عملية أنفال عام 1935 حصلت في كوردستان العراق

 

القسم الأول

 

اعداد: عدنان رحمن

اصدار: 11- 8- 2026

       ورد في البحث المعنون ( مذكرات فؤاد عارف). تقديم وتعليق: د. كمال مظهر احمد، مطبعة آراس، دار آراس للطباعة والنشر- اربيل عاصمة اقليم كوردستان، ط 2، 2011، من صفحة 100 حتى 109. ان الكورد في العراق تعرضوا لعملية أنفال منذ اكثر من مئة عام، اي ان الانظمة المتعاقبة التي تسلمت السلطة في العراق لديها نفس العقلية والنَفَس تجاه الكورد وهو محاولة القضاء عليهم بشتى الوسائل والطُرق حتى لو كانت غير انسانية، وادناه ما يوضّح ما تحدثنا عنه كما ورد من المصدر:

– ” ملاحظاتي الاخيرة: وقعت في عهد الملك غازي حركتان مسلحتان في منطقة ( بارزان وبله) عرفت بحركات خليل خوشوي ([1])، في العام ١٩٣٥ كنت ملازماً ثانياً في فوج حدود رواندوز، وكان خليل خوشوي لا يزال يقود بعض البارزانيين المسلحين الكورد في المنطقة وهم يمثلون بقايا البارزانيين بعد قيام حركاتهم وكان تواجدهم في بارزان وميرگسور وراوندوز، كانوا يقومون بأعمال ضد الحكومة العراقية. سبق أن تشكلت قوة باسم ( قوة شهر بارز) وهي كلمة منحوتة من شيروان مازن وبارزان، قوامها فوج الحدود الأول في بله وفوج الحدود الثالث في رواندوز، والفوج السابع في اربيل جيء إلى ميرگه سور مع ٢٤ مفرزة شرطة غير نظامية، اي العشائر التي تتلقى مالاً لقاء اشتراكها في الحركات مع القوة النظامية. وكانت تسمى (جته). وكنا نقوم بتجميع سكان عدد من القرى في قرية واحدة ونضع ربية عسكرية في المجمع لأسباب الامن والسيطرة على المنطقة، وبالتالي قطع المؤن عن خليل خوشوي وجماعته، ومما اذكر انه كان معي من الضباط الملازم نامق مصطفى آمر السرية والملازم عبد الوهاب علي (مقدم لواء) والملازم عبد الكريم فيصل، وبعد فترة تم تعييني آمراً لحامية بيران، وكنا قد جمعنا القرويين في هذه المنطقة أيضاً. في الحقيقة كنت اشعر بالحالة المزرية للناس البسطاء والمساكين هناك، فأخذت أوزع عليهم الارزاق المخصصة لي من حسابي الخاص عندما ازورهم، مثل السكر والشاي من دون تسجيل وزيادة على ما هو مخصص للجيش.

 

 

وبسبب موقفي من أهالي المنطقة وتعاطفي معهم بوصفي كوردياً، أبلغ عني بأني استبدل الارزاق الجافة التي كانت متوافرة لدينا كالرز والعدس والحمص بالخضروات التي كانت تزرع في المنطقة على أساس الفائدة المتبادلة للطرفين، وكنا بحاجة الى هذه الخضر، إلا أن عملية المقايضة هذه سجلت علينا وعُدت مخالفة. وعلاوة على ذلك منعت منعاً باتاً إعتداء أي عسكري على الاهالي او الدخول في بساتينهم، كما طلبت من الاهالي فتح مخازنهم ودكاكينهم لبيع منتجاتهم الزراعية لنا نحن العسكر، ففرحوا بهذا المشروع كثيراً وكسبت ودهم. وكان من الطبيعي ان لا يغض النظر عن الاخباريات والوشايات ضدي، فبعد فترة تسلمت أمراً بإحالتي الى المجلس العرفي من خلال برقية تقول: ( سلّم الحامية الى الملازم داود النعمة وعُد معه الى شيروان مازن). ولكن المرحوم امين رواندوزي بعث لي برسالة، وكان آنذاك برتبة نقيب (رئيس) وآمر سرية يخبرني بأن أحذر، لأنهم سيحققون معي حول المؤن الى الشقاة ( كذا).

