18 سنة، وإلى الآن، والحمد لله.

*سيد فاضل، بعد هذه الثورة التي أفرحت الناس، شهدتم مرحلة صعبة، وهي مؤامرة الجزائر عام 1975. عندما وصلكم خبر مؤامرة الجزائر، أين كنتم؟ وكيف تلقيتم هذا الخبر؟ وهل رأيتم أو شعرتم للحظة أن منجزات ثورة أيلول قد تذهب سُدًى؟

-في هذه الليلة وهذا اللقاء، أحيي ثورة أيلول، وأحمّل العراق آنذاك، وإذا استمر على نفس النهج، العراق في الوقت الحاضر، ما اقترفه من خطأ أو جريمة، حتى على كل العراق، بكل أطيافه ومكوناته وانتماءاته.

في آذار 1974، الشهيد إدريس البارزاني جازف، والقتال كان على وشك أن يبدأ. جازف وذهب إلى بغداد والتقى بصدام. لم يكن البارزاني وقيادة الثورة راغبين في استئناف القتال.

فما قيل للشهيد إدريس، باللهجة العراقية: «لا تخلّونا نتنازل للأجنبي»، يعني المقصود إيران.

فقال الشهيد إدريس: «سيدي النائب، تنازل لشعبكم أليس أفضل من التنازل للأجنبي؟»

وعاد، وصار القتال. ولهذا أحمل الحكومة العراقية اتفاقية الجزائر، وهذه الاتفاقية كان مخططها من أمريكا، في الحقيقة، وشاه إيران، وبواسطة بومدين.

نعرف هذه المسائل من الأدبيات الإعلامية. قد أكون صادقًا، فوجئنا بهذه المؤامرة لقلة إمكانياتنا في العلاقات أو دراستنا للعلاقات الدولية، أو لتشابك العلاقات الإقليمية والدولية، وإلى آخره.

ولكن حصل ما حصل. الرئيس مسعود بارزاني كان من الداعين إلى استمرارية الثورة والمقاومة، واتخذ هكذا قرار.

أما ما بعد هذا القرار، فلا تزال هناك آراء مختلفة. هناك من يؤيد بأن قرار عدم المقاومة سليم؛ لأنه كان هناك اتفاق تركي ـ إيراني ـ عراقي لضرب الثوار، والبارزاني الخالد لم يكن راغبًا بالتضحية بالكوادر التي رباها الحزب، وتربت في بطون الثورة وأصبحت مؤهلات قيادية، في مؤامرة دولية.

ولكن الاتفاقية لم تدم، وصار الحزب، على حد ذاكرتي، أعاد تنظيم الحزب بإشراف الرئيس مسعود بارزاني والشهيد إدريس وقياديين آخرين.
طبيعي، كانت ظروفًا لا توصف. ترى الناس سكارى وما هم بسكارى. تفقدت آخر معاقل قياداتنا. هناك ناس كانت تغادر العراق، وهنا تأتي إلى إيران مشيًا أو بالسيارات، وإلى آخره.

والعديد متحير من أمره: كيف حصل؟ وما سيحصل؟ والجميع خائف من المستقبل.

ولكن لا بد أن أذكر لحضرتك أن البارزاني الخالد التجأ إلى الاتحاد السوفيتي عام 1947، وكان معه خمسمائة مسلح من أنصاره وعدد قليل من غير البارزانيين.

ولكن في عام 1975، نصف مليون كوردستاني رافقوا البارزاني إلى مصير غير معلوم في إيران، بعد اتفاقية إقليمية ودولية.

والبارزاني كان أقلية بالنسبة إلى خمسمائة ألف. هذا يعني أن الثقة بالبارزاني لا تنحصر في مكون معين، أو مكون اجتماعي أو جغرافي أو ديني أو طبقي.

كان هناك الإيزيدي، وكان هناك المسيحي، وكان هناك العسكري، وهناك طبيب، وهناك محامٍ، وهناك تاجر، وهناك طالب جامعي، وهناك… وإلى آخره.

كل المكونات رافقت البارزاني، وأنا من ضمنهم، توجهنا إلى إيران.

بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لاندلاع ثورة أيلول المجيدة، أجرت فضائية «شمس»، يوم الجمعة 11 أيلول 2026، مقابلة مهمة وموسعة مع مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، الأستاذ فاضل ميراني، تناول خلالها بالتفصيل أبرز المحطات والوقائع التاريخية التي رافقت الثورة، مستعرضاً جوانب مهمة من مسيرتها وتطوراتها.

ولم تقتصر المقابلة على استذكار الأحداث المعروفة، بل تضمنت أيضاً الكشف عن محطات ولحظات لم يُسلَّط عليها الضوء من قبل، استناداً إلى الذاكرة الشخصية للأستاذ ميراني وما عايشه وشهده من وقائع خلال تلك المرحلة المهمة من تاريخ الحركة التحررية الكوردستانية.

ونظراً لما تكتسبه هذه المقابلة من أهمية تاريخية وتوثيقية، وما تتضمنه من شهادات وذكريات ومعلومات تسهم في إضاءة جوانب من تاريخ ثورة أيلول المجيدة، ارتأت جريدة التآخي أن تنشر نص المقابلة كاملاً، لتضعه بين أيدي قرائها الكرام، بوصفه شهادة حية وذاكرة شخصية توثق جانباً مهماً من تلك الحقبة.

الجزء الثاني والأخير
*ماذا كان يشعر الملا مصطفى بارزاني عندما رأى هذه المؤامرة أمام عينيه؟ هل شعر للحظة ما بأنه عجز عن تحقيق ما أراده شعب كوردستان؟

-البارزاني دائمًا لم يكن يعجز؛ كان يصمد دائمًا، لأنه كان يكرر دائمًا: في الانتصارات لا يصيبكم الغرور، وفي الانهيارات لا يصيبكم فقدان الأمل.

وأتذكر في اجتماع للكوادر الوسطية المتقدمة، لأنني هنا لم أكن في القيادة، في مدينة نقده، حيث التقى بنا وشرح لنا موضوع الاتفاقية. وللتاريخ أيضًا، تنصّل قسم من أعضاء القيادة، وللأسف، من المسؤولية، وبدأوا بنشاطات وسمّوا أنفسهم للعراق، وإلى آخره.

ولكن البارزاني قال بوضوح: «أنا لا أجبر أحدًا على أن يبقى معي، ولكنني حريص على هذه الكفاءات التي خلقتها الثورة وخلقها الحزب خلال هذه السنين. والبعث ظالم». أتذكر الكلمات بدقة: «البعث ظالم»، خوفًا على هذه الكفاءات؛ لأنهم سيتعرضون للإعدام، وسوف يستغرق وقتًا طويلًا أن نربي مثل هذه الكفاءات مرة ثانية.

وأضاف أن هذا الوضع لا يدوم، وأن وضع هذه الاتفاقية لن يدوم؛ لأن الوضع الإقليمي والدولي لا يستوعب هذه الاتفاقية.

فقسم من الكوادر الوسطية قالوا: «لن أتخلى عنك أينما كنت وكيفما كنت».

ولهذا، فإن البارزاني زرع المنطق في نفس من يخاطبه، حتى لو لم يعبّر عن كل ما هو مقصود أن يعبّر عنه. ولهذا التفاف الناس حول البارزاني وشخصية البارزاني، وأنا في رأيي، لا تزال قضية غامضة: لماذا كان هذا الإنسان بهذه البساطة، ولكن بهذه الهيبة، والناس هكذا؟

أنا سمعت من أشخاص كانت لديهم مشاكل كثيرة ومعاناة من هذا أو ذاك، ولكن عندما يحضرون في ديوان البارزاني، وكأن ذاكرتهم لم يبقَ فيها شيء.

*سيد فاضل، نعم، قلت إنه يظهر كم كان قويًا، حتى في أشد اللحظات ظلمًا، وفي لحظات الضعف وانكسارات الثورة إلى حدٍّ ما، وهي ليست انهيارات. في جانبه الشخصي، عندما كان الملا مصطفى البارزاني يتلقى خبر استشهاد أحد كوادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أو حصار قرية معينة في إقليم كوردستان، كيف كان يشعر؟ هل كانت مشاعره تتأثر ، أم أنه يظهر نفس البأس ورباطة الجأش في هذه المواقف؟

-البارزاني الخالد كان حريصًا على أرواح الناس الأبرياء، وربما الرئيس البارزاني ذكر هذا الموضوع، ومنعه من أي إجراءات تسمى تخريبية أو تفجير في المناطق العامة، وكان بالإمكان القيام بها، ولكن منع جهازنا الأمني استهداف المدنيين أو القيام بعمليات تفجير في المدن، وكان ذلك بالإمكان.

