د. محمود زايد
يمثل عدوان إيران بمسيراتها على مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان العراق مسرور البارزاني ومنزل رئيس جهاز الأمن والاستخبارات (باراستن) في أربيل تصعيدًا خطيرًا يمسّ المنطقة برمتها، ولن يقف الأمر هذه المرة عند الإدانات المحلية والدولية الواسعة؛ إذ وُصف بأنه يعكس نهجًا يهدد ركائز الاستقرار في شرق أوسط يعد إقليم كوردستان أحد ركائزه.
يبدو أن إيران لا تريد أن تستوعب قناعةً آمنت بها القوى الدولية بأن إقليم كوردستان أثبت أنه رقم صعب في معادلة الأمان الإقليمية، وبات واحة للاستقرار وركيزة للتوازن الإقليمي. لكن هذا لم يشفع له عند إيران التي لم تخرجه من أهداف اعتداءاتها على دول وشعوب المنطقة؛ فمنذ اشتعال الحرب وحتى الآن قصفت إيران وأذرعها الميليشياوية محافظات إقليم كوردستان بأكثر من ألف اعتداء بالصواريخ وبالمسيرات أصاب بعضها أهدافًا اقتصادية ومدنيةً أدى إلى استشهاد وإصابة أبرياء وتخريب منازلهم.
من الضروري أن تعيد إيران النظر في موقفها العدواني على إقليم كوردستان ومواطنيه، وتقتنع بأن إقليم كوردستان لايزال وسط هذه الاضطرابات والنزاعات المسلحة والحروب بالوكالة، يعتمد استراتيجيته الخاصة القائمة على عدة محاور تفرض على الجميع بما فيهم إيران دعمه ومساندته وليس قصفه والعدوان عليه.
أولى هذه الاستراتيجيات أنه اتبع سياسة النأي بالنفس عن الصراع القائم، وتحاشي الاستقطاب من قبل هذا أو ذاك رافعًا شعار: «حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل». وفي أكثر من مناسبة عبر الرئيس مسعود البارزاني أن تفاوض سنة خير وأنجع من حرب ساعة، وأن الحروب لا تسفر إلا بمزيد من الدمار والخراب، والخصم من مقدرات الشعوب، وتوريث الكراهية والبغضاء للأجيال القادمة.
ثاني الاستراتيجيات أن إقليم كوردستان ركز جهوده خلال حكومة الرئيس مسرور البارزاني وسابقيها على جذب الاستثمارات الخارجية، وتطوير البنية التحتية، وتوفر ملجأ آمن للنازحين والأعراق المختلفة؛ مما جعله في نظر المنصفين والإنسانيين نموذجًا للبناء والتنمية في المنطقة.
ثالثها: حرص إقليم كوردستان (رئاسةً وحكومة وأحزابًا) على الالتزام بالدستور العراقي، واحترام القانون الدولي. ورغم اعتداءات إيران عليه، فإنه لايزال حتى الآن يعمل جاهدًا على حماية حدوده، وضمان أمن مواطنيه بالتعاون المستمر مع الحكومة الاتحادية في بغداد، وتأكيد إقليم كوردستان المتواصل على ألا تكون أراضي العراق منطلقًا لأي عدوان ضد دول الجوار، لكن المفارقة أن تأتي كثير من الاعتداءات على مدن الإقليم من الداخل العراقي نفسه عن طريق أذرع إيران ومليشياتها المسلحة!
رابعها: إسهام إقليم كوردستان في وقف النزاعات الداخلية في دول الجوار، ويتضح هذا بالدور الذي لعبه في كل من سوريا وتركيا من خلال الزيارات المكوكية والجهود البارزة لقادة الإقليم في دمشق وأنقرة لتظهر فيهما تحولات جديدة بمبادرات سلام ومحاولات نحو تعايش سلمي يحفظ حقوق جميع المكونات في إطار دستوري نافذ، وتحتاج إلى إرادة صادقة للتطبيق.
لكن مع الأسف، لم تعِ إيران ذلك، أو إنها تدركه وتتكابر. ومهما كانت نتائج هذه التصرفات الإيرانية فإن محصلتها تنم عن خطأ في حساباتها، وتؤدي إلى مزيد من التراجع في رصيدها الإقليمي؛ فمع تجاوز القصف لرقم الألف لايزال إقليم كوردستان ومواطنوه واقفين صامدين على قدميهم، وكم من أنفال راحت وأخرى أتت لم تستطع أن تقضي على الكرد وحقوقهم في الحياة.
إن اعتداءات إيران على إقليم كوردستان بما فيها المقار السيادية لقادته يحمل في طياته تداعيات عكسية ترتد على طهران نفسها قبل غيرها، كتآكل الثقة السياسية بكونها لا تحترم قواعد التوازن ولا مبادئ الدبلوماسية مما يضعف الثقة الإقليمية في أي تفاهمات مستقبلية.
وأيضًا، يخلق عدوان إيران الأخير على مكتب رئيس إقليم كوردستان عزلة إقليمية ودولية، ويرفع أسهم الرفض لها في المنطقة، بل ربما يخلق حالة عراقية جديدة تتفوق على النفوذ الإيرانية في بغداد بعد القناعة بأن إيران باتت الطرف المحرك للتوترات والاضطرابات في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تهدئة شاملة وبناء شبكة أمان إقليمية.
من المهم أن نقرر أن ضرب الرموز القيادية والمؤسسات الأمنية في إقليم كوردستان لا يمس الإقليم وحده، بل يهدد منظومة الاستقرار في العراق وعموم المنطقة، لاسيما إذا فشلت الحكومة العراقية الحالية في جهود حصر السلاح وفرض سيادة القانون، واستمراريتها في الحرج السياسي والسيادي الذي تعاني منه الآن.
إن الاعتداء على إقليم كوردستان العراق ومقار رموزه يهدد أكثر الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة العالميين بالتأثير السلبي على خطوط الإمداد والمشاريع الاستثمارية التي تعوّل عليها المنطقة للتعافي، إضافة إلى أن استهداف المراكز القيادية يزيد من احتمالات وقوع أخطاء استراتيجية قد تجر المنطقة بأكملها إلى مواجهات واسعة النطاق تنال من الجميع.
مع كل الأخطار السابقة، وبرغم ضغوطات القصف والعدوان، أعتقد أن خيار إقليم كوردستان العراق الأبدي بانتهاج الحكمة والاستقرار سيبقيه عصيًّا على الاستدراج إلى صراعات لا تخدم شعوب المنطقة، وسيبقى الشعب الكوردي حاملا لافتة: «نحن أقوى من الإرهاب».
إن تغافل إيران في تعاطيها مع استقرار إقليم كوردستان لن يغيّر من موقعه الراسخ كجسر للتواصل والسلام، بل سيظل يذكر القوى المعتدية بأن منطق القوة والاستعراض العسكري لن يبني علاقات جوار قائمة على الاحترام والتنمية المتبادلة.