(غيمري)… سيرة ذاتية تكتب تاريخ جيل لا تاريخ فرد

نبيل عبد الأمير الربيعي

ثمة كتب لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد سِيَر ذاتية، لأنها تتجاوز حدود التجربة الفردية لتصبح وثيقة عن زمن كامل. فالكاتب حين ينجح في تحرير سيرته من نزعة تمجيد الذات، تتحول حياته إلى نافذة نطل منها على التاريخ، وعلى التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي صنعت جيلاً بأكمله. ومن هذا المنطلق أقرأ كتاب (غيمري) للكاتب جورج منصور، الصادر عن دار المدى عام 2025.

في الأدب العراقي، لم يحظَ فن السيرة الذاتية بما يستحقه من اهتمام مقارنة بالرواية أو الشعر. وكثير مما كُتب ظل أسيراً للمذكرات السياسية أو لسرد الوقائع، بينما بقيت الأعمال التي استطاعت الجمع بين الأدب والتاريخ والفكر محدودة. لذلك يلفت (غيمري) الانتباه، لأنه لا يروي حياة صاحبه فحسب، بل يروي سيرة جيل عاش صعود الأحلام الكبرى وانهيارها، واختبر المنافي، والسجون، والانكسارات، من دون أن يفقد إيمانه بالإنسان.

منذ الصفحات الأولى، يعلن جورج منصور أنه لا يكتب من موقع اليقين، بل من موقع المراجعة. وهذه ميزة نادرة في كتابة السيرة. فالأغلبية تكتب لتبرير الماضي أو للدفاع عنه، أما هنا فإن الكاتب يضع ذاكرته نفسها موضع مساءلة، معترفاً بأن الزمن يغير زوايا الرؤية، وأن ما بدا بديهياً في مرحلة ما قد يبدو مختلفاً تماماً بعد عقود.

هذه المصارحة تمنح النص صدقيته. فالقارئ لا يشعر أنه أمام شاهد يسعى إلى تبرئة نفسه، بل أمام إنسان يعيد اكتشاف حياته، ويعيد تقييم الأفكار التي آمن بها في شبابه، بعيداً عن الحنين الأعمى أو جلد الذات.

واللافت أن الكتاب لا يقدم الاتحاد السوفييتي بوصفه مدينة فاضلة، كما لا يختزله في صورة الدولة الفاشلة. إنه يرسم صورة مركبة لمجتمع امتلك القوة العسكرية والعلمية، لكنه عانى في الوقت نفسه من اختلالات داخلية، وبيروقراطية خانقة، ومفارقات يومية كانت تنخر جسد النظام من الداخل.
هذه الصورة المتوازنة تمنح الكتاب قيمة توثيقية، لأنه يبتعد عن الأحكام المسبقة، ويستند إلى تجربة معيشة لا إلى خطاب سياسي. وهنا تتجلى قوة الأدب؛ فهو لا يحتاج إلى الشعارات، بل يكتفي بتفصيل صغير، أو مشهد عابر، ليكشف حقيقة مرحلة كاملة.

لكن الفصل الأهم في الكتاب، وربما الأكثر إدهاشاً، هو ذلك الذي يحمل اسم (غيمري). ففي هذه القرية الداغستانية الصغيرة، تتقاطع الهوية مع المعرفة في مشهد يكاد يبدو مستحيلاً؛ شاب عراقي مسيحي، يساري الانتماء، يجد نفسه يشرح القرآن الكريم لمسلمين باللغة الروسية، فينصتون إليه بإعجاب، ثم يطلبون منه أن يتولى إمامة مسجدهم.

ليست هذه الحكاية مجرد مفارقة طريفة، بل هي لبّ الكتاب كله. إنها تعلن انتصار الثقافة على التعصب، والمعرفة على الانغلاق، والإنسان على التصنيفات الجاهزة. فما جمع الكاتب بأهالي غيمري لم يكن الدين ولا السياسة، بل الثقة، والاحترام، والقدرة على إيصال المعنى.

ومن هنا تتجاوز (غيمري) كونها سيرة ذاتية لتصبح رسالة ثقافية تقول إن الإنسان لا يُختزل في عقيدته أو قوميته أو انتمائه الحزبي. فالكاتب المسيحي يشرح القرآن، والمسلمون يستمعون إليه بمحبة، والجميع يلتقون في فضاء المعرفة. أليست هذه الصورة أبلغ من مئات المؤتمرات التي تتحدث عن الحوار والتسامح؟

ولغة الكتاب تسهم في ترسيخ هذا الأثر. فهي لغة هادئة، بعيدة عن الزخرفة، لكنها مشبعة بالحس الأدبي. فلا يطغى التوثيق على السرد، ولا يبتلع السرد الفكرة، بل يظل التوازن قائماً بين الحكاية والتأمل، وهو ما يجعل القراءة ممتعة وعميقة في آن واحد.

إن (غيمري) يطرح سؤالاً كبيراً: ماذا يبقى من الإنسان عندما تتهاوى الأيديولوجيات؟ والإجابة التي يقدمها الكتاب، من دون تصريح، هي أن ما يبقى هو القيم؛ الصدق، والكرامة، والمعرفة، والانفتاح على الآخر. أما الشعارات، مهما بلغت قوتها، فإنها تزول بزوال ظروفها التاريخية.

لهذا أرى أن (غيمري) ليس مجرد إضافة إلى أدب السيرة العراقية، بل أحد الأعمال التي تستحق أن تُقرأ بوصفها وثيقة ثقافية عن جيل عاش أقصى درجات الحلم، ثم واجه أقسى لحظات الخيبة، من دون أن يسمح لليأس بأن ينتصر على إنسانيته.

إنه كتاب يذكرنا بأن التاريخ لا تصنعه الأنظمة وحدها، بل يصنعه أيضاً أولئك الذين امتلكوا شجاعة أن يكتبوا تجاربهم بصدق، وأن يحولوا حياتهم الخاصة إلى جزء من الذاكرة العامة. وهذه هي القيمة الحقيقية لأي سيرة ذاتية تستحق البقاء.

قد يعجبك ايضا