احداث عاصرتها

محسن دزه ايي

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

الجزء الاربعون

بعد أن سلمت على الحاضرين اتخذت مكاني في المجلس وأستمر النقاش الذي كان دائرًا، وبعد أن شرح أعضاء الوفد الموقف بعد فشل الحملة العسكرية في جبل هندرين وقبول الفئة العسكرية بالأمر الواقع، وبعد أن وضحوا النية السلمية لرئيس الحكومة عبدالرحمن البزاز ورغبته الصادقة في حل القضية الكوردية بالطرق السلمية، أبدى البارزاني استعداده واستعداد قيادة الحزب والثورة في التجاوب مع أية مبادرة سلمية، وأعلن عن موافقته في أرسال وفد يمثل قيادة الثورة الى بغداد للتفاوض مع الحكومة، لأجل التوصل الى صيغة مناسبة لهذا الغرض، وفعلأ فقد توجه الوفد الى بغداد بعد يومين أو ثلاثة من زيارة الوفد الحكومي.

بيان 29 حزيران 1966 أو مشروع البزاز

ذكرت بأن عبدالرحمن البزاز أصبح رئيسًا للوزارة التي شُكلت بعد مقتل رئيس الجمهورية عبدالسلام محمد عارف في حادث الطائرة المروحية في الثالث عشر من نيسان سنة1966 ،وبعد تولي شقيقه عبدالرحمن محمد عارف الرئاسة من بعده، كان عبدالرحمن البزاز رئيسًا للوزارة الاخيرة في عهد الرئيس عبدالسلام عارف ايضأ بعد فشل محاولة الانقلاب التي قام بها رئيس الوزراء الاسبق عارف عبدالرزاق.

كان البزاز من الشباب القـومي المثقف وهو خريج كلية الحقوق العراقية وتسنم مناصب عديدة، وفي شبابه كان من القـوميين المتطرفين وقد أصـبح عميدأ لكلية الحقوق بعد تخرجه منها مباشرة، وفصل من الوظيـفة عدة مرات لنشاطه القومي، وأعتقد بأن آخر منصب قد تولاه قبل ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958 (انقلاب الرابع عشر من تموز) كان منصب مستشار قانوني في حلف بغداد. فقد صادف ان كنت في لندن -كما ذكرت تفاصيل ذلك في الجزء الاول من هذا الكتاب -صبيحة الرابع عشر من تموز سنة 1958، وكان هناك ايضأ وفد من حلف بغداد ومعهم الاستاذ البزاز كمستشار قانوني حسبما أعتقد، وشوهد بعد ذلك في أحد اجتماعات السفارة العراقية بعد قيام الثورة وهو يلقي كلمة ترحيب واشادة بالثورة، وعاد الى عمادة كلية الحقوق، وبعد فـترة وجيزة وبسبب نشاطه القومي اضطر الى مغادرة العراق الى مصر، بعد نشوب الخلاف والعداء بين الجنرال عبدالكريم قاسم والتيار القومي.

 

 

وبعد انقلاب الثامن من شباط سنة 1963 ،وبعد سيطرة عبدالسلام عارف على مقاليد الحكم، عين البزاز سفيرًا للعراق في القاهرة ثم لندن وأخيرأ عين نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للخارجية في وزارة عميد الجو عارف عبدالرزاق سنة 1965، أصبح البزاز بمرور الوقت وبعد هذه التجارب أكثر تفتحًا وأكثر ليبرالية وأصبح يؤمن بالعراقية أكثر من إيمانه بالقومية وزادت الديمقراطية نموًا فيه، وبدأ يفكر فى الحياة البرلمانية ويعتبرها الطريقة المثلى للحكم ويحلم في تطبيقها فى العراق، وخاصة بعد مجيء عبدالرحمن عـارف للحكم كرئيس للجمهورية، وتولى البزاز رئاسة الوزارة ثانية في عهده، وخاصة لكون اللواء عبدالرحمن عارف انساناً مسالماً بطبيعته ولمحدودية امكاناته وتركه المجال أمام رئيس الوزراء والمسؤولين الآخرين، أراد عبدالرحمن البزاز قبل تحقيق طموحه وأحلامه وتسهيلأ لها حل المشاكل العالقة في العراق وتهيئة الجـو المناسب، وكان في مقدمة تلك المشاكل القضية الكوردية.

