كوردستان في مرمى إيران.. من استهداف المعارضة إلى اختبار حدود السيادة

زينه عبدي

في ظل السياق الراهن من الصراعات الإقليمية، لم يعد بالإمكان اعتبار الهجمات الإيرانية على جنوب كوردستان (إقليم كوردستان العراق) مستجدات للحالة الأمنية الميدانية أو هدفا تكتيكيا، فخلال العقود المنقضية استُهدِفت أربيل من قبل طهران بذريعة تواجد الأمريكي فيها أو بسبب تمركز مقرات لمعارضة كوردية إيرانية، أما ما يحدث الآن من هجوم مباشر على مراكز القرار في الإقليم، سيما الذي حدث في 17 آب/أغسطس، يضعنا أمام منظور ومقاربة مغايرة لتفكيك وتقييم الإشارات الإيرانية الواردة واستقراء تحليلي لأبعادها وخطابها وسقوف المواجهة.

فالهجوم الأخير على مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان يحمل في طياته إشارة واضحة لطبيعة الهدف الإيراني المتمثل باستهداف مركز الثقل السياسي في أربيل، لذا نتساءل: هل تحولت أربيل إلى هدف محوري وقائم في الاستهدافات الاستراتيجية الإيرانية، أم مجرد صندوق بريد لرسم سقف نفوذ جديد، وبالتالي فرض قواعد اشتباك ورسم معادلات أمنية وسياسية جديدة؟

تقف أربيل اليوم في قلب حقل ألغام سياسي وأمني متعدد الأبعاد، تتداخل فيها تعقيدات جيوسياسية واسعة وفقا لحسابات محلية وإقليمية. وبين الشواغل الأمنية التي تتذرع بها طهران، والرفض الصارم من أربيل وبغداد لإدخال الأراضي الكوردستانية والعراقية في أتون النزاعات الإقليمية، يطفو السؤال: أمام هول التحديات، كيف ترسم أربيل ملامح أمنها واستقلالية قرارها، وأين تقف بغداد من حماية إقليم كوردستان وسط الانتهاكات السيادية المباشرة؟

لماذا أربيل؟

يمتلك إقليم كوردستان العراق موقعا سياسيا وجغرافياً بالنسبة لإيران، حيث يعد مقرا رئيسيا لتنظيمات كوردية مناهضة لطهران من جهة، الأمر الذي يضع إيران أمام معادلة حساباتها المفصلية وعلى وجه الخصوص الأمنية في الداخل الإيراني، وما يؤكد ذلك هو الهجوم الإيراني المتكرر على التمركزات الميدانية والقواعد اللوجستية على الشريط الحدودي لتلك القوى بالقرب من أربيل في أغسطس/آب الجاري، رغم أن تلك القوى لم تتحرك ضد إيران قيد أنملة وفقا للاتفاقية الأمنية التي تمت بين إيران والعراق، وكان الإقليم طرفا فيها، وتم نزع السلاح من تلك المعارضة الكوردية ونقلها إلى المناطق الغربية في العراق، وهذه تعد من الحجج الواهية في عملية الهجوم، يستبعد تصديقها من الطرف الإيراني بتاتا.

ومن جهة أخرى، تشكل مكانة الإقليم الاستراتيجية بالنسبة لإيران ثقلا حيويا يتخطى حدود الملف الأمني للقوى المعارضة الكوردية من شرق كوردستان، ليتجلى في كونه ساحة تماس جوهرية في معادلة النفوذ الإيراني. فالإقليم ذاته أضحى عقدة استراتيجية تتضارب فيها المصالح العابرة للحدود على المستويات الإقليمية والدولية؛ تمتع الإقليم بحكم ذاتي، علاقات وتحالفات سياسية متطورة مع عدة جهات إقليمية ودولية، مرتكزات النفوذ المالي واستحقاقات الطاقة، لذا فإن أي تصعيد سياسيا كان أو أمنيا ضد أربيل، سينعكس مباشرة على بعض الأطراف الإقليمية والدولية رفقة رسائل مشفرة موجهة إليها بشكل غير مباشر (على سبيل المثال واشنطن وبغداد).

بناء عليه، يفسر الهجمات المتكررة على أربيل بوصفها مساع إيرانية لتطويق المخاطر وتفكيك بؤر التهديد القادمة من خارج حدود دولتها من جهة، ومحاولاتها الحثيثة لديمومة الضغوطات الأمنية على أربيل بهدف تحييد أراضي الإقليم ليس لأجل مصالح حدود جيرانها على الشريط الحدودي، بل من أجل منع تحولها إلى منصة تهديد عابرة للحدود والتي قد تستخدم ضد أمنها القومي في العمق من جهة ثانية؛ رغم أن الإقليم أكد في أكثر من بيان أنها لن تسمح باستخدام أراضيها. ناهيك بانزعاج إيران التام من ورقة النفط (عبر مضيق هرمز) التي تمتلكها أربيل؛ حيث أعلنت حكومة إقليم كوردستان أنها على استعداد تام لرفع التصدير من خلال طرق أخرى، وهذا ما أكد عليه علي الزيدي، رئيس مجلس الوزراء العراقي، أثناء اجتماعه بحكومته وطلبه تقديم مقترحات لإيجاد بدائل عن مضيق هرمز؟