    وصل الملازم داود النعمة عصراً وكنت قد تهيأت للتحرك الى شيروان مازن، ولما حلّ الظلام جاءني رجل اسمه عبد الله بك، وهو من رؤساء عشيرة شيروان، أشار لي بيده، فعرفته أنه يريدني في أمر ما على جانب من الخطورة، اقتربت منه فقال لي: ( ان أحمد بيدود ([2]) وغيره من المقاتلين من جماعة خليل خوشوي يريدون اللقاء بك). وكان لأحمد بيدود هذا وزنه بين رجال الحركة الكوردية، أي حركة خليل خوشوي، قال لي: ( انهم ينتظرونك عند النبع بجانب المقبرة).

     فكرت مع نفسي: ( هل اذهب؟ فان ذهبت فان الجنود انفسهم سيصبحون شهوداً عليَّ ويعتقدون بأنني على صلة بالحركة وانا ضابط الجيش، واذا لم اذهب فهذا أمر معيب في عرفنا الكوردي)، فسألت عبد الله بك هل يأتي معي؟ أجاب بالنفي لخشيته من مغبة مجيئه، ثم فكرت في ان اصحب معي بعض الجنود للحراسة، فتخليت عن هذه الفكرة أيضاً، لأني خشيت ان يصبحوا شهوداً عليَّ ايضاً، ثم قررت قراري الاخير وهو ان اذهب الى الملتقى وحدي. حملت مسدسي معي وسرت لمسافة كيلومتر تقريباً، حتى وجدت أحمد بيدود ينتظرني في جنح الظلام، فسلمت عليه وحاولت ان اناورهم، فقلت لهم: ( انكم مطوقون بالجيش الآن)، فقال: ( منذ ان خرجت من المعسكر حتى وصولك كان يرافقك اثنان من جماعتنا من دون ان تدري). سألته عما يريد مني، قال: ( لقد جئنا لنسلّم انفسنا على شرفك وشرف الحكومة، علماً انه منذ اكثر من سنة كان من المستعصي جداً ان يستسلم احد، وكانت بحوزتهم بعض البنادق، فكرت ما الذي يمكن ان اعمل في تلك الليلة، فطلبت منهم ان يحملوا بنادقهم فحملوها، ثم ناديت عبدالله بك فأعطيته نقوداً لسد نفقات اولئك الرجال، وتأمين طعامهم ريثما اعود الى الحامية لدراسة الموقف.

       فاذا تمت الموافقة فسأرسل أحداً لإبلاغهم وستكون كلمة السر باللغة الكوردية ( به خير هاتن)، أي قدمتهم خيراً، اشارة الى حصول الموافقة، وتسليم انفسهم وان الموقف في مصلحتهم. اما اذا كانت كلمة السر ( هه ر ماون ليره)، أي هل ما زلتم هنا، فان معناه عدم حصول الموافقة، وليس لهم الا الهروب حالاً، لأن الجيش سيباغتهم ويحاصرهم. بعثت ببرقية الى قيادة شهر باز وكان اللواء محمد امين زكي باشا قائد شهر باز، اما المجلس العرفي فكان برئاسة العقيد اسماعيل حقي اغا، وكان المقدم الركن فهمي سعيد مقدم اللواء في مقر قوة شهر باز، فاخبرت القيادة في برقيتي ان أحمد بيدود مع عدد من الاشخاص يريدون تسليم انفسهم مع اسلحتهم على شرفي وشرف الحكومة، وعند حصول الموافقة ارجو اخباري بذلك، واني وضعت شروطاً في البرقية على النحو الآتي:

