لاوين شكري ابراهيم
بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني
ثمة تواريخ تكتسب مع مرور الزمن معنى يتجاوز المناسبة نفسها، ويصبح حضورها مرتبطاً بذاكرة شعب ومسيرة أجيال. والسادس عشر من آب واحد من هذه التواريخ في الذاكرة الكوردستانية. ففي السادس عشر من آب عام 1946 تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وفي اليوم ذاته ولد في مهاباد الرئيس مسعود مصطفى بارزاني. مصادفة تاريخية اكتسبت مع مرور السنوات دلالة خاصة، فقد تزامن ميلاد الحزب مع ميلاد شخصية ستصبح لاحقاً جزءاً أساسياً من مسيرته ومن تاريخ الحركة الكوردستانية.
لم يكن تأسيس الحزب حدثاً منفصلاً عن الظروف التي كانت تعيشها كوردستان آنذاك. فقد كانت تجربة جمهورية كوردستان في مهاباد قد تركت أثراً عميقاً في الوعي السياسي الكوردي، وأظهرت في الوقت نفسه أن امتلاك الإرادة وحده لا يكفي لبناء تجربة سياسية قابلة للاستمرار وسط صراع إقليمي ودولي معقد. وفي ذلك المناخ جاءت ولادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة القائد الملا مصطفى بارزاني، لتفتح صفحة جديدة في العمل السياسي الكوردي.
أهمية تلك الخطوة أنها نقلت الحركة الكوردية إلى مرحلة التنظيم السياسي، وأعطتها إطاراً يمكنه أن يستمر ويتطور مع تغير الظروف. لكن ما هو أهم من التنظيم نفسه هو الرؤية التي أخذت تتبلور من خلاله. فالقضية لم تكن، في نظر القائد الملا مصطفى بارزاني، قضية منطقة أو حدود إدارية، وإنما قضية شعب توزعت جغرافيته بين دول عدة، وأصبح لكل جزء من أجزائه ظروفه ومساراته الخاصة.
وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط أهمية في التجربة البارزانية. لم تكن وحدة الكورد تعني بالضرورة أن تكون أحزابهم وتنظيماتهم نسخة واحدة في كل مكان؛ فالظروف في العراق ليست هي الظروف في إيران أو تركيا أو سوريا. لكن اختلاف الواقع السياسي لا يلغي وحدة التاريخ والهوية، ولا يمنع قيام علاقات وتفاهمات وتضامن بين أبناء الأجزاء المختلفة. وربما كان هذا هو المعنى العملي لفكرة كوردستان الواحدة في الوعي، حتى وإن بقيت مجزأة في الواقع السياسي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم علاقات القائد الملا مصطفى بارزاني مع الحركة الكوردية في مهاباد وإيران، وتجربته الطويلة في المنفى، ثم عودته إلى العراق واستمرار النضال. فلم يكن القائد البارزاني يتحرك داخل حدود جغرافية مغلقة، وكانت القضية الكوردستانية بالنسبة إليه أوسع من حدود المعركة في جنوب كوردستان.
وفي اليوم الذي ولد فيه الحزب، ولد أيضاً الرئيس مسعود بارزاني. وقد نشأ في بيئة لم تكن فيها السياسة شيئاً بعيداً عن حياة الأسرة والمجتمع. عاش تجربة الثورة منذ سنواته الأولى، والتحق بصفوف البيشمركة، وشهد مراحل صعبة من تاريخ الحركة الكوردية، ثم تولى رئاسة الحزب بعد وفاة والده القائد الملا مصطفى بارزاني عام 1979.
ولعل ما يلفت في مسيرة الرئيس مسعود بارزاني أنه لم يحاول أن يعيش تجربة والده بالوسائل نفسها. فلكل مرحلة أدواتها. كانت البيشمركة ضرورة في زمن كانت فيه حماية الوجود الكوردي تمر عبر الجبال والسلاح، لكن الظروف تغيرت، وأصبح التفاوض والعلاقات الدولية وبناء المؤسسات جزءاً أساسياً من حماية ما تحقق.
وهذا لا يعني أن قوة البيشمركة فقدت قيمتها، بل إن مفهوم القوة نفسه اتسع. فالبيشمركة بقيت رمزاً للدفاع عن الأرض والوجود، بينما أصبحت الدبلوماسية وسيلة للدفاع عن المصالح، وأصبحت المؤسسات السياسية والإدارية ضمانة لاستمرار المكتسبات. ولعل هذه القدرة على الانتقال بين الوسائل المختلفة هي واحدة من أبرز سمات النهج الذي تبلور عبر عقود.
كانت السنوات التي أعقبت ثورة أيلول مليئة بالتقلبات. اتفاق الحادي عشر من آذار 1970 فتح باباً مهماً أمام الاعتراف بالحقوق الكوردية، ثم جاءت أحداث 1975 لتكشف قسوة الحسابات الإقليمية والدولية، وتترك في الذاكرة الكوردية درساً لا يزال حاضراً: لا يمكن لأي حركة سياسية أن تتجاهل موازين القوى المحيطة بها، ولا أن تبني سياستها على الأمنيات وحدها.
