التحول نحو ريادة الأعمال والعمل عن بُعد، وأثر ذلك على الاستقرار الوظيفي والاجتماعي

 

اعداد ـ التآخي

يمثل التحول المتسارع للأجيال الجديدة نحو ريادة الأعمال والعمل عن بُعد انتقالا جيليا وفكريا يتجاوز مجرد تغيير نمط العمل التقليدي، ليطال بنيان الاستقرار الوظيفي والاجتماعي بأسره. وتتمثل دوافع التحول نحو ريادة الأعمال والعمل عن بُعد بالبحث عن الاستقلالية والمرونة ويتعلق ذلك برغبة الأجيال الجديدة (الجيل Z وجيل الألفية) في التخلص من قيود البيروقراطية الوظيفية وساعات العمل المكتبية الجامدة، وإعطاء أولوية للتوازن بين الحياة الشخصية والعملية (Work-Life Balance)، والتطور التقني وسهولة الوصول للأسواق.

ان انتشار البنية التحتية الرقمية، ومنصات العمل الحر العالمية، ووسائل الدفع الرقمي، جعل الوصول إلى الأسواق العابرة للحدود أسهل وأقل تكلفة. كما توفرت مصادر التعلم المفتوحة واكتساب المهارات التقنية والبرمجية من دون الحاجة لمسارات تعليم أكاديمي تقليدية طويلة.

كانت تحديات أسواق العمل التقليدية تتمثل في انكماش فرص التوظيف الحكومي والقطاع الخاص المنظم مقارنة بأعداد الخريجين المتزايدة، وتآكل القوة الشرائية للأجور الثابتة في ظل التقلبات الاقتصادية، مما دفع الشباب للبحث عن مصادر دخل متعددة بالعملات الأجنبية عبر الإنترنت.

وأثر التحول على الاستقرار الوظيفي بنشوء مفهوم جديد للأمان المهني، والتحول من “الأمان الوظيفي” إلى “الأمان المهني (Employability)”، كما تراجع مفهوم الوظيفة مدى الحياة لحساب امتلاك مجموعة مهارات قابلة للتسويق والتطوير المستمر، وتحول الاستقرار من البقاء في مؤسسة واحدة إلى القدرة على التكيف مع مشاريع وعملاء متعددين والعمل في منصات متعددة في الوقت نفسه.

وقد تنبثق مخاطر وتقلبات مالية تنجم عن ذلك، مثل غياب المزايا التقليدية مثل التأمين الصحي، والتقاعد المضمون، والإجازات مدفوعة الأجر للنسبة الأكبر من العاملين لحسابهم الخاص، وهشاشة في الدخل الشهري نتيجة تذبذب المشاريع أو تغير خوارزميات ومنصات العمل عن بُعد.

اما الأثر الاجتماعي والنفسي على الأفراد والمجتمع فيتركز في العزلة الاجتماعية والتحديات النفسية، اذ ان غياب البيئة المكتبية التفاعلية التقليدية قد يؤدي إلى شعور بالعزلة، وافتقاد التواصل البشري اليومي، وارتفاع معدلات الاحتراق النفسي نتيجة دمج مساحات العمل بالمنزل، و   تأثيرات على البنية الأسرية واتخاذ القرار، من ذلك تأجيل شؤون الشباب للاستقرار المعيشي أو الزواج نظرا لعدم انتظام الدخل في المراحل الأولى من تأسيس المشاريع الناشئة.

 

 

نحن نشهد تغير نظرة المجتمع تدريجيا نحو المهن الحرة الرقمية، وتحولها من “عمل مؤقت ريثما تتواجد وظيفة” إلى مسار مهني معترف به ومحترم، وتنبثق   ديناميكيات جديدة تتمثل في الهجرة الرقمية وهجرة العقول بإمكانية عمل الكفاءات الشابة لصالح شركات عالمية وهي مقيمة في بلدانها، مما يحقق دخلا مرتفعا ينعكس على الاقتصاد المحلي. في المقابل، يبرز تحدي استنزاف الطاقات المتميزة التي قد تفضل الاستقرار الكلي في الخارج إذا تعثرت البيئة الحاضنة لريادة الأعمال محليا.

