إيران من حسن الجوار إلى العداء والقصف

شيركو حبيب

كوردستان لم تكن يوماً تبحث عن عدو جديد، بل عن صديق جديد يدعم قضيتها المشروعة، ولم تتعامل مع دول الجوار بمنطق التحدي أو الاستفزاز، بل أكدت دائماً أن علاقاتها مع الدول المحيطة بها يجب أن تقوم على حسن الجوار، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمصالح المشتركة.

لكن حسن الجوار لا يمكن أن يكون من طرف واحد، والاحترام لا يمكن أن يكون شعاراً يُطلب من كوردستان، بينما تُستهدف أراضيها ومواطنيها ومؤسساتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ما قامت به إيران خلال الأيام الماضية ليس مجرد تطور أمني عابر، ولا يمكن اختزاله في إطار «رسالة» أو «عملية عسكرية»، فعندما تسقط الصواريخ داخل إقليم كوردستان، وعندما تُستهدف مواقع ومؤسسات رسمية، وعندما يصبح المدنيون عرضة للخطر، فإن الأمر يتجاوز حدود الخلاف السياسي والأمني، ويدخل في منطقة خطيرة تمس أمن شعب بأكمله.

وخلال السنوات الماضية، تعرضت مناطق داخل إقليم كوردستان العراق لهجمات إيرانية متكررة، سقط خلالها مدنيون أبرياء، واستُهدفت منازل مواطنين، كما تعرضت مواقع لقوات البيشمركة للقصف، وسقط شهداء من أبنائها، وهي قوة تمثل جزءاً أساسياً من المنظومة الأمنية في الإقليم.

ومن بين الوقائع التي لا يمكن تجاهلها استهداف منزل المواطن “بيشرو”، الذي أدى إلى استشهاده واستشهاد ابنته ذات العامين، إلى جانب استهداف مواقع أخرى ومنازل مدنيين، وهذه الأحداث تطرح سؤالاً واضحاً: كيف يمكن أن تُبنى علاقات حسن جوار، بينما يعيش المواطن الكوردي تحت احتمال سقوط صاروخ أو طائرة مسيّرة على منزله؟.

إن المدني الذي يعيش في منزله لا يتحول إلى هدف مشروع لمجرد وجود خلاف سياسي أو أمني، والأطفال والنساء والعائلات ليسوا طرفاً في أي صراع.

كوردستان لا تنسى التاريخ… لكنها لا تعيش أسيرة له
ومن الإنصاف أيضاً أن نتحدث بوضوح عن الجانب الآخر من التاريخ، فالشعب الكوردي لا ينسى أن إيران كانت، في مراحل من تاريخ العراق الحديث، ملجأً لآلاف الكورد الذين اضطروا إلى ترك مدنهم وقراهم بسبب بطش نظام صدام حسين.
ووجدت عائلات كوردية كثيرة في إيران الأمان بعد أن فقدته في وطنها، وعاشت سنوات من اللجوء والتهجير بعيداً عن أرضها.
هذه حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، لكن الوفاء للتاريخ لا يعني السكوت عن الحاضر.

نحن نتذكر من وقف معنا في الماضي، كما نتوقع من الجار أن يحترمنا اليوم، فالاحترام لا يتجزأ، وحسن الجوار لا يمكن أن يكون انتقائياً.

إذا كانت إيران تعتبر نفسها دولة جارة وشريكة للعراق، فعليها أن تتعامل مع إقليم كوردستان باعتباره جزءاً من العراق، وأن تحترم مؤسساته وحقوقه الدستورية، وأن تعالج أي مخاوف أمنية عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، لا عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة.

إن استهداف المؤسسات الرسمية تجاوز لا يمكن تبريره، واستهداف مكتب رئيس الوزراء في إقليم كوردستان ليس حادثاً عادياً، فهذا ليس منزلاً خاصاً ولا موقعاً مجهولاً، بل مكتب مؤسسة رسمية، واستهدافه يمثل مساساً واضحاً بهيبة المؤسسات الرسمية في الإقليم، وشعبه ويحمل رسالة تصعيدية لا يمكن التعامل معها باستخفاف.

وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً: هناك فرق بين معالجة تهديد أمني مزعوم وبين استهداف مؤسسات الحكم، فإذا كانت هناك معلومات أو ملفات أو اتهامات، فهناك حكومة في بغداد، وحكومة في أربيل، وقنوات دبلوماسية وأمنية وسياسية يمكن اللجوء إليها.
أما الصاروخ فلا يحل مشكلة سياسية، والطائرة المسيّرة لا تبني ثقة، والقصف لا يصنع حسن جوار.

كوردستان لا تريد الحرب، ولكنها لن تقبل الإهانة، وقد يعتقد البعض أن الحديث عن احترام السيادة ورفض القصف يعني الرغبة في التصعيد، والحقيقة عكس ذلك تماماً، فالذين يريدون الحرب هم الذين يحولون الخلافات إلى صواريخ، أما الذين يريدون السلام فيبحثون عن الحوار.

كوردستان لا تريد حرباً مع إيران، ولا تريد أن تكون حدودها مع جارتها ساحة لصراع إقليمي، فلديها ما يكفي من التحديات، وشعبها يريد الأمن والاستقرار والتنمية والحياة الكريمة.
لكن السلام لا يعني الصمت أمام الاعتداء، وضبط النفس لا يعني قبول الإهانة، والدعوة إلى الحوار لا تعني التخلي عن حق الدفاع عن النفس وحماية المواطنين والمؤسسات.
إلى إيران أقول: الجار القوي لا يخيف جاره. وإذا كانت إيران تريد علاقة مستقرة مع العراق وإقليم كوردستان، فإن الطريق واضح، وهو احترام السيادة، ووقف استهداف المدنيين، واحترام المؤسسات الرسمية، وحل الخلافات عبر الحوار، والابتعاد عن استخدام القوة داخل أراضي الجيران.

إن الدولة القوية لا تحتاج إلى إثبات قوتها بقصف منزل مواطن أو موقع عسكري أو مؤسسة رسمية، فالقوة الحقيقية هي أن تستطيع الدولة حماية مصالحها من خلال الدبلوماسية والحوار وبناء الثقة، أما تحويل الجوار إلى مصدر دائم للقلق، فلا يصنع قوة، بل يصنع ذاكرة من الألم والشك.

لقد تغيرت المنطقة، وتغير العراق، وتغيرت كوردستان. ولم تعد لغة الصواريخ قادرة على إلغاء الحقائق السياسية أو تغيير إرادة الشعوب.

كوردستان تريد السلام، ولكن بكرامة، وستبقى كوردستان متمسكة بحسن الجوار، لأنها تؤمن بأن الجغرافيا لا تتغير، وأن إيران والعراق وكوردستان سيبقون جيراناً مهما اختلفت الحكومات والسياسات، لكن للجوار الحقيقي قواعد واضحة تأسست على ألا تتدخل في شؤون جارك، وألا تستهدف مواطنيه، وألا تضرب مؤسساته، وألا تجعل أرضه ساحة لتصفية الحسابات.
وهذه ليست شروطاً كوردية خاصة، بل هي أبسط قواعد العلاقات بين الدول والجيران، لقد مدّت كوردستان يدها للسلام، وستبقى متمسكة بالحوار، لكن اليد التي تمتد للسلام ليست يداً مستسلمة.
وكوردستان التي تريد أن تعيش بسلام مع جيرانها، تريد أيضاً أن تعيش بكرامة وأمن وسيادة، لهذا فإن الرسالة اليوم يجب أن تكون واضحة:
نحن لا نبحث عن مواجهة مع إيران، لكننا لن نقبل أن تتحول الجيرة إلى تهديد، ولا أن تتحول الصداقة التاريخية إلى مبرر للصمت، ولا أن يصبح مواطنو كوردستان ومؤسساتها أهدافاً للصواريخ.

إن حسن الجوار مسؤولية مشتركة، والسيادة خط أحمر، واستهداف المدنيين والمؤسسات الرسمية تجاوز لا يمكن تبريره، بل أمر يوسع دائرة العداء مع إيران ويخلق مساحة من الشك في نواياها حاضرا ومستقبلا.

قد يعجبك ايضا