جرح وزيتون.. وذاكرة الدبلوماسية الثقافية

نبيل عبد الأمير الربيعي

ثمة تاريخ لا تكتبه المعاهدات، ولا تحفظه أرشيفات وزارات الخارجية، ولا تظهر تفاصيله في البيانات الرسمية. إنه تاريخ العلاقات الإنسانية التي تنشأ خلف السياسة: لقاءات المثقفين، وحوارات رجال الدين، وصداقات الأدباء، ونقاشات الأكاديميين، وتلك التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة في حينها، لكنها تصبح بعد سنوات جزءًا من ذاكرة مرحلة بأكملها.

من هذه المنطقة يأتي كتاب الدكتور عباس خامه يار (جرح وزيتون: أعيان وأزمان) الملحق السياسي والثقافي الإيراني في الدول العربية، وهو كتاب لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد مجموعة خواطر أو ذكريات شخصية، بل بوصفه شهادة من داخل تجربة طويلة في الدبلوماسية الثقافية والعلاقات الإيرانية العربية.

أمضى خامه يار قرابة أربعة عقود في العمل الثقافي والدبلوماسي، متنقلاً بين مواقع ومسؤوليات أتاحت له الاقتراب من شخصيات سياسية ودينية وفكرية وأدبية وأكاديمية في إيران والعالم العربي وخارجه. ولذلك فإن قيمة الكتاب الأساسية تكمن في الموقع الذي يكتب منه صاحبه: موقع الشاهد الذي لم يقرأ الأحداث من بعيد، وإنما كان جزءًا من بعضها، ومراقبًا لبعضها الآخر.

لكن المذكرات، مهما كان صاحبها، ليست الحقيقة النهائية. إنها شهادة تحمل زاوية نظر صاحبها، وتكتسب قيمتها الحقيقية عندما تُقرأ إلى جانب شهادات أخرى. ومن هنا فإن (جرح وزيتون) لا يطلب من القارئ أن يسلم بكل ما يرد فيه، بقدر ما يمنحه مادة للنقاش وإعادة قراءة مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ المنطقة.

عنوان الكتاب ليس تفصيلًا لغوياً عابراً. فالجرح يستدعي الألم والفقد والحروب والتضحيات، بينما يذهب الزيتون إلى معنى آخر: الجذور، والاستمرار، والحياة، والأمل.وبين هذين الرمزين تتحرك صفحات الكتاب. فالعالم الذي يستعيده خامه يار ليس عالماً هادئاً؛ إنه عالم المنطقة التي عاشت الحروب والانقسامات والثورات والتحولات السياسية والدينية الكبرى.

ومع ذلك يحاول الكاتب أن يبحث داخل هذا المشهد المضطرب عن شيء آخر: إمكانية الحوار حين تضيق السياسة، وإمكانية التعارف حين ترتفع الجدران. وهنا تصبح الثقافة، في تجربة خامه يار، أداة دبلوماسية لا تقل أهمية عن أدوات السياسة التقليدية.

التقريب.. اختبار الثقافة الحقيقي

يحتل موضوع التقريب بين المذاهب الإسلامية مساحة واضحة في الكتاب، من خلال استحضار عدد من الشخصيات التي جعلت من الحوار والتواصل مشروعاً فكرياً وإنسانياً. وهذه المسألة تستحق التوقف عندها، خصوصاً في منطقة دفعت ثمناً باهظاً لتحويل الاختلاف المذهبي إلى وقود سياسي. غير أن قيمة التقريب لا تقاس بكثرة المؤتمرات والشعارات، وإنما بقدرته على الانتقال من المنابر إلى الحياة اليومية، ومن الخطاب الرسمي إلى وعي الناس.

ومن هنا تبدو استعادة خامه يار لشخصيات انشغلت بهذا الهم محاولة لإعادة الاعتبار إلى فكرة أصبحت، في كثير من الأحيان، ضحية الاستقطاب السياسي والطائفي.

ثقافة تتجاوز الطائفة

ومن الجوانب اللافتة في الكتاب حديثه عن مثقفين وأدباء مسيحيين عرب ارتبطوا بالثقافة الإيرانية والإسلامية، مثل جورج جرداق وبولس سلامة وغيرهما. وهنا تبرز حقيقة تاريخية لا ينبغي أن تغيب وسط ضجيج الحاضر: الثقافة العربية والإسلامية لم تكن يوماً ملكاً لطائفة واحدة.

لقد كتب مسيحيون عن الإمام علي، وعن كربلاء، وعن الخيام، وتفاعلوا مع الأدب والفكر الإسلامي والفارسي، كما انفتح مسلمون على الأدب والفكر المسيحي والعالمي. وكان المشرق، في لحظاته الأكثر إشراقاً، فضاءً للتداخل لا للعزل. وهذه ربما إحدى أهم الرسائل التي يمكن أن يلتقطها القارئ العربي من الكتاب.

لا تكمن أهمية مؤلف عباس خامه يار (جرح وزيتون) في أنه يقدم صورة مثالية عن العلاقات الإيرانية العربية؛ فهذه العلاقات أكثر تعقيداً من أن تختصر في الثقافة وحدها، كما أنها محكومة بمصالح سياسية وأمنية وإقليمية لا يمكن تجاهلها. لكن الكتاب يفتح نافذة مختلفة: نافذة الإنسان. فالسياسة قد تصنع الخصومة بين الدول، لكن الثقافة تستطيع أحياناً أن تترك باباً مفتوحاً بين الشعوب. وهذا هو الدور الأصعب للدبلوماسية الثقافية: ألا تكون مجرد واجهة ناعمة للسياسة، وإنما مساحة حقيقية للاختلاف والتعارف وتبادل الأفكار.

أهم ما ينبغي أن نفعله مع كتب الذكريات هو ألا نحولها إلى محاكمات ولا إلى أناشيد مديح. الذاكرة ليست محكمة، لكنها أيضاً ليست معصومة. وما يكتبه خامه يار هو ذاكرة رجل عاش وسط أحداث وشخصيات كثيرة، وقدم شهادته كما رآها وكما بقيت في وجدانه. ولهذا فإن قيمة الكتاب لا تتوقف على الاتفاق معه أو الاختلاف، بل على ما يضيفه إلى الصورة الأوسع.

إن التاريخ الحقيقي لا يصنعه صوت واحد، وإنما تتكون صورته من تعدد الشهادات وتعارض الروايات وتراكم الوثائق والذكريات. وفي هذا السياق تحديداً يكتسب (جرح وزيتون) أهميته. فهو لا يكتب فقط عن أعيان وأزمان، بل عن محاولة لإنقاذ شيء من الماضي قبل أن تبتلعه الذاكرة. وربما هنا تكمن المفارقة الجميلة في العنوان: الجرح يبقى شاهداً على ما حدث، أما الزيتون فيبقى شاهداً على أن الحياة تستطيع أن تستمر.

وبين الجرح والزيتون، يضع عباس خامه يار كتابه أمام القارئ العربي، لا باعتباره خاتمة للحكاية، وإنما شهادة أخرى في تاريخ طويل ما زال مفتوحاً على أسئلة السياسة والثقافة والحوار والمستقبل.

قد يعجبك ايضا