وتتضمن استراتيجيات تعظيم المكاسب وتقليل المخاطر في   تطوير التشريعات القانونية بسنّ قوانين مرنة تنظم عقود العمل عن بُعد، وتوفر مظلات تأمينية وصحية اختيارية للعاملين لحسابهم الخاص والمستقلين، ودعم حاضنات ومسرعات الأعمال بتوجيه الدعم نحو الشركات الناشئة ذات الأثر الاجتماعي والتنموي، وتسهيل إجراءات التأسيس والتمويل الأصغر، والتعليم المالي والمجتمعي بنشر ثقافات الادخار، والاستثمار طويل الأجل، وإدارة المخاطر المالية بين رواد الأعمال الشباب لتعويض غياب منظومات التقاعد التقليدية.

 تراجع المفهوم التقليدي للوظيفة لحساب امتلاك مجموعة مهارات قابلة للتسويق والتطوير المستمر، يؤدي إلى تغيير أنماط التعليم والتعليم التقليدي لاسيما في البلدان المتخلفة وعموم البلدان النامية، كي ترتقي إلى مصاف التطور الحديث وتأمين الأوضاع الاقتصادية للأفراد والمجتمعات.

إن هذا التحول يمثل الزلزال الأكثر عمقا الذي يضرب منظومة التعليم التقليدي، لا سيما في البلدان النامية وتلك التي تعاني من بطء في التحديث المؤسسي. فالتعليم التقليدي وُجد في أصله لتلبية متطلبات “الثورة الصناعية” التي كانت تهدف إلى تخريج موظفين نمطيين لملء شواغر إدارية ثابتة لمدى الحياة؛ وحين يتداعى هذا النموذج الوظيفي، تفقد المؤسسات التعليمية الكلاسيكية مسوغ وجودها الحالي وتصبح غارقة في الفجوة بين مخرجاتها ومتطلبات العصر.

فيما يلي تفصيل لكيفية تأثير هذا التحول على أنماط التعليم في البلدان النامية، وما تتطلبه من إصلاحات هيكلية فيما يتعلق بتداعيات تراجع الوظيفة التقليدية على التعليم النامي

وانبثاق أزمة “شهادة العاطلين عن العمل”، اذ تشهد البلدان النامية تكدسا هائلا لحاملي الشهادات العليا والأكاديمية التي عفا عليها الزمن، عاجزة عن الاندماج في الاقتصاد الرقمي أو سوق العمل الحر، مما ينتج عنه بطالة هيكلية مزمنة.

 كما ان الأساليب التقليدية القائمة على التخزين والاسترجاع بالحفظ (التلقين) تفشل تماما في إعداد أفراد قادرين على التكيف مع تقنيات تتغير وتتطور كل بضعة أشهر مثل الذكاء الاصطناعي، وأتمتة العمليات، والتسويق الرقمي المتقدم.

 وفي حين يتجه الشباب الذكي نحو العمل الحر العالمي وكسب الدخل بالدولار أو العملات الأجنبية عبر مهارات ذاتية التعلم، تظل المناهج الكلاسيكية بمعزل عن ربط الطالب بالاقتصاد الرقمي العابر للحدود.

 

مسارات التحول والتحديث في البلدان النامية

 

لكي ترتقي البلدان النامية بمجتمعاتها واقتصاداتها، بات لزاما عليها إعادة هندسة منظومة التعليم على وفق ركائز أساسية في طليعتها   التحول من “التعليم المتمحور حول الشهادة” إلى “التعليم القائم على المهارات (Skill-based Education)”، وتقليص الهوس الاجتماعي بالشهادات الشكلية، وإحلاله بنظام اعتمادات مهارية دقيقة ومستقلة (Micro-credentials) تمنح بناء على إنجاز مشاريع حقيقية لا اجتياز امتحانات نظرية بحتة.

ويتوجب إصلاح المناهج ودمج ريادة الأعمال مبكرا    بإدخال مفاهيم الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المشاريع الصغيرة، والثقافة المالية (Financial Literacy) ضمن المراحل الدراسية المتقدمة (الإعدادية والثانوية) بدلا من انتظار التخرج الجامعي، وتكوين شراكات حقيقية بين القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية و   كسر العزلة الأكاديمية وجعل الجامعات ومراكز التدريب المهني مرتبطة بشكل مباشر بمسرعات الأعمال ومنصات التوظيف الرقمي، بحيث تتغير المناهج استجابة لحركة السوق الفورية، ويجب تحديث المعلم قبل تحديث الطالب.

وتكمن المعضلة الكبرى في البلدان النامية في بقاء الهيئات التدريسية أسيرة لأساليب قديمة؛ لذا فإن إعادة تأهيل الملاكات التعليمية لتبني عقلية “المرشد والموجه” بدل “المتلقي والملقي” هو شرط أساسي لأي نهضة.

