التركي و الكوردي (نموذج شعب جمهورية تركيا)

د. توفيق رفيق آلتونچي

(الحاكم الظالم، سيسقط عن العرش) حكمة كوردية. ليس بالضرورة ان كل من تحدث التركية ان يكون من أصول تركية. الأتراك تواجدهم في الشرق ذو تاريخ حديث بالقياس مع شعوب المنطقة الأصليين فلا يزيد هجراتهم على ألف عام ونيف وهم جميعا جاءوا على شكل قبائل هاجروا من أواسط اسيا. لذا لا نجد اي اثر لهم او مدينة قبل الفين من الأعوام في المنطقة قاطبة فالأقوام القديمة من حثيين، فينيقيين، روم، يونانيين، بيزنطيين، كنعانيين، ارمن، كورد، سريان، روس، تتار وشعوب اخرى كثيرة كانوا يتواجدون على هذه الأراضي حسب الآثار التاريخية التي تركوها في مدن تركيا الحالية استانبول العاصمة البيزنطية وأنقرة عاصمة الحثيين وأنطاكيا احد أقدم مدن الشرق وأقدم كنيسة وجميع المدن الأخرى.

تركيا الحديثة رغم انها أسست على مبادئ العلمانية الحديثة اي فصل الدين عن الدولة وأفكار الغربية في التحديث مثل تغير العمامة والملبس وأسلوب الحياة وصولا إلى قوانين روما وحروف كتابة لغتهم اللاتينية لا تزال تعيش بأفكار العثمانيين وبفكرة قيادة المسلمين.

تاريخيا حيث صدر قرار بإلغاء الخلافة العثمانية نهائيًا في الثالث من آذار من عام ١٩٢٤. لكن تغير التركيب القومي للشعب موضوع آخر. فقد بقى شعوب تركيا الحديثة يتحدثون بلغاتهم لحد يومنا هذا. احاول في مادتي هذه معالجة موضوع حساس في المجتمع التركي الذي رفع شعار ” هنيئا لمن يقول أنا تركي” إلا وهو حقوق القوميات الثقافية.

بدأ أريد تذكير القارئ الكريم بان تلك السياسة في صهر الشعوب قوميا وتتريك الأقوام قد باءت بالفشل وان جميع قوميات وعقائد واديان شعب جمهورية تركيا الحديثة هم اليوم أكثر التصاقا بقوميتهم وثقافتهم. اليوم يعرف الجميع ان هناك فرق بين ان يكون المواطن من أصول كوردية او عربية وتركية ورومية والتركمان والسريان واليونانيين والقوميات الأخرى.

القليلون هم ممن يعرفون بان تركيا رسميا ومنذ تأسيس الجمهورية نعت الكورد ب “أتراك الجبال” وكان من نتائجها ان التاريخ الكوري تحول إلى تركي ومدن وثقافة والتراث والشخصيات وكل شىء تغير فجا من كوردي إلى نعتهم ب تركي وحتى في كتب المناهج الدراسية. بينما كان المثقف الكودي يحاول جاهدا التخلص من هذه الازدواجية ويقنع نفسه ويقدم نفسه في المجتمع الذي جرده من قوميته على أساس انه تركي وبمعنى غير قومي اي انه حضري ومن المدينة وأنه ليس قرويا من العشائر والقبائل الكوردية من الأناضول. وليس بالمعنى القومي للكلمة ان يكون تركيا ليس فقط لغة لا بل ثقافةً وأسلوب حياة.

الجدير بالذكر بان الدولة العلية العثمانية خلال اكثر من نصف دهر لم تعرف أبدا تميزا قوميا لا بل ان معظم زوجات السلاطين لم تكن من الترك فقد كان المسلمون ومن جميع إرجاء الدولة سواسية إلى سنوات ما قبل الحرب العالمية الأولى وظهور الحركات القومية فيما يسميه البعض (العثمنه) وهي حركة ذو أصول غربية كان هدفها إنهاء وإسقاط الدولة العثمانية من الداخل بواسطة الأقليات العرقية والدينية ونحن نعرف بانهم نجحوا في مسعاهم. الدليل ان اللغة التركية تكاد ان تكون منحصرة فقط بجزء من شعب تركيا نفسها بالقياس مع القوى الاستعمارية التي محت لغات شعوب معظم القارتين الأمريكتين وشعوب أفريقيا. يجب تغير كل المناهج والكتب التي تشير إلى ان جميع مواطني تركيا هم أتراك والإشارة إلى ان هناك تعددية قومية وعقائدية في مجتمع دولة تركيا وعلى المواطن ان يفتخر بانتمائه إلى الوطن اي ان يقول أنا مواطن من تركيا ولكني كوردي، عربي، سرياني، روم، يوناني، ارمني وهكذا.

