حوار: جـلال مشـروك
“الألم رسول يحمل رسالة.. وعلينا استقباله بهدوء ليرحل بسلام”
مي صالح علي؛ كاتبة مصرية حاصلة على بكالوريوس في الآثار المصرية القديمة من جامعة عين شمس، وحاصلة على الدبلوم التربوي ودبلوم علم النفس التربوي، بالإضافة إلى دبلوم الدراسات النفسية والإرشاد الأسري والعلاج الجدلي السلوكي من الجامعة ذاتها.
خاضت دراسات حرة في العلاج الشعوري والعلاج بالكتابة، والتحقت بورش عديدة في الكتابة الإبداعية والروائية ودراسات الأدب وأسس الكتابة الأدبية.
صدر لها ثلاثة مؤلفات تندرج تحت تصنيف الكتابات النفسية عن دار “ببلومانيا” للنشر والتوزيع، وهي: (خلطبيطة بالصلصة 2023، الكواليس الخفية للتعافي 2024، وعزيزي الألم ارحل في سلام 2025). أجرينا معها حوارنا التالي:
* كيف كانت انطلاقتكِ في عالم التأليف؟ ومن كان مشجعكِ الأول؟
– كنت أحب الكتابة كثيراً وأمتلك الموهبة، ولكن مع صخب الحياة العملية نسيتها، إلى أن أنجبت ابني الوحيد “آدم”. ومع معاناتي من اكتئاب ما بعد الولادة والشعور بالفراغ، نصحتني “الكوتش” الخاصة بي بالعودة لشيء أحبه، فبدأت أعبر عن مشاعري بالكتابة، وشرعت في دراسة أسسها لتساعدني على استعادة حالتي النفسية. ومن هنا أتت فكرة كتابي الأول، وهو ملخص عن حياة الشباب بداية من اختيار التخصص الدراسي وصولاً إلى الزواج والإنجاب وما يتخلل ذلك من مشتتات.
كانت البداية هي تفريغ معاناتي ومعاناة جيلي مع حالة “اضطراب الهوية” التي يعانيها معظمنا؛ فجيل التسعينيات لا يزال يجتهد ليجد مساحة يحيا فيها. في البداية لم يشجعني أحد، بل كان الكل مستغرباً ومعارضاً، ولم أجد الدعم إلا من متابعي صفحتي على مواقع التواصل الاجتماعي الذين تفاعلوا مع كتاباتي، وللأسف حصلت على الدعم من الخارج أولاً، ثم تم التصديق على ما أفعل داخلياً بعد النجاح.

* في كتابكِ “الكواليس الخفية للتعافي”؛ لماذا اخترتِ تسليط الضوء على ما يحدث “خلف الستار”؟ وهل تشعرين أن الخطاب السائد عن التعافي يفتقر للواقعية؟
– لأنني في بداية رحلة تعافيّ، وجدت أن كل المختصين والكتب يتحدثون عن “كيف تتعافى” وعن السلوكيات والعادات، لكنني لم أجد ما يتحدث عن معاناة المتعافي في تلك الفترة الخفية التي لا يعلم عنها أحد؛ لحظات الانكسار، الغضب، الإنكار، التسليم، والحزن. لا أحد يرى ما يحدث في الداخل، ولأنني مررت بذلك، كان محفزي أن يجد القارئ يداً تقدم له الدعم وتخبره بأنه ليس مجنوناً، وأن ما يمر به هو جزء طبيعي من الرحلة، مع تقديم إرشادات وتمارين تساعده على الاجتياز.
* ما هي أصعب مرحلة في “الكواليس” لا يراها الناس عادة في الشخص المتعافي؟
– هي مرحلة الغضب والصدمة؛ حين يدرك المرء أن ما يعانيه سببه “أقرب الناس” إلى قلبه، فتحدث عملية كسر “القالب المقدس” لمقدمي الرعاية واكتشاف أنهم بشر عاديون قد لا يكونون قد زكّوا أنفسهم. والاعتراف بأن ما تبناه المرء من معتقدات عن نفسه وعن العالم قد تكون غير صالحة ولا بد من التخلي عنها.
* كمتخصصة في علم النفس، كيف وازنتِ في هذا الكتاب بين الأمانة العلمية وتقديم محتوى ملهم للقارئ العادي؟
– كتبت للقارئ من واقع خبرتي وخبرة العملاء بأسلوب حقيقي وكلمات واقعية مستمدة من الجلسات، مع تقديم شرح علمي وحلول أكاديمية، فوجد القارئ في الكتاب “أذناً تسمعه” و”عقلاً محايداً” قادراً على إرشاده.