 

 

والعائد الاقتصادي والاجتماعي للارتقاء التعليمي يتمثل في تخفيف الضغط عن الوظائف الحكومية، فعندما يمتلك الخريج مهارات قابلة للتسويق ذاتيا، يتراجع الاعتماد المَرَضي على التوظيف الحكومي المتخم، ويتحول الشباب إلى محركات خلق ثروة وليست عبئا على الموازنة العامة.

وتقليص هجرة العقول القسرية بتوفير بيئة تعليمية تتماشى مع المعايير الحديثة يمكن الشباب من العمل عن بُعد لصالح شركات عالمية من داخل وطنهم، مما يحقق عوائد مالية تدعم العملة المحلية والاستقرار الاجتماعي للأسر.

باختصار، التعليم في عصر “اقتصاد المهارات” لم يعد ترفا فكريا ولا وسيلة للوجاهة الاجتماعية، بل تحول إلى أداة بقاء اقتصادي وأمن قومي تنموي للبلدان النامية إن أرادت اللحاق بركب العصر الحديث.

في أنموذج العراق مثلا، الأمر يجري بصورة كارثية، إذ يتكاثر الحائزون على شهادات لن تنفع المجتمع بشيء، ومن ذلك شهادات دكتوراه في العلوم الدينية من جامعات غير معروفة وغير رصينة وفي اختصاصات هامشية، مع ملاحظة أن معظم تلك الشهادات يجري الحصول عليها بالأموال أو بالتزوير وهو ما تُحقق فيه الآن جهات مختصة، كما أن كثيرا من الأشخاص لاسيما المسؤولون ليس لديهم شهادة إعدادية واخذوا الماجستير والدكتوراه بعد تقديم شهادة إعدادية مزورة، وهو ما يثبت في كثير من الحالات.

إن ذلك يمثل أحد أخطر مظاهر التآكل المؤسسي والفساد الهيكلي في المنظومة التعليمية والإدارية في العراق، حيث تحولت الشهادة العليا من كونها أداة لمعرفة واكتشاف حلول تنموية إلى مجرد “سلعة استهلاكية” أو “يافطة وجاهة” تُشترى بالمال أو تُنتزع بالتزوير. هذه الظاهرة، التي يمكن وصفها بـ “تضخم الألقاب وهشاشة المعرفة”، تترك تداعيات كارثية على مستويات عدة، من ذلك اقتصاد الشهادات الوهمية واختراق المعايير الأكاديمية في الجامعات غير الرصينة، اذ شهد العقد الأخير تناسلا لجامعات ومعاهد وهمية أو رديئة المستوى في دول اقليمية وعالمية، تمنح درجات الماجستير والدكتوراه (بخاصة في العلوم الدينية والإنسانية البحتة) على أساس “الدوام الشكلي” أو الأطروحات “المضروبة”، بغرض منح حامليها ترقيات ومخصصات مالية مقننة من دون أي قيمة علمية حقيقية.

كما يبرز التزوير الممنهج والتسلق الإداري اذ إن لجوء بعض المسؤولين وأصحاب النفوذ إلى تزوير الشهادة الإعدادية كـ “ممر إجباري” للحصول على شهادات عليا يؤكد أن الغاية لم تكن يوما طلب العلم، بل “الشرعية القانونية” للدرجات الوظيفية العليا والمناصب السيادية التي تشترط عناوين أكاديمية معينة، مما أدى إلى تبوء عناصر غير مؤهلة لمواقع صنع القرار.

ان ذلك يمثل اثرا مدمرا على الإدارة العامة وتراجع الكفاءة بانهيار الاستحقاق الجدير، فعندما يتساوى أو يتفوق حملة الشهادات الوهمية والمزورة على أصحاب الكفاءات الحقيقية، تفقد المؤسسات الحكومية مناعتها وتصاب بـ “العمى الإداري”، حيث تُتخذ القرارات الاستراتيجية بعيدا عن أي أساس علمي رصين؛ وتتكرس البيروقراطية الطفيلية، اذ إن هذه النخب المزيفة غالبا ما تكون أكثر دفاعا عن الفساد المؤسسي؛ لأن بقاء النظام البيروقراطي المترهل هو الحاضنة الوحيدة التي تحمي شهاداتهم وتضمن استمرار امتيازاتهم غير المستحقة.