     ما شروط عفوكم عنهم؟ في حالة العفو عنهم اين سيسكنون؟ عند عدم حصول الموافقة ارجو اخباري بذلك، اما اذا وافقتم على العفو، ثم نكثتم العهد، لأي سبب، فأرجو اعتباري احد رجال خليل خوشه وي. في الواقع كان كل من امين زكي واسماعيل حقي اغا وفهمي سعيد رحمهم الله ضباطاً على جانب من الحنكة والتفهم والانصاف، فبعد نصف ساعة تسلمت جواب برقيتي، مؤادها انهم شاكرون لهذا الموقف، فما دام هؤلاء الرجال عازمين على الاستسلام على يدك وعلى شرف الحكومة فهم على استعداد لإسكانهم في اي مكان يختارون مع تأمين حياتهم وتقديم كل المساعدات الممكنه لهم شريطة تسليم السلاح اولاً، فأرسلت للتو في طلب عبد الله بك اطلب منه ان يذهب الى احمد بيدود وجماعته ويقول لهم: ( بخير هاتن).

     وبعد اقل من ساعة وجدنا عدداً من الرجال المسلحين يصلون المعسكر ويدخلون، فدهش الضابط داود النعمة ومن معه من الجنود من دخول هؤلاء ( العصاة) المعسكر، قلت للملازم داود الذي جاء ليرافقني بالاساس الى شهروان ويتسلم مني المعسكر بسبب التقارير المرفوعة عني، قلت له مازحاً: ( ان هؤلاء الكورد ايها الملازم انما جاءوا لحراستي). بعد نصف ساعة وصلت برقية اخرى تشكرني وتقول: ( اعتبر موضوع استقدامك الى شهروان ملغى، نرجو البقاء في مكانك وحاول الاتصال عن طريق هؤلاء الرجال الذين سلّموا انفسهم بالآخرين من زملائهم لكي يستسلموا ايضاً).

   قلت لداود النعمة: ( انت ستسافر غداً، واني آتي معك)، فتعجب من الموقف وبينت له الوضع الجديد. وقد تم تعيين وتشغيل المستسلمين، وهكذا جاء الآخرون ايضاً وبدأت المنطقة تعيش في أوضاع هادئة نسبياً. وعندما حل الخريف، شعرنا ان الجبهة تتقلص والغيت قوة شهرباز وعادت الوحدات الى معسكراتها. اما انا فبقيت في ميركَه سور مع الفصيل، وعين معاون الشرطة حمزه شاسوار آمراً لمفارز الشرطة. اما مدير الناحية فكان أمين افندي من أهالي كركوك. ولما حلَّ الشتاء تسلمنا برقية فيها تعليمات حول سير العلاقة بيننا وبين الشرطة والادارة في المنطقة، اذ تقول التعليمات:

( اذا وجد ضابطان في المنطقة احدهما من الجيش والآخر من الشرطة فالمسؤول الاول يكون من الجيش والآخر يكون معاوناً ادارياً له اذا كانت رتبته اقل من رتبة رائد. اما اذا كانت رتبة ضابط الشرطة برتبة رائد فما فوق اي ( مدير الشرطة) فإنه يصبح هو المسؤول الاعلى ويصبح ضابط الجيش الذي دونه في الرتبة العسكرية معاوناً عسكرياً له. اما اذا كانت رتبة ضابط الجيش رئيساً ( نقيباً) فما فوق وجب بقاؤه قائداً عسكرياً ( المسؤول العسكري الاول) في المنطقة. لقد اصبحت انا المسؤول العسكري الاول واصبح حمزة شاسوار المعاون الاداري لي. ثم تسلمنا برقية اخرى من شرطة ناحية كاني مأسي تعلمنا ان خليل خوشه وي ومعه بعض الرجال سيعبرون من نهر الزاب الأعلى وقد رأوا راعياً وطلبوا منه قراباً- جمع قربة- لإستخدامه للعبور، وعند ذهاب الراعي لجلب القراب اخبر الشرطة عن مكان خليل خوشه وي، وعند محاولته العبور من النهر اطلق عليه الرصاص فقتل.

