محمد منصور
لم تعد المعركة الإعلامية اليوم تدور حول نقل الخبر فحسب، بل أصبحت تدور حول من يملك القدرة على صناعة الصورة الذهنية للمتلقي، ومن يحدد له كيف يرى الماضي والحاضر، فالإعلام قادر على أن يضيء جانبًا من الحقيقة ويترك جانبًا آخر في الظل، وبذلك قد يتحول من وسيلة لتفسير الواقع إلى أداة لإعادة تشكيله
ويُعبّر المفكر الأمريكي نعوم شومسكي عن خطورة ذلك بالقول «البروباغندا في الأنظمة الديمقراطية بمثابة الهراوة في الأنظمة الديكتاتورية» وهي عبارة تلخص فكرة أن السيطرة على الجمهور في البيئات الديمقراطية قد لا تحتاج إلى القمع المباشر، بل يمكن أن تتم عبر التأثير في الوعي، وانتقاء المعلومات، وتكرار الرسائل، وصناعة رواية تبدو مقنعة .
وفي المقابل تُنسب إلى الصحفي جوزيف بوليتزر مقولة تؤكد قيمة المهنية الصحفية «الصحافة المهنية النزيهة هي التي تمتلك الذكاء لمعرفة الحق، والشجاعة للقيام به» فالمهنية لا تعني نقل ما يرضي الجمهور أو المؤسسة، وإنما البحث عن الحقيقة والتحقق منها، حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة ، أما المفكر والصحفي الأمريكي والتر ليبمان ، صاحب الإسهام البارز في مفهوم الصورة الذهنية والرأي العام، فقد أوضح في كتابه الرأي العام أن الإنسان لا يستطيع الإحاطة بكل تفاصيل العالم الخارجي، ولذلك تتكون في ذهنه صور ذهنية مبسطة عن الواقع، ومن خلالها يفسر الأحداث ويتخذ مواقفه، وهذه الفكرة تفسر جانبًا مهمًا من قوة الإعلام فالمتلقي لا يتعامل دائمًا مع الواقع كما حدث، وإنما مع الصورة التي وصلته عن ذلك الواقع .
ومن هنا تظهر خطورة البروباغندا في صناعة الذاكرة الجماعية، ولا سيما عندما تتجه بعض الجهات في الوقت الحاضر إلى إعادة تقديم الماضي القريب بصورة انتقائية، أو تزيين صفحات قاتمة منه، أو قلب مواقع الضحية والجلاد، أو تحويل الإخفاق إلى إنجاز، والمشكلة إلى بطولة، فالتكرار المستمر للرواية ذاتها، مدعومًا بالصور والأرشيف والمقاطع المنتقاة، يمكن أن يمنح الرواية المصطنعة مظهر الحقيقة، خصوصًا لدى الأجيال التي لم تعش الأحداث بصورة مباشرة .
وهنا تكمن خطورة الصورة الإعلامية، فـالصورة ليست بريئة دائمًا من الدلالة، زاوية التصوير، واختيار اللقطة، والموسيقى، والتعليق، والعنوان، وترتيب المشاهد، وحتى ما يتم حذفه من القصة، كلها عناصر قادرة على توجيه إدراك المتلقي .
لكن الإعلام المهني يختلف عن البروباغندا في نقطة جوهرية، فالمهني لا يطلب من المتلقي أن يصدق، بل يمنحه ما يكفي ليفكر ويحكم، أما البروباغندافتسعى غالبًا إلى الوصول بالمتلقي إلى النتيجة التي تريدها الجهة المنتجة للرسالة .