 

أثر الهوس الاجتماعي بالشهادات الشكلية

 

ان الإحباط المجتمعي وازدراء العلم الحقيقي ينعكس على الأجيال الصاعدة، اذ تولّد هذه الظاهرة شعورا عميقا بالإحباط لدى الشباب الجاد وأصحاب المهارات الحقيقية، إذ يرتد المجتمع نحو ثقافة “تشظي القيم المعرفية”، ويُنظر إلى الشهادة الجامعية بريبة وسخرية بدل أن تُرى منارة للتقدم.

وتُستنزف خزينة الدولة في صرف مخصصات الشهادات العليا (الاسمية) لموظفين لا يملكون الحد الأدنى من مهارات البحث أو الإدارة، مما يضاعف من أعباء الموازنة العامة لصالح قطاعات طفيلية لا تنتج قيمة مضافة.

إن معالجة هذه المعضلة لم تعد ترفا فكريا، بل هي معركة أمن وطني إداري تتطلب غربلة صارمة للوثائق، وتفعيل لجان التحقيق المختصة بحيادية تامة، وإلغاء الربط التلقائي المطلق بين الشهادة العليا والراتب أو المنصب بمعزل عن الإنتاجية الحقيقية والأثر المؤسسي الملموس؛ ويبرز في طليعة الإجراءات ريادة الأعمال والعمل عن بُعد، بما يحقق الاستقرار الوظيفي والاجتماعي للفرد ويعود بالفائدة الكبرى في مجال الاقتصاد وتطوير البلد.

والعمل عن بعد هو نظام عمل يؤدي فيه الموظفون مهامهم خارج المكتب التقليدي، مثل المنزل أو أي مكان آخر، باستغلال الإنترنت وأدوات التقنية الحديثة للتواصل وإنجاز المهام من دون الحاجة للتنقل اليومي. والعمل عن بعد، هو تنظيم للعمل يكون فيه الموظف غير مضطر للتنقل لمركز العمل، كالمباني المكتبية أو المتاجر. الشخص الذي يعمل عن بعد هو الشخص الذي يعمل من دون عقود طويلة الامد لجهة معينة أو شركة معينة. ويعد الإنترنت اليوم أحد أكبر أسواق العمل عن بعد، حيث يستطيع ربط شخصين في مكانين بعيدين من دون التقيد بالزمان والمكان.

ومميزات العمل عن بعد تتمثل في توفير وقت وجهد التنقل اليومي مع مرونة كبيرة في تنظيم جدول العمل، وتحسين التوازن بين الحياة الشخصية والعمل وتقليل التكاليف التشغيلية للمكاتب على الشركات. ولكن تحديات العمل عن بعد تبرز في صعوبة الفصل بين وقت العمل والحياة الشخصية والشعور بالعزلة وانخفاض التواصل المباشر بين الزملاء والحاجة لانضباط ذاتي عالٍ ومهارات تنظيمية قوية والاعتماد الكلي على استقرار شبكة الإنترنت والأجهزة التقنية.

ويشكل العمل عن بعد حلا لمشكلة نقص المهارات في صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فيمكن عن طريقه شغل وظائف كانت تعاني من النقص في المناسبين لها. ووفقا للدراسات فقد بلغ عدد الوظائف الخالية بسبب نقص المهارات في الولايات المتحدة الأمريكية نحو 346 ألف وظيفة، ويبلغ هذا العدد نحو 60 ألف وظيفة في ألمانيا، وما بين 20-30 ألف وظيفة في كندا، ووصل إلى 20 ألف وظيفة في المملكة المتحدة.

ولهذا النظام تأثيره على إنتاجية العمل، وليس أدل على ذلك من تحويل شركة «ثري كوم» للحاسبات 120 عاملا إلى العمل عن بعد، ووجدت أنهم يقضون 25 ساعة أسبوعيا مع العملاء، بدلا من 12-15 ساعة أو أقل قبل تطبيق هذا النظام، فزادت كفاءتهم. وفضلا عما سبق، يساعد العمل عن بعد على تكافؤ فرص العمل بين شرائح المجتمع المتنوعة من حيث النوع والعمر والظروف الصحية والاجتماعية. ويظهر استطلاع من المجلة العالمية “فوربس” وهي مجلة أمريكية شهيرة متخصصة في عالم الأعمال، والمال، والتقنية، أن 98% من العمال يرغبون في العمل عن بعد في الأقل بقسم من الوقت، مما يبرز التفضيل المتزايد لهذا النمط من العمل.

قد يعجبك ايضا