نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس من السهل أن نكتب عن رحيل شخصية من طراز حسين عارف؛ فنحن لا نودع أديباً أو روائياً أو صحفياً أو محامياً ومثقفاً يسارياً فحسب، بل نودع صفحة مضيئة من صفحات الثقافة العراقية والكوردية، ونستعيد في الوقت نفسه سيرة رجل عاش الأدب مسؤولية، والفكر موقفاً، والنضال التزاماً أخلاقياً تجاه الإنسان والحرية والعدالة.
غاب حسين عارف في مدينة السليمانية يوم 12 آب 2026، عن عمر ناهز التسعين عاماً، بعد حياة حافلة امتدت على مدى عقود، تداخلت فيها الثقافة بالسياسة، والأدب بالصحافة، والفكر بالموقف، وظل خلالها وفياً للأسئلة الكبرى التي رافقت جيله: سؤال الحرية، والعدالة، وكرامة الإنسان، ومصير الوطن.
ولم يكن إرثه الأدبي والفكري مجرد عناوين في قائمة مؤلفات، بل حصيلة تجربة طويلة عاش فيها الكاتب داخل التاريخ، لا على هامشه. فقد كان من المثقفين الذين لم يفصلوا الكتابة عن الحياة، ولا الأدب عن المجتمع، ولا الموقف الفكري عن المسؤولية الإنسانية. ولهذا جاءت الرواية والقصة والمسرح والنقد والصحافة والتوثيق عنده وجوهاً متعددة لمشروع ثقافي واحد.

ولد حسين عارف عبد الرحمن في السليمانية عام 1936، ونشأ في بيئة كوردية غنية بالتحولات السياسية والثقافية. أكمل دراسته الأولى في مدينته، ثم انتقل إلى بغداد، حيث درس القانون في جامعة بغداد وتخرج في كلية الحقوق عام 1965.
غير أن دراسة القانون لم تكن خاتمة تجربته، بل كانت إحدى روافدها. فقد وجد نفسه أكثر التصاقاً بعالم الثقافة والصحافة والأدب، فاشتغل في مجالات متعددة، جامعاً بين المعرفة القانونية والعمل الصحفي والإبداع الأدبي.
عمل في دار الثقافة والنشر الكوردية التابعة لوزارة الثقافة والإعلام العراقية، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة (كاروان ـ القافلة) التي مثلت مساحة ثقافية مهمة في المشهد الكوردي، كما عمل محرراً في مركز (گلاويژ). ولم تكن الصحافة بالنسبة إليه مجرد مهنة تحريرية، بل كانت امتداداً لمشروعه الفكري والثقافي، ومنبراً للتفاعل مع قضايا المجتمع وأسئلته المتشابكة.
لم يبق حسين عارف بعيداً عن الحياة العامة، بل شارك فيها بصورة مباشرة، وانتخب عضواً في الدورة الأولى لبرلمان كوردستان. وفي تجربته السياسية برزت سمات أخرى من شخصيته: الاستقلالية، والجرأة في التعبير، والدفاع عن الحقوق والحريات، والابتعاد قدر الإمكان عن منطق الحسابات الضيقة التي كثيراً ما تفرض نفسها على المثقف حين يدخل المجال السياسي.
وقد كان هذا التداخل بين الثقافة والموقف السياسي جزءاً من طبيعة جيله؛ جيلٍ رأى أن المثقف لا يستطيع أن يعيش خارج أسئلة عصره، وأن الصمت أمام القهر ليس دائماً موقفاً محايداً.
كان حسين عارف من الأسماء التي أسهمت في إثراء المشهد الأدبي الكوردي والعراقي، ولم تحصر تجربته في جنس أدبي واحد. فقد كتب الرواية والقصة والمسرح، واشتغل بالنقد والبحث والتوثيق، وترك مجموعة من الأعمال التي تكشف عن اتساع اهتماماته وتعدد أدواته.
كان عضواً في اتحاد الكتاب العراقيين، واتحاد الكتاب الكورد، ونقابة صحفيي كوردستان، كما ارتبط بجماعة (روانگه ـ المرصد) الأدبية التي ظهرت في سبعينيات القرن العشرين، وكانت فضاءً ثقافياً للتجريب والحوار والانفتاح على الحداثة والتجديد.
وقد ضمت هذه الجماعة أسماء أدبية مهمة، من بينها الشاعران شيركو بيكه س وعباس عبد الله يوسف، لتصبح مساحة ثقافية تبحث عن لغة جديدة تتجاوز القوالب الجامدة، وتستجيب للتحولات الاجتماعية والثقافية التي كان يعيشها العراق وكوردستان.
من أبرز أعمال حسين عارف رواية (المدينة)، التي صدر مجلدها الأول عام 1986، ثم صدر مجلدها الثاني عام 2001 في السليمانية. وله كذلك مجموعة (الشاي الحلو) التي ضمت قصصه، ومجموعة (قطيع الذئاب) الصادرة عام 1983، فضلاً عن أعمال سردية أخرى.
وفي هذه الكتابات لم يكن الروائي يكتفي بتشييد الحكاية، بل كان ينفذ إلى أعماق الإنسان، ويتتبع علاقته بالمكان والسلطة والمجتمع والذاكرة. ولذلك يمكن قراءة مشروعه السردي ضمن ذلك التيار من الأدب العراقي والكوردي الذي سعى إلى تحويل التجربة الإنسانية إلى مادة أدبية قادرة على حفظ الذاكرة، من دون أن تتخلى عن شروط الفن والجمال.
ومن أعماله أيضاً كتاب (كوكتيل) الصادر عن مؤسسة سردم للطباعة والنشر في السليمانية عام 2005، وكتاب (عمر في العبودية) في مجلدين، و(زاد سفر شاق)، وكتاب (ببليوغرافيا سنتين من عمر مجلة كاروان ـ القافلة 1982-1984).
كما ترك جانباً من سيرته وتأملاته في كتاب (فكر إنسان وعام من العمر: مذكرات حسين عارف)، وهو عمل يضيء جوانب من تجربته الشخصية والفكرية.
وفي المسرح كتب (سيادة الوحش)، وله كذلك (مدرسة الشعر الحديث) و(العش)، وكتاب (روانگه ـ المرصد: الأصدقاء والخصوم)، فضلاً عن (في ساحة النضال: قصص من نتاج ما بعد الثورة).
إلى جانب الإبداع، كان حسين عارف معنياً بالبحث والتوثيق، وهي زاوية أساسية في مشروعه الثقافي. فقد كتب في القصة والأدب الكوردي، ومن أعماله (القصة الفنية الكوردية) و(ببليوغرافيا القصة الكوردية)، فضلاً عن كتابه (كتاباتي في مجال النقد والبحث للأعوام 1955-1988).
وهذه الأعمال لا تمثل مجرد عناوين إضافية إلى منجزه، وإنما تكشف عن وعي بأهمية حفظ الذاكرة الأدبية وتوثيق الحركة الثقافية، خصوصاً أن كثيراً من التجارب الأدبية العراقية والكوردية عانت طويلاً من الإهمال، وضياع الوثائق، وتشتت المصادر.
من هنا تكتسب جهوده التوثيقية أهمية خاصة؛ فهو لم يكن يكتب الأدب وحسب، بل كان يساهم أيضاً في كتابة تاريخ الأدب الذي عاشه، وفي حفظ أسماء وتجارب ووقائع كان يمكن أن تتعرض للنسيان.
إن قيمة حسين عارف لا تختصرها كثرة الكتب التي تركها، وإنما تتجلى قبل ذلك في الطريقة التي عاش بها تجربته. لقد عاش زمناً عراقياً بالغ الاضطراب، شهد الانقلابات والاستبداد والحروب والقمع والمطاردات والمنفى والتحولات السياسية الكبرى. وكان أمام المثقف في مثل تلك الظروف أكثر من طريق: الصمت، أو الانكفاء، أو الابتعاد عن المواجهة، أو الاكتفاء بالكتابة من منطقة آمنة. لكنه اختار الطريق الأكثر صعوبة، وظل قريباً من الأسئلة التي صنعت جانباً كبيراً من مأساة العراق الحديث.
