رسن جتو مراد
فك عقدة جرف الصخر
تكتسب منطقة جرف الصخر أهمية استراتيجية وجيوسياسية بالغة الاستثنائية في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها العراق، حيث تمثل تقاطعاً حيوياً بين بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية، فضلاً عن قربها المباشر من صحراء الأنبار والحدود الغربية. إن هذا الموقع التكتيكي جعل من المنطقة على مدى السنوات الماضية معقلاً أمنياً مغلقاً ومحوراً رئيسياً لخطوط الإمداد والتأثير الممتدة عبر الحدود الاقليمية، مما يطرح ملفها كعقدة رئيسية أمام أي مشروع يهدف إلى بناء الدولة وسيادة القانون.
وفي التوقيت الراهن الذي تسعى فيه الدولة العراقية إلى الانتقال من مرحلة التوازنات الهشة إلى فرض الهيبة الكاملة، تحولت جرف الصخر من مجرد رقعة جغرافية إلى رمز لاختبار إرادة المؤسسات الأمنية والتنفيذية في تطبيق مبدأ حصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الرسمية دون غيرها.
إن تفكيك معضلة جرف الصخر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة الإدارة الحكومية برئاسة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي على إحداث توازن دقيق بين المتطلبات الأمنية الداخلية والضغوط الإقليمية المتقاطعة. ويتوقف نجاح رئيس الوزراء في إدارة هذا الملف المعقد على امتلاكه لرؤية سياسية وأمنية شجاعة تستند إلى دعم المؤسسات الأمنية العسكرية الرسمية، فضلاً عن بناء توافق وطني يساند قرار فرض السيادة على جميع الأراضي العراقية وإلغاء المناطق المغلقة أو الخارجة عن نطاق التفتيش والرقابة الحكومية.
إن إنهاء الإشراف غير الحكومي على هذه المنطقة يتطلب خطوات تدريجية لكنها حازمة، تشمل استبدال القوات الموجودة بقطعات عسكرية وأمنية نظامية، وإعادة تفعيل دور الأجهزة الاستخباراتية والقضائية، وفتح الطريق أمام عودة النازحين والتدقيق الأمني الشامل لتجريد أي قوى غير نظامية من الذرائع والغطاء المحلي.
وعلى صعيد العلاقات الإقليمية وقطع خطوط الدعم والنفوذ، فإن ملف جرف الصخر يشكل حجر الزاوية في إعادة رسم حدود الدعم اللوجستي العابر للحدود. وإن مقدرة رئيس الوزراء على إغلاق هذه الممرات والمنافذ غير الرسمية تعتمد بشكل مباشر على تعزيز حماية الحدود الدولية وزيادة الانتشار العسكري على طول الشريط الممتد نحو الغرب، إلى جانب تقليم أظافر أي تشكيلات تعمل خارج إطار القيادة العامة للقوات المسلحة.
إن تحقيق هذا الهدف سيمثل خطوة تاريخية نحو تجريد الأطراف الإقليمية وفي مقدمتها إيران من أحد أهم ممرات التأثير الميداني واللوجستي داخل الساحة العراقية، مما يحجم قدرة أي طرف خارجي على استخدام الأراضي العراقية كمنصة لتصفية الحسابات أو التأثير على الأمن الإقليمي.
وفي الخاتمة، يظل التحدي الأكبر أمام رئيس الوزراء علي فالح الزيدي متمثلاً في مدى صموده أمام التبعات السياسية والأمنية الناجمة عن فتح هذا الملف الشائك. إن إحراز تقدم ملموس في جرف الصخر لا يعني مجرد استعادة سيطرة جغرافية، بل يمثل الإعلان الفعلي عن بدء مرحلة جديدة تعود فيها الدولة العراقية بصفتها صاحب الاحتكار الحصري للسلاح والقرار الأمني.
وإن نجاح الحكومة في فك هذه العقدة المستعصية سيشكل معياراً حقيقياً لمستقبل الاستقرار في العراق ومدى قدرته على بناء مؤسسات قائمة على المواطنة والسيادة الكاملة بعيداً عن أشكال النفوذ والتأثير الخارجي