قد نحتاج إلى اجيال لمسح الصبغة القومية التركية التي سادت منذ نهايات الحرب العالمية الأولى ولحد اليوم فالنسبة لهم وفي أدبياتهم حتى القائد الكوردي صلاح الدين الايوبي تركي لان أصله كوردي والكوردي هو في نهجهم “تركي جبلي” وعلى هذا القياس فان كل الشخصيات من قادة وشعراء هم أتراك. هذا التوجه وقفت عليه بنفسي اثناء دراستي الجامعية قبل اكثر من نصف قرن ونيف في تركيا وكان طبيعيا بالنسبة لهم حتى عند حديثي بالكوردية كانوا يقولون نعم انك تتحدث كاتراك الأناضول. أتذكر حين وصل موظفي التعداد السكاني عام ١٩٧٦ على ما أتذكر إلى بيتنا وكان عدد من الأصدقاء في البيت وتم تسجيلهم لكن الموظف الذي كان يسجل الانتماء القومي رفض ان يكتب القومية كورديةً لا بل أصر على ان يسجل الجميع بالأتراك.

علينا ان لا ننسى بان البرلمان التركي كان دوما خليطا من نواب الشعب وكان فيهم الكوردي الذي أصبح وزيرا وحتى رئيس جمهورية ورئيس وزراء ولكن طبعا من هؤلاء القلة الذين تتركوا على الأقل فيما يخص انتمائهم الثقافي إلى الحضر اي المدينة. الأكثر تأثرا كان المثقفون الذين يدرسون في الجامعات في المدن الكبيرة لان التعليم كان منحصرا باللغة التركية ومن ثم العائلات الغنية التي سكنت وانتقلت من الريف إلى المدن وربما عملوا موظفون في الدولة او مارسوا السياسة.

أتذكر جيدا كنت التقي بصديقي الأديب المرحوم احمد صاي في بيته في أطراف العاصمة ونتحدث في أمور الأدب وهو بالمناسبة والد الموسيقار البيانيست العالمي فاضل صاي وكنت التقي بالعديد من الادباء والشعراء هناك والغريب في الأمر معظمهم كانوا من أصول كوردية والأديب احمد كان ممن درس في المانيا ولكن لميوله اليسارية أبعد إلى قرى الأناضول في جنوب وجنوب شرقي البلاد وهذه هي التسمية الرسمية لكوردستان في تركيا . هناك ومع الاختلاط مع قومه كتب احد أجمل روياته ” الحصان” الذي يروي فيه كيف ترك حصان هزيل لا يقوى على الحركة في جبال وبراري الوطن فعاد يافعا. قبل أكثر من نصف قرن كنت أواصل دراستي الجامعية في العاصمة التركية وراعني هذا التناقض في الانتماء إلى الهوية القومية لاننا كنا لا نعرف هذا الشكل من الانتماء في العراق وجميع القوميات كانت تتعايش في ضل الوطن قبل ان تاتي الافكار القومية السلبية وتقسم الشعوب وتشتتها.

رفاقي في الجامعة القادمين من ريف كوردستان كانوا الأكثر تعرضا لهذه الظاهرة وبدا العديد منهم التحدث فقط بالتركية وحتى قال لي احدهم بانه حينما يعود إلى مدينته سيعلم والدته لغتهم الأم اي التركية. في حين كان اخرون يفتخرون بانتمائهم الكوردي وأغلبهم من حملة الفكر اليساري. الحقيقة التاريخية وفي بداية السبعينات وصل للحكم حزب الشعب الجمهوري وهو حزب أسسه مصطفى كمال المعروف بلقب (اتاتورك) وكان اتجاهاته يسار الوسط والعديد من الكورد أعضاء فيه لا بل كان الحزب تحت قيادة رجل مثقف يقال من أصول كوردية المرحوم بولند أجاويد الذي أصبح رئيسا للوزراء وانقلب لاحقا على أفكاره باحتلال العسكري لجزيرة قبرص وإعلان انفصال القسم التركي منه والذي فشل في مسعاه عالميا ولا تزال دويلة لم تعترف بها غير تركيا وأعتقد باكستان كذلك ويعتبرها الاتحاد الأوربي من دولها المحتلة اذ ان القسم اليوناني من الجزيرة عضوة في الاتحاد الأوربي.