       واني لم اشترك في هذا الحادث، فقد وصلتني برقية تسألني: ( هل اشتركت فعلاً في قتل خليل خوشه وي؟). اجبت بالنفي، لأني في الحقيقة لم أذهب بنفسي لمباشرة العملية. وعندما جاءت برقية مماثلة الى حمزة شاسوار تسأله عن اشتراكه الشخصي في مقتل خليل خوشه وي، اجاب: ( نعم!). فرُفِّعَ الى رتبة رئيس تقديراً على عمله. وكان يضحك مني ملء شدقيه لأني اجبت بصدق. في الواقع ان حمزة شاسوار نفسه لم يشترك في قتل خوشه وي، وانما اجاب كذلك طمعاً في الحصول على تكريم (كذا) وفعلاً حصل على ما يريد. ولعل القاريء الكريم يسأل عما دار بيننا من احاديث؟ نعم لقد تحدثنا عن ايام القتال. واذكر انني كنت قد سمعت مرة أنهم ذبحوا عجلاً في قرية بيدود، فاتجهنا الى القرية التي ينتمي اليها احمد بيدود، ولكننا عندما وصلنا لم نجد احداً في القرية، فجلسنا على النبع، وقلت لأحد الجنود ان يجني لنا عنباً، فوضعنا العنب في النبع، وكان الليل مقمراً تماماً، والحقيقة انه لم يكن يسمح لنا بإخراج مفرزة ليلاً…

      اكلنا العنب وعدنا الى موقعنا في قرية بيران. وبعد ان سلم احمد بيدود نفسه عرفت منه اننا كنا مطوقين تماماً، وان رجاله كانوا قد حاصرونا على شكل طوق، ولكن احمد منع رجاله من اطلاق النار علينا حتى انتهينا من اكل العنب فعدنا الى المعسكر، ولو اراد احمد بيدود آنذاك ان يبيدنا لإستطاع ذلك بسهولة… ولكن تصرفاتي كما اعتقد في المنطقة وعدم اعطائي المجال للجنود ان يقوموا بالاساءة الى اهاليها، هما اللذان اكسباني ودهم وتقديرهم لي، فلو حلَّ غيري على النبع في ذلك الليل لمزقته بنادقهم. ومما اذكر ان عمر علي كان آنذاك برتبة ملازم اول، وكنا في فوج واحد، وكان اقدم مني.

     وعندما اراد الاتجاه نحو ( خيره زوك) كان يريد وضعي في منطقة بيران ليواصل هو السير الى خيره زوك، وكان هو القائد؛ لأنه اقدم مني كما ذكرت”.

[1] – بدأت حركات خليل خوشوي في أواسط العام ١٩٣٥، وهي في واقعها كانت إمتداداً لإنتفاضة العام ١٩٣٢، اتخذت اجراءات واسعة قمعها شملت التنسيق بين القيادات العسكرية والادارية في محافظات الموصل واربيل وكركوك ( انظر «العالم العربي»، ٢١ تموز ١٩٣٥) وأُعلنت الأحكام العرفية في زيبار وشيروان مزن وعقرة وغيرهما، وشكلت محكمة خاصة برئاسة عبد الله النعساني لمحاكمة المشتركين في الحركة وقد مر تنفيذ حكم الاعدام بأعداد كبيرة منهم كما تعرض الآخرون للسجن والنفي ( انظر «العالم العربي»، ١٧و ٢٩ آب و ١٠ ايلول ١٩٣٥) والنعساني هو نفسه الذي عرف بمحاكماته التعسفية أيام الوثبة وما بعدها، وقد جرى تعاون وثيق بين السلطات العراقية والتركية لمطاردة انصار خو شه وي ( انظر «العالم العربي»، ٤ آب و ١٩ و ٢١ و ٢٢ و ٢٩ ايلول ١٩٣٥). بفضل كل هذه الاجراءات أصبح بالإمكان إحتواء حركة خوشه وي، ففي المعركة التي وقعت في الثامن من آذار للعام ١٩٣٦ تم أسر زوجة خوشه وي التي اشتركت في جميع المعارك جنباً الى جنب مع زوجها، وبعد أقل من أسبوع قُتل خليل خوشه وي وبدأ أيضاً. ولكن مقاومة أنصاره استمرت حتى أواسط نيسان  للعام نفسه ( انظر «العالم العربي»، ١١ نيسان ١٩٣٦).

[2] – نسبة الى قرية بيدود القريبة من ميرگسور التي كانت ضمن منطقة الحركات العسكرية.

قد يعجبك ايضا