ومن رحم تلك التجارب جاءت مراحل أخرى أكثر تعقيداً. انتفاضة عام 1991 فتحت الطريق أمام تجربة سياسية جديدة في جنوب كوردستان، ثم جاء سقوط النظام العراقي عام 2003 ليضع الكورد أمام فرصة تاريخية لبناء موقع دستوري ومؤسساتي داخل العراق. وهنا تحولت سنوات طويلة من نضال البيشمركة وتضحياتها إلى واقع سياسي له برلمان وحكومة ومؤسسات وعلاقات خارجية.
لكن أهمية التجربة لم تتوقف عند حدود جنوب كوردستان. فقد أصبح لإقليم كوردستان حضور مؤثر في المشهد العراقي والإقليمي، وأصبحت القوى الكوردية في الأجزاء الأخرى تنظر إلى ما تحقق في العراق باعتباره تجربة لها أهميتها، حتى وإن اختلفت ظروفها عن ظروفها الخاصة.
وفي السنوات الأخيرة ظهر هذا البعد بصورة أوضح في تحركات الرئيس مسعود بارزاني ومواقفه تجاه التطورات في سوريا وتركيا وإيران. ففي سوريا، كان حاضراً في الجهود الرامية إلى تقريب المواقف الكوردية وتشجيع الحوار ووحدة الصف، خصوصاً في مرحلة سياسية جديدة شديدة الحساسية. وفي تركيا ظل الحل السياسي والحوار من بين العناوين التي تحضر في مقاربته للملف الكوردي، مستفيداً من علاقاته مع مختلف الأطراف. أما في التعامل مع إيران، فقد برزت أهمية الحفاظ على استقرار إقليم كوردستان وعدم السماح بتحويل أراضيه إلى ساحة لصراعات الآخرين.
هذه المواقف، رغم اختلاف ظروفها، تكشف شيئاً واحداً: أن النهج لم يعد يعتمد على وسيلة واحدة. فالدبلوماسية اليوم أصبحت امتداداً آخر لقوة البيشمركة، لا بديلاً عنها؛ والقوة السياسية أصبحت جزءاً من حماية المكتسبات، كما أن الحفاظ على الاستقرار أصبح في بعض الأحيان شكلاً من أشكال حماية القضية.
ولعل هذا هو جوهر المسيرة كلها. فالقوة في النهج البارزاني لم تكن في عدم التغيير، وإنما في القدرة على التغيير من دون فقدان البوصلة. تغيرت الأدوات، وتبدلت التحالفات، وسقطت أنظمة وظهرت أخرى، لكن بقيت هناك ثوابت تتعلق بالوجود والهوية والحقوق والمصلحة الكوردية.
ومن المهم هنا ألا ننظر إلى هذا النهج باعتباره مشروعاً لتنظيم سياسي واحد في الأجزاء الأربعة، وإنما باعتباره رؤية ترى أن لكل جزء خصوصيته، وأن هذه الخصوصية يمكن أن تتعايش مع وعي كوردستاني مشترك. وهذا ربما أكثر واقعية وأكثر قابلية للاستمرار من محاولة فرض نموذج واحد على الجميع.
بعد ثمانية عقود، تبدو صورة السادس عشر من آب أكثر وضوحاً. ففي يوم واحد ولد حزب وقائد، ثم امتدت بينهما مسيرة طويلة من الثورة والبيشمركة والسياسة والدبلوماسية وبناء المؤسسات. مسيرة لم تكن خالية من الصعوبات والانتكاسات، لكنها أثبتت قدرتها على الاستمرار في ظروف لم تكن سهلة في أي مرحلة من مراحلها.
ولهذا فإن ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليست مجرد مناسبة لاستعادة الماضي. إنها أيضاً فرصة للتفكير في معنى الاستمرار. فالواقع الكوردستاني اليوم مختلف تماماً عن واقع عام 1946، والتحديات لم تعد نفسها، لكن الحاجة إلى قراءة المتغيرات بواقعية، والحفاظ على وحدة الوعي، واحترام خصوصية كل جزء، وعدم تحويل الخلافات إلى صراعات داخلية، تبقى ضرورية.
في السادس عشر من آب ولد حزب، وفي اليوم نفسه ولد الرئيس مسعود بارزاني. وبعد ثمانية عقود، ربما يكون أفضل ما تختصر به هذه المسيرة هو عبارة واحدة: ثبات في الهدف، ومرونة في الوسيلة، وإيمان بأن القضية الكوردستانية أكبر من حدود حزب أو جزء من كوردستان.
وهذه هي القيمة التي تجعل السادس عشر من آب حاضراً في الذاكرة الكوردستانية، لا كتاريخ تأسيس فحسب، وإنما كجزء من مسيرة ما زالت مفتوحة على المستقبل.