ولهذا، ففي قراره النفسي كان يتأثر كثيرًا حتى بوفاة أشخاص قريبين منه، ولكن كبرياءه وشخصيته كانا يمنعانه من إظهار ذلك والتظاهر بهذه المسائل.

وفي الفترة التي تعايشت معه في أمريكا قبل وفاته، لاحظت فيه أيضًا، وشعرت بفرحه عندما طُرد الشاه من إيران. رأيت الابتسامة على شفتيه ونحن نراقب التلفزيون، والتلفزيون الإيراني يقول: «شاه رفت»، أي: ذهب الشاه.

أتصور أن هذا كان نتيجة معاناته من اتفاقية الشاه وغدره بالدولة، وهكذا أفسّر ذلك.

*سيد فاضل، ثورة أيلول، كما تفضلت وقلت، واجهت عقلية مركزية من بغداد، التي رفضت الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي آنذاك. اليوم، وبعد سقوط الأنظمة العراقية المتتالية، وصولًا إلى النظام البعثي وقيام عراق اتحادي، هل تغيرت هذه العقلية باعتقادك، أم أن مسألة الوجود الكوردي في العراق ستظل عقدة عند البعض؟

-سيدتي، هذا السؤال كبير جدًا، ولكن أذكر الإخوان في بغداد بأن هناك طريقين: طريق الخير وطريق الشر.

طريق الخير هو الاحتكام إلى العقل والعدالة، وإنصاف الآخرين، وحب الناس مثلما تحب لنفسك. حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾.

هذا طريق الخير، وهذا طريق الشر، فاختر أيًّا منهما.

الموضوع الآخر، أتصور أن دراسة التاريخ ليست للتثقيف فقط، وإنما لأخذ العبر منه وعدم تكرار الأخطاء في الماضي. وتصحيح أخطاء الماضي يكمن في عدم تكرارها في الحاضر.

العراق في هذا الوضع، وإخوتنا الحكام في العراق في هذا الوضع، أمام النجدين، أي الطريقين. ودراسة التاريخ واستنباط الدروس من سنة 1961، وثورات البارزاني، والإنكليز، وضرب المناطق الكوردية، كلها أمور ينبغي أن تؤخذ منها العبر.

نبدأ من الثورة المعاصرة. قسم من قيادات الإخوة في العراق عايشوا العراق، أو سمعوا من آبائهم أو عوائلهم. ماذا جنت الحكومات من قتالهم في الشمال، على حد تسمياتهم، من عام 1961 إلى سنة 1970؟ كان اسمها «الشمال»، ومن سنة 1970 صارت «كوردستان».
ولهذا، فإن قانون الحكم الذاتي يقول: «قانون الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان». الحكم الذاتي للشعب شيء، وللأرض شيء آخر.

فأتصور أن التاريخ يُعتبر به؛ من يعتبر بالتاريخ يكسب، ومن لا يعتبر بالتاريخ وسلبياته، آنذاك قد لا يفتخر بما ينجزه؛ لأن الآخرين قبلهم لم ينجزوا.
سنة 1963، العقيد… رحمه الله، وزير الدفاع، أعلن سياسة الأرض المحروقة: «اقصفوا بالطائرات، أياً كان: الزراعة، والمواشي، والبشر، والحجر، وإلى آخره».

وأخيرًا، صارت مفاوضات عام 1964، ثم صارت مفاوضات عام 1965 مع عبد الرحمن البزاز رحمه الله، ثم صارت اتفاقية الحكم الذاتي سنة 1970، وبعد 1975 صارت اتفاقية الجزائر، وصارت الثورة الكوردية.