لم تكن الدولة العثمانية دولة قومية إلا في آخر أيامها كنتيجة للهجمة الاستعمارية الغربية وهدفها في إنهاء وجودها وانهيارها والمعلوم تاريخيا بان تلك السياسة التي بدات أولى بوادرها بين المسيحيين في لبنان وانتشرت إلى ان وصلت الحجاز والى شريف مكة الحسين بن علي الذي عزل عام 1916 وبعد نحو 21 يومًا من بدء التمرد الذي قاده في الحجاز، حيث أصدر السلطان العثماني محمد الخامس محمد رشاد فرمانًا بعزله من إمارة مكة المكرمة (لم يكن تاريخيا اي أمير غير عربي حاكما في المكة المكرمة) ، وتعيين ابن عمه الشريف علي حيدر باشا أميرًا وشريفًا لمكة والحجاز. ثار الشريف على العثمانيين بمساعدة بريطانية من ضابط المخابرات المغامر توماس لورانس المعروف تحت اسم (لورنس العرب) وبدلا من تأسيس دولة قومية عربية له تشتت الديار وضاع ما ضاع وجاء اتفاقية سايكس – بيكو بما بقى من تشتيت وخرائط لمكونات سياسية هشة دخلت في صراعات حتى يومنا هذا.

اليوم يعود النقاش حول اللغة بعد بوادر السلام المعلنة من قبل الحكومة التركية حول إنهاء الكفاح المسلح لأحد الأحزاب الكورية (حزب العمال الكوردستاني) وإعادة السلام الىً ربوع تركيا واعتقد جازما بانه انعكاس مباشرة لنجاح تجربة اقليم كوردستان العراق هذا بتصوري الشخصي ورجاحة عقول السياسيين من كافة الأطراف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والتغيرات الجيوسياسية في اوربا والحروب والنزاعات المحلية في منطقة الشرق الأوسط جاء الحاجة الملحة للسلام بين شعوب ودول المنطقة وترجيح العقل والمنطق على الحرب والقتال.

لكني ارى كذلك بان تلك السياسة التركية القديمة لا تزال لها جذور حتى بين توركمان العراق ومع الأسف. لذا ترى القوميون منهم لا يزالون يتغنون بأسماء بعض الشخصيات والشعوب ذو الانتماءات المختلفة على أساس أنها تركية طبعا جريا على السياسة التركية القديمة وافكار حزب الحركة القومية التركية العنصرية والتي تنادي إلى الصفاء العرقي التركي متناسيا تماما بان تاريخهم في المنطقة لا يزيد عن الف عام وتواجدهم جاء عن طريق الغزوات ففي العراق مثلا كانوا ضمن جيش خراسان الإسلامي الذين غزو العراق وانهوا الخلافة الأموية في دمشق وأقاموا الخلافة العباسية في بغداد وكان الجيش بقيادة ابو مسلم الخرساني (هذه الشخصية يعتبره الأكراد منهم وبالنتيجة يعتبر تركيا كذلك حسب السياسة الرسمية لجمهورية تركيا ، تركيا الذي ينطبق على قائد آخر وهو صلاح الدين الأيوبي الذي يعتبره الأتراك تركيا كذلك في أدبياتهم ) ثم جاءوا مع السلاجقة والمغول والتتار وقبائل الخروف الأبيض والأسود والجلائريين وتاريخيا لم يدخلوا البلاد سلما .

اللغة اداة تواصل وتفاهم ولا يمثل إلا مجرد هوية ثقافية نرى اليوم ملايين الناس يتحدثون لغات أعدائهم ومحتليهم في الدول التي كانت مستعمرات بريطانية، فرنسية، أسبانية وبرتغالية ولكن فحوى نصوصهم وكتاباتهم كلها محلي تماما والنتيجة أدب رفيع باللغةً التركية ولكن ذو نكهة كوردية عند يشار كمال وأدب إنكليزي بنكهة هندية وأخرى إسبانية بنكهة أرجنتينية وأخير أليس كل قوم بما لديه فرحون؟ الأندلس
——————————————————-

الأديب يشار كمال و مرآة الألم

الشاعر ناظم حكمة محييا الشعب الكوردي في تركيا

مئوية جمهورية تركيا و حلم تحديث الدولة السلطان      

قد يعجبك ايضا