قراءة في كتاب حق تقرير المصير للدكتور كمال كركوكي

صلاح بكر

بين دفتي كتابه الموسوم “حق تقرير المصير: أبعاده وانعكاساته في مواثيق الأمم المتحدة والقانون الدولي والدستور العراقي” ينسج الدكتور كمال كركوكي سيمفونية قانونية وفلسفية تلامس شغاف القلوب التواقة للحرية ، ليس بوصفها شعارا سياسيا عابرا ، بل بوصفها حقا وجوديا أزليا صانته الشرائع وكرسته دماء الشعوب. في هذا المؤلف الرصين ، يغوص كركوكي في أعماق الضمير العالمي ، مستنطقاً مواثيق الأمم المتحدة التي ولدت من رحم الحروب لتعلن أن الشعوب هي صانعة قدرها ، وأن حقها في تقرير مصيرها ليس منحة من أحد، بل هو “الحق” الذي يسبق “الدولة” ويمنحها شرعيتها.

يرسم المؤلف لوحة للتحول التاريخي العظيم لهذا الحق ، فمنذ مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، لم يعد “تقرير المصير” مجرد “مبدأ” أخلاقي تلوكه الألسن ، بل استحال إلى “حق” قانوني ملزم ، وقاعدة آمرة في القانون الدولي لا تقبل التأويل. يحلل كركوكي القرارات الأممية ، من القرار 1514 لعام 1960 الذي أطلق صرخة الاستقلال للشعوب المستعمرة ، وصولاً إلى الاعتراف بالسيادة المطلقة للشعوب على ثرواتها ، مبيناً أن الحرمان من هذا الحق هو إنكار لجوهر الكرامة الإنسانية وتهديد للسلم العالمي.

وعندما ينعطف المؤلف نحو الدستور العراقي ، فإنه يفكك شيفرة “الاتحاد الاختياري” موضحاً ببراعة أن العراق في ديباجته الدستورية لم يتوحد بالقهر ، بل بقرار حر اتخذه “شعب العراق بكل مكوناته وأطيافه”. يضعنا كركوكي أمام حقيقة قانونية مذهلة: أن الدستور العراقي ضامن للوحدة بقدر التزامه بالشراكة ، وأن الاتحاد الفدرالي هو عقد بين أحرار ، متى ما اختلت بنوده أو عُطلت نصوصه، عادت السيادة لمنبعها الأول ، وهو الشعب.

إن هذا الكتاب ليس مجرد سرد قانوني ، بل هو “مانيفستو” للعدالة ، يسلط فيه الضوء على المفارقة المؤلمة للشعب الكردي ، الشعب الذي يمتلك كل مقومات الحق التاريخي والقانوني، لكنه لا يزال يبحث عن نافذة في جدار الصمت الدولي ليمارس حقه المشروع.

خلاصة الكتاب:
يقدم الدكتور كمال كركوكي في هذا الكتاب مرافعة قانونية وتاريخية باذخة ، تثبت أن حق تقرير المصير هو العمود الفقري للقانون الدولي المعاصر. الكتاب رحلة معرفية تبدأ من أروقة الأمم المتحدة وتنتهي عند تفاصيل الدستور العراقي، ليؤكد أن الحرية لا تجزأ، وأن النصوص الدستورية ليست حبراً على ورق ، بل هي عهود ومواثيق تظل مشروطة باحترام إرادة الشعوب وحقها في العيش بكرامة تحت شمس الاستقلال.

قد يعجبك ايضا