القضية الكوردية في المنطقة بحاجة إلى حل، حلٍّ يستتب معه الأمن والاستقرار في البلد الذي تتواجد فيه هذه القضية.

وفي العراق قطعنا شوطًا كبيرًا، ونتمنى من الإخوة أن يستمروا في تفهمهم للقضية الكوردية. وأتمنى للشعب العربي في العراق أن يكون سبّاقًا في حل القضية القومية والقضية الكوردستانية، من دون الدول الأخرى أو الشعوب الأخرى.

وهذا ما يليق بالشعب العربي إذا أراد أن يكون سبّاقًا في التحرر من الفكر المتقوقع الذي لا يقبل بالآخر، وهذا لا يليق بهم.

وأنا كعراقي أقول، ثم كمسلم: هناك حديث يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

طيب، ألسنا إخوة؟ الجواب: نعم. ألسنا مؤمنين؟ نعم. فلماذا يحق لك أن تكون هكذا، ولا يحق لي أن أعيش معك بكامل حقوقي؟

*هذا يقودني، سيد فاضل، للتساؤل عن هذا الوضع، وسأقتبس من كلام لحضرتك شخصيًا في مقال، قلت: «قصفتنا طائرات الجمهورية أكثر مما قصفتنا طائرات الملكية، وسجننا الجمهوريون تمامًا مثلما فعل الملكيون». ما هي مشكلة بغداد مع الكورد اليوم؟ كيف يمكن أن نشخّصها؟ هل هي في أشخاص؟ في أطراف؟ في عقليات؟ أين المشكلة؟

-المشكلة في العقليات وليست في الأشخاص، إلا إذا كان هناك أشخاص اتبعوا نفس العقلية، فيكون هذا هو السرب، وإلا فليست لدينا مشكلة مع شخص، وإنما مشكلتنا مع طريقة العقلية التي تفكر.

وبهذه العقلية، في تصوري، إما يجب على الحركة الكوردستانية أن تتقوى بشكل أو بآخر، ولا أريد أن أستبق الأمور، أو أن تتطور طريقة التفكير في الجانب الآخر لإنهاء الأزمة التي تولّد الأزمات وبدون أي سبب.

*هل من مؤشرات، سيد فاضل، على أن طريقة تفكير الطرف الآخر وتعاطيه مع الشعب الكوردستاني ستتغير؟

السعادة والتعاسة، أتصور، بيد الإنسان؛ لا تنزل من السماء، وليس المطر هو الذي يزرعها، بل هي مزروعة في الإنسان.

إذا كان الأخ، أيًّا كان في بغداد، يفكر بطريقة سليمة، ففي تصوري سيكون موقعه في التاريخ مخلدًا، وسيكون اسمه مخلدًا، وليس هناك من يمنع ذلك.

أنا في تصوري أن الشعب العراقي ليس مانعًا من أن يعيش العراق بسلام، وبأخوّة، ومساواة، ولكن قادة العراق الذين يغدرون بحق المواطن العراقي، مثلما يغدرون بحق المواطن في كوردستان.

*على سيرة هذا التوصيف، التوصيف بالغدر، لماذا دائمًا تبدو الحكومات المتعاقبة في بغداد قادرة على إبرام الاتفاقيات والتوقيع عليها مع إقليم كوردستان في محطات معينة، ثم تجيد الهروب وتجيد التخلص من الشراكة أو تبريرها بطرق معينة في المفارق؟

-أتصور أن هناك مرجعية لجميعنا كعراقيين، وهي الدستور. أسسنا الدستور، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: نحن مؤسسو هذا الدستور، فكم مادة من هذا الدستور شُرّعت قوانين على ضوئها؟

مثال بسيط: المجلس الاتحادي، الذي يسمى بالبرلمان الثاني في المصطلح السياسي، ملزم بموجب الدستور، وهذا ليس لإقليم كوردستان، بل للعراق كله.

في الأشهر الأخيرة تم تناول هذا الموضوع، ولكن بانتقائية، وأيضًا وضعوه أسير المحاصصة، في حين أن هذه مؤسسة تشريعية منصوص عليها في الدستور.

ولهذا، فإن العراق بلد غني، وموقعه استراتيجي، ولكنه مبتلى بطريقة الحكم فيه.

