حارس القلعة

سر حان محمد علي الكاكئي

كانت خيوط الشمس الذهبية تودع تلال كركوك وتلقي بآخر أضوائها على
الأحجار القديمة لقلعتها الشامخة حين وقف العم إدريس عند المدخل الأثري
يتأمل المدينة المترامية الأطراف تحت قدميه، وحمل بيده مسبحة خشبية
طالما رافقته في ليالي حراسته الطويلة وصار يمرر حباتها ببطء مع كل
نسمة هواء باردة تهب من جهة السوق العصري المحاذي للموقع التاريخي،
وفي تلك الأوقات بالذات كان يشعر بأن الزمن يتوقف في هذا المكان ليربط
بين ماضٍ مجيد بناه الأجداد وحاضر يتدفق بالحياة والصخب في الشوارع
القريبة.
تنقل العم إدريس بين الممرات الضيقة للقلعة وهو يستذكر الوجوه الكثيرة
التي مرت من هنا والقصص التي رويت بين جدران البيوت التراثية ذات
الأقواس الجميلة، وظن لوهلة أن الأحجار نَفسها باتت تحفظ أنفاس الراحلين
نبرات أصواتهم التي امتزجت بهوية كركوك وتنوعها الثقافي الفريد الذي
يعتز به كل من سكن هذه الأرض المعطاء، وضمن خطاه المتزنة اقترب من
شرفة تطل على منارة جامع النبي دانيال واستمع لرفع صوت الأذان وهو
يمتزج مع أصوات أجراس الكنائس القريبة في لوحة إنسانية رائعة تعكس
روح التعايش والتآخي الدائم بين جميع مكونات المدينة.
وفي ساعة متأخرة من الليل جلس الحارس العجوز على دكة حجرية قريبة
من القبة الكبيرة وأخرج مفكرته الصغيرة التي اعتاد أن يدون فيها خواطره
ومشاهداته اليومية لحماية الذاكرة من النسيان، وبدأ يخط بقلمه كلمات
تفيض بالمحبة والأمل مستلهماً من شموخ القلعة الصبر على تقلبات الأيام
ومؤكداً أن الكلمة الصادقة هي الجسر الحقيقي الذي يربط القلوب ويحفظ
إرث المدن من الضياع، وحين أنهى كتابته ونظر نحو الأفق البعيد رأى تباشير
الفجر الأولى تلوح في الأفق لتعلن عن ولادة يوم جديد مليء بالعمل
والعطاء في أزقة كركوك التي لا تنسى عشاقها.

قد يعجبك ايضا