* “خلطبيطة بالصلصة” عنوان يوحي بالجرأة والتبسيط؛ ما الرسالة التي أردتِ إيصالها من خلال هذا “المزيج”؟
-الرسالة هي أن حياتنا تشبه تلك الوجبة في فيلم “الفأر الطباخ”؛ جاءت من مكونات وتجارب قد لا تبدو بينها علاقة، ولكنها في الأخير كونت وجبة ذات مذاق خاص. هكذا هي تجاربنا؛ ما نراه عبثاً أو محيراً هو ما يصقل شخصياتنا ويجعلها فريدة ومميزة.
* هل يعتبر هذا الكتاب تمرداً على القوالب الجامدة في الكتابة النفسية؟ وكيف استقبل الجمهور هذا التنوع بين السخرية والجد؟
– أنا محبة لأفلام الكرتون ولا أخجل من القول إنني اعتبرها جزءاً هاماً في رحلة تعافيَّ الخاصة، فأنا أرى العمق في بساطة هذه الأفلام. كان هدفي تقديم رسالة عميقة بأسلوب بسيط؛ فأنا أريد الوصول إلى القارئ لا استعراض مهاراتي في الكتابة عليه.
* ما هو أكثر سلوك اجتماعي ترينه يحتاج إلى “إعادة ضبط” سيكولوجياً؟
– هو اعتبار الحياة عبارة عن “مهام” (Tasks) نود إنجازها كي نستحق الحياة في هذا المجتمع، وليست حياةً تُعاش لنتطور من خلالها. هذا أكثر شيء مزعج؛ أن تفعل الأشياء فقط لتضمن بقاءك في “القطيع” لا لكي تكون مرتاحاً.
* في كتابكِ “عزيزي الألم ارحل في سلام”؛ لماذا خاطبتِ الألم بـ “عزيزي”؟
– بالطبع، هل يمكن أن يخبرك أحد بسره وأنت غاضب أو تتصارع معه؟ الألم هو “رسول” من داخلك ليخبرك رسالة ما، وعليك أن تكون هادئاً لتستقبلها وحينها سيرحل بسلام. أما ما نفعله عادةً فهو رفض هذا الرسول، فيستمر في رسالته إلى أن يصبح “هوية”، أو نتوهم نحن ذلك فيتحول من رسالة إلى معاناة مستمرة.
* هل يقدم الكتاب “روشتة” لوداع الأحزان، أم هو دعوة لاستيعاب الألم كجزء من التكوين الإنساني؟
– للأسف تربينا على تصنيف المشاعر إلى سلبية وإيجابية، واعتبر المجتمع بعض المشاعر “عاراً” لعجزهم عن التعامل معها. لذلك عندما كبرنا أصبحنا نرفض إظهار ضعفنا تجنباً للرفض. كتبتُ هذا الكتاب لنتعلم أن مشاعرنا كلها مقدسة ويجب حسن استقبالها واللطف في التعامل معها حتى ترحل بسلام.
* متى يكون الألم صديقاً، ومتى يصبح عدواً يجب رحيله؟
– هو صديق عندما تضعه في مكانه الصحيح؛ تسمعه وتأخذ رسالتك منه وتودعه بسلام. أما إذا أخذ أكبر من حجمه وأصبح “هوية” وجزءاً من تعريفنا لأنفسنا، فإنه يصبح عدواً. هناك فرق بين قولنا “أنا أشعر بالحزن” (وهنا الحزن ضيف) وبين “أنا شخص حزين” (وهنا أصبح الحزن عدواً تمكن مني).

* كيف تخدم دراستكِ لعلم النفس موهبتكِ الأدبية؟
– لا أخشى أن يطغى التحليل على الإبداع، فمرجعي الأول هو القرآن الكريم، حيث الأسلوب القصصي والسردي واستخراج العبر هو أقصر طريق لإيصال المعلومة. درست هذا الأسلوب لتصل رسالتي بشكل خفيف على القلب مع الحفاظ على عمق القيمة العلمية.
* القارئ اليوم يبحث عن “السهل الممتنع”؛ كيف بنيتِ جسر الثقة مع جمهور يبحث عن حلول سريعة؟
– بأن لا أكتب “حلولاً” جاهزة؛ فكما ذكرت، القرآن الكريم في سرديته يعتمد على وصف المشهد وإظهار المصير. أنا أظهر للقارئ شكل الحياة إذا استمر على معتقداته الخاطئة، وشكلها الأفضل إذا خاض تجربة التعافي، وأترك له حرية القرار. عندما يشعر القارئ بالحرية، يستجيب للتغيير.
* كلمة أخيرة لجمهورك ومحبيكِ؟
– كل منا بداخله الخير والشر، وما سترويه وتغذيه سينمو. إذا أردت تغيير حياتك، ألقِ نظرة على ما تغذيه بداخلك؛ هل هي رحمة الله الواسعة، أم المعاناة والألم ورؤيتك المحدودة عن نفسك والآخرين.