*على سيرة الدستور والمسائل الدستورية، هناك مشاكل عالقة كثيرة وكبيرة جدًا بين إقليم كوردستان وبغداد: الموازنة، والنفط، والمادة 140، وغيرها الكثير من النقاط. جوهر الخلاف، سيد فاضل، يتكرر نفسه منذ سنوات وسنوات طويلة جدًا، وإقليم كوردستان يواصل اعتماد نهج البارزاني الخالد، نهج السلم والحوار. السؤال هنا: هل سيواصل إقليم كوردستان التمسك بنهج الحوار والنهج السلمي في جميع المشاكل حتى اللحظات الأخيرة؟

-هذه مسائل بسيطة. أنا أريد أن أخاطب إخواني في بغداد بما قاله، أتصور، الرصافي أو الزهاوي:

«ألسنا الأولى كانت قديمًا بلادنا
بأرجائها نور العدالة يسطعُ
فما بالنا نستقبل الضيم ونَحنُ
لحكم الجائرين ونخضعُ»

الخيار والطماطم الكوردستانيان ممنوعان من مغادرة إقليم كوردستان إلى الوسط والجنوب، وكأنهما من دولة أخرى، إلا إذا فُرضت عليهما ضرائب. ولكن تُستورد هذه المواد من إيران وتركيا، إما من دون ضريبة أو بضريبة أقل من ضريبة كوردستان.
ماذا تفسرين هذا الموضوع؟

*فسّره لنا أنت، سيد فاضل.
أفسّره بأنه يجب أن نكون مخيّرين، لا مسيّرين.

*بمعنى؟

-بمعنى أن نكون مخيّرين في إدارة بلدنا كعراق، ولسنا مسيّرين بالبيت الشعري الذي قلته سابقًا.

*بأي أساليب، سيد فاضل؟

-بأساليب أن يكون للعراق قراره المستقل، وأن يفضّل مصالح العراقي على مصالح دول الجوار والدول الأجنبية، وإلى آخره؛ لأننا لا نزال لا نفرّق، أو لا نستطيع أن نفرّق، بين علاقات حسن الجوار والعلاقات الدولية وبين التبعية.

*هل من مؤشرات على ذلك؟ الظروف الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة مختلفة جدًا.

-العراق لا يزال يعاني من تأثير وتقسيم مكوّناته على الدول الإقليمية، كما كانت أيام المعارضة. هناك من يذهب إلى تركيا، وهناك من يذهب إلى القاهرة، وهناك من يذهب إلى دمشق سابقًا، الآن لا أعرف الى اين يذهب، وهناك من يذهب إلى دول الخليج، ومن يذهب إلى إيران.
فقراء الكورد لا يعرفون إلى أين يذهبون.

*نعم، كما نعلم، سيد فاضل، أنا أريد أن أثير مسألة كركوك؛ لأن لهذه المسألة خانة خاصة في قلب كل كوردستاني. جزء من ثورة أيلول كان يتعلق بكركوك. اليوم، هل تخشون في الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن تكون كركوك قد ضاعت من يد إقليم كوردستان؟

-الاستفتاء عام 2017، كان التصويت بنسبة عالية جدًا. أما السلطات وطريقة تفكيرها وتحكمها والأراضي، فالوطن لا يُسلب، وإن سُلب لا يبقى بشكل دائم.

الإخوة العرب يظلون يطالبون بالقدس، والآن يطالبون بنصف القدس، وهكذا هي الحالة في كركوك أيضًا.

وعامل الضعف في هذه المعادلات، أتصور، هو السبب الرئيسي: نحن الكورد.

تفكير الآخرين من حقهم أن يفكروا أو يقدموا على ما يقدمون عليه، لكن بوحدتنا كنا ندير كركوك عندما كنا متحدين، وبالأحرى كنا مساهمين بشكل واسع في استتباب الأمن في بغداد بعد تغيير النظام.

ولكن الآخرون ليسوا بأقوياء، وإنما قوتهم مستمدة من ضعف الكورد، وضعف الكورد بسبب عدم وحدتهم السياسية.

سنتان ليس لدينا برلمانًا، ولهذا فإن الحاكم في بغداد يتصور بأن هذا عامل ضعف، إذًا لا أستجيب، وأفرض تعليمات على وزارة المالية في إقليم كوردستان، وعلى وزارة الزراعة في كوردستان، وعلى وزارة الثروات الطبيعية في كوردستان، وعلى موضوع الكهرباء، وإلى آخره.

ولكن إذا كنت قويًا في بيتك، تكون قويًا في قريتك، وإن كنت قويًا في قريتك ستكون قويًا في منطقتك، وإن كنت قويًا في دولتك ستكون قويًا في الإقليم والمجتمع الدولي أيضًا.

*سيد فاضل، لماذا وصلت الأمور داخل البيت الكوردي إلى ما وصلت إليه من هذه الحالة من التشتت والانقسامات؟ الدعوات كثيرة، واليوم وجّه السيد مسعود بارزاني، وأيضًا رئيس وزراء إقليم كوردستان ورئيس إقليم كوردستان، دعوات إلى الوحدة في ذكرى الثورة؟

«سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يَعِشْ
ثمانينَ حولًا لا أبا لكَ يَسأمُ
رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ من تُصبْ
تُمِتْهُ ومن يُخطئ يُعَمَّرْ فيَهْرَمِ»

*هل هذا بيت شعر يفيد بأن الحالة وصلت إلى هذا الحد من التشتت؟

إلى الأمس كان هكذا، وللأسف.

– هل من أمل بأن يتغير شيء؟

لربما أُعاتَب على هذه الصراحة، ولكن المريض إذا لم يُقرّ بمرضه، فالعلاج لا يكون بسيطًا أو سهلًا. هذا هو الواقع.

*ما الذي يكون مجديًا إذا كان العلاج لا يفيد في هذه المرحلة؟

الرئيس البارزاني.

*كيف؟

-الكورد أو الكوردستانيون، أبوا أم لا، ليس لهم سوى هذا الإنسان لكي يجتمعوا حوله.

هناك آخرون أيضًا نحترمهم، ولكن الكاريزما الوحيدة التي تستطيع أن توصل هذا الوضع إلى بر الأمان…

ليس هذا كلامي أنا، وأتصور أن العامل، وأنا أحترم العامل، فكنت عاملًا نقابيًا أيضًا، والفلاح، ووالدي أيضًا كان فلاحًا، لديه نفس التفكير.

*نعم، سيد فاضل، نحو أسبوعين يفصلاننا، وأريد أن أختم بهذه النقطة عن ذكرى استفتاء استقلال إقليم كوردستان. كما تفضلت قبل قليل، نعم ونعم كبيرة جدًا قالها الكورد لصالح الاستقلال، لكننا شهدنا ما شهدنا في عراق كان يُفترض أنه ديمقراطي. في هذا الوقت لم يحمل الكورد السلاح، بل ذهبوا إلى الصندوق ودفعوا ثمنًا باهظًا لذلك. على مقربة من ذكرى الاستفتاء، ما الذي يمكن قوله في حق تقرير مصير الشعب الكوردي اليوم؟

إذا كان حق تقرير المصير عملًا أو حقًا غير مشروع في القوانين الدولية والسماوية، فالكورد ارتكبوا خطأً كبيرًا بالمطالبة بهذا الحق.

ولكن، للأسف، في هذا العصر، رغم الادعاءات ورغم الشعارات، أكاد أجزم بأنه ليس هناك حقوق إنسان، وليست هناك عدالة؛ هناك منطق القوة، وليس قوة المنطق.

رغم أن قوة المنطق قوة أزلية لا بد أن تنتصر، ولكنها تأخذ وقتًا كثيرًا.

حاليًا نحن تحت وطأة منطق القوة؛ القوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير.

ولهذا هناك قضايا دولية لا تُحلّ في مجلس الأمن بسبب الفيتو. الأمم المتحدة، هي حقيقةً ليست الأمم المتحدة، بل «الدول المتحدة»، وهذا هو الوضع الذي نعيش فيه.

ليس من المنطق أن نهرب ونغمض العيون، ولكن نحاول أن ننسجم ونساير هذا الوضع بشكل أو بآخر.

قد يعجبك ايضا