 

“ومن خلال اصدقاء البزاز القريبين ومنهم من كان من اصدقاء الثورة الكوردية شخص قائدها البارزاني الراحل، علمت بأن البزاز كان في نيته حل القـضيـة الكوردية بطريقة سلمية منذ البداية، أي منذ توليـه رئاسة الوزارة في عـهـد عبدالسلام عارف، الا ان غرور الأخير وحقده على الشعب الكوردي حال دون ذلك، وحاول تنفيذ ذلك بعد مصرع عبدالسلام وبدأ فعلًا ببعض الاتصالات الا انه اصطدم بتعنت العسكريين ورغبتهم فى استمرار القتال”

 

ومن خلال اصدقاء البزاز القريبين ومنهم من كان من اصدقاء الثورة الكوردية شخص قائدها البارزاني الراحل، علمت بأن البزاز كان في نيته حل القـضيـة الكوردية بطريقة سلمية منذ البداية، أي منذ توليـه رئاسة الوزارة في عـهـد عبدالسلام عارف، الا ان غرور الأخير وحقده على الشعب الكوردي حال دون ذلك، وحاول تنفيذ ذلك بعد مصرع عبدالسلام وبدأ فعلًا ببعض الاتصالات الا انه اصطدم بتعنت العسكريين ورغبتهم فى استمرار القتال، وبعد فشل الجيش وهزيمته الكبرى في معركة هندرين ،زالت امامه تلك العقبة فبدأ بمحاولاته من جديد، وكان وجود الوفد الشعبي كما كان يسمى- في كوردستان والذي صادفته ليلة عودتي من ايران في العشرين من شهر حزيران سنة1966 كانت أحدى تلك المحاولات.

نقل الحاضرون من أعضاء الوفد رغبة رئيس الوزراء في حل المشكلة سلمياً ونوقش الأمر من كل جوانبه، وقد حضرت جانباً من الحوار اذ وصل الوفد قبل وصولي بساعات، وحضر الاجتماع الى جانب البارزاني الاخوان ادريس ومسعود وأعضاء المكتبين السياسي والتنفيذي وكذلك عدد من الشخصـيات العسكرية في قوات الثورة كالعقيد عبدالرحمن القاضي وغيرهم، وحضر الاجتماع ايضأ السيد صالح اليـوسفي والمهندس شوكت عقراوي، وكذلك السادة نوري صديق شاوه يس وعلي عبدالله ونوري أحمد طه الذين لم يلتحـقــوا بالمنشقين وفضلوا العودة الى صفوف الثورة الكوردية والحزب، وبعد مناقـشات طويلة أبدى البارزاني رغبة صادقة في التجاوب مع نية الحكومة، وكان البارزاني منذ بداية الثورة- وأعتقد في ثورات بارزان السابقة ايضاً- مستعدًا للتجاوب مع أية بادرة سلمية وبالرغم من الظروف القاسية التي عاش فيهـا بالرغم مما لاقاه في حياته، من النفي والسجن والابعاد والحرمان وبالرغم من انتصاراته الباهرة وخاصة انتصاره الاخير في معركة هندرين، فأنه كان دومًا يفضل السلم على القتال ويخطو خطوات امام كل خطوة سلمية نحوه، انه كان بعيدًا عن العنف بعكس ما أشيع عنه، وانه كان مسالمًا جدًا اذا لم يعتدى عليه، ولكن في حالة الاعتداء عليه وعلى الشعب الكوردي كان يدافع دفاعاً بطوليأ وبكل الاساليب الشريفة المتوفرة لديه، ووافق البارزاني على ايفاد بعض الأخوة للحوار مع الحكومة، وايجاد حل معقول وصيغة مقبولة لحل القضية الكوردية.

 

 

وكانت قد جرت محاولات أخرى واتصالات كثيرة قبل ذلك في عهـد عبدالسلام عارف وبعد مصرعه، ولكنها باءت بالفشل بسبب تعنت السلطة