ولذلك فإن استعادة سيرته اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة للرثاء، بل محاولة لاستعادة معنى الثقافة حين تكون فعلاً أخلاقياً، ومعنى الكتابة حين تصبح شهادة على العصر.
كان حسين عارف من جيل آمن بأن الكلمة موقف، وأن المثقف لا يعيش خارج التاريخ، وأن الكتابة يمكن أن تكون مقاومة للنسيان. وقد دفع هذا الجيل أثماناً باهظة بسبب مواقفه، لكنه ترك للأجيال اللاحقة درساً مهماً في معنى الاستقلال الثقافي، والتمسك بالحرية، والانحياز إلى كرامة الإنسان.
عرف العراق وكوردستان خلال العقود الماضية أسماء كثيرة حملت هموم الوطن والمجتمع، غير أن قلة استطاعت أن تجمع بين الإبداع الأدبي، والعمل الصحفي، والبحث والتوثيق، والممارسة السياسية كما فعل حسين عارف.
ولهذا فإن رحيله يمثل خسارة مزدوجة: خسارة لكاتب أغنى المكتبة العراقية والكوردية، وخسارة لذاكرة ثقافية كان هو واحداً من شهودها وصانعيها.
فالأدباء لا يتركون خلفهم الكتب وحدها. إنهم يتركون أيضاً علاقات وصداقات ومواقف وشهادات وذكريات، ويتركون أثراً في وعي الذين عرفوهم أو قرأوا لهم. وهذا الأثر هو الذي يمنح الحياة الثقافية استمراريتها، ويجعل الموت نهاية الجسد لا نهاية التجربة.
في زمن تتراجع فيه قيمة الثقافة أمام ضجيج السياسة، وتتحول المعرفة أحياناً إلى سلعة، تبدو سيرة حسين عارف أكثر حضوراً وإلحاحاً. إنها تذكرنا بأن المثقف يستطيع أن يكون صاحب موقف من دون أن يفقد حساسيته الجمالية، وأن المناضل يمكن أن يحمل الكتاب إلى جانب الراية، وأن الروائي يستطيع أن يكون شاهداً على عصره من دون أن يتحول أدبه إلى منشور سياسي مباشر.
كان حسين عارف واحداً من أولئك الذين آمنوا بأن الحرية ليست شعاراً، وأن الثقافة ليست زينة، وأن الكتابة مسؤولية. ومن هذه الزاوية ينبغي أن نقرأ تجربته ونستعيدها؛ لا بوصفها ماضياً انقضى، وإنما بوصفها جزءاً من سؤال حاضرنا عن دور المثقف، ومعنى الاستقلال، ووظيفة الأدب في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتقلص فيه مساحات الحوار.
رحل حسين عارف القاص والروائي والمحامي والمثقف الكوردي، تاركاً وراءه منجزاً متنوعاً وشهادة طويلة على زمن عراقي وكوردي حافل بالعواصف. رحل الجسد، لكن النصوص بقيت، والذاكرة بقيت، والأسئلة التي حملها في حياته لم ترحل معه.
رحم الله حسين عارف، الروائي والمفكر والصحفي والمناضل، وأحد الوجوه البارزة في مسيرة الثقافة العراقية والكوردية.
وداعاً لصديق عرفناه في زمن الجبال والمطاردات، وظل يحمل في ذاكرته وكتاباته وجع وطنٍ لم يتوقف عن البحث عن حريته.
وداعاً حسين عارف، وستبقى كتبك شاهدة، وستظل سيرتك جزءاً من ذاكرة جيل آمن بأن الكلمة تستطيع أن تقاوم، وأن الثقافة قادرة على أن تنتصر على النسيان.