من جانب آخر، لا يمكن تجاهل الدور الأمريكي في قراءة الهجمات الإيرانية على أربيل بسبب العلاقة السياسية والأمنية بينهما، لذلك ومع التصعيد المستمر بين واشنطن وطهران، يطرح السؤال نفسه: هل تستمر طهران في ضرب أربيل بسبب أمريكا، رغم سحب واشنطن منظومة باتريوت من محيط مطار أربيل الدولي (التي كانت طرفا فاعلا في صياغة معادلات التوازن والردع الإقليمية) من جهة، والبدء بتقليص دورها العسكري في العراق من جهة أخرى؟ ضمن التفاهمات الثنائية لجدولة عملية الانسحاب بحلول نهاية سبتمبر/أيلول.

وفي ذات السياق، يظهر المشهد أن الرؤية الاستراتيجية الإيرانية تتجاوز ملف الوجود العسكري الأمريكي على أراضي الإقليم، لتطال وزن أربيل الأمني والسياسي ومكانتها في المعادلة الإقليمية، وهنا لا بد من الإشارة إلى المفارقة الحقيقية والأهم، المتمثلة بانكفاء التواجد الأمريكي لن يسقط الذرائع الإيرانية، بل قد يزيد فرص فتح الأبواب أمام الإقليم ليغدو فاعلا حقيقيا أكثر من ذي قبل استنادا إلى الاستجابة الذاتية المستقلة لاحتواء المخاطر الخارجية.

والنقطة الأبرز والأهم، لا يروق لإيران أن يكون للإقليم هذا الاسم بحد ذاته وتخشى على الدوام من تجربتها سيما في الظروف التي تمر بها؛ تحاول طهران قدر الإمكان خلق الفوضى، وتسعى لأن تكون أربيل بيئة غير آمنة وغير صالحة للاستثمار والاقتصاد.

أين تقف بغداد؟

موقف بغداد الرسمي واضح وتتعامل مع الهجمات الإيرانية باعتبارها خطرا حقيقيا لأمن العراق، عبر إدانتها استهداف إقليم كوردستان، والتأكيد المتكرر على الرفض الصارم لاستخدام الأراضي العراقية ساحة للصراعات والنزاعات الإقليمية سيما تلك المرتبطة بالصراع الأمريكي-الإيراني الراهن. وقد شكلت لجنة لتقصي الحقائق والمباشرة في التحقيق لكشف ملابسات قضية استهداف مكتب رئيس حكومة الإقليم، ولكن إلى الآن دون ورود نتائج تذكر.

وستقاس قوة الموقف العراقي وفقا لما ستتخذه من إجراءات عملية حقيقية على الأرض لمنع حدوث مثل هذه الهجمات والاعتداءات مرة أخرى على الإقليم، لا استنادا للبيانات المنددة، وقد كثفت مساعيها الدبلوماسية عبر التواصل مع الجانب الإيراني، فتكرار الهجمات يفرض وبشكل عاجل ترسيخ التعاون والتنسيق السياسي والأمني بين الجانبين، لكن المشكلة الأساسية تكمن في الحدود العملية للموقف والتي من المفترض أن توقف الهجمات على الإطلاق دون تكرارها.

أربيل أمام مختبر الردع

في خضم الوضع المتوتر أمنيا وسياسيا عبر تصاعد الاستهداف الإيراني وتراجع الحضور الأمريكي، تواجه أربيل اختبارا جديدا يفرض عليها إعادة صياغة حساباتها على كافة المستويات من خلال:

تعزيز القدرات الذاتية بصورة أشمل عبر تطوير منظومات الدفاع والمنشآت الحيوية والمطارات؛ الأمر الذي يفرض على الإقليم إعادة بناء معادلة الردع الخاصة بها بعيدا عن الاحتماء بالخارج أو طلب المساعدة من أطراف أخرى مستقبلا لحماية أراضي الإقليم ومصالحه.

انكفاء الحضور الأمريكي يفرض على الإقليم إعادة ترتيب أولوياته الأمنية من خلال التنسيق مع بغداد لتأمين حدود الإقليم وأجوائه.

يتوجب على أربيل إعادة رسم علاقتها مع طهران وضبطها بالصورة التي تحقق توازنا فعليا بين الحد من مخاطر الانزلاق وحماية أمنها وقرارها السياسي.

وبين هجمات طهران وحساباتها، وتحديات أربيل، وموقف بغداد، وتراجع المظلة الأمريكية، تجد أربيل نفسها أمام معادلة دقيقة وحساسة: فهل يتجه إقليم كوردستان نحو بناء معادلة ردع مستقلة تحفظ أمنه وقراره السياسي والسيادي، أم أنه سيبقى خاضعا للتجاذبات الإقليمية وأسيرها؟

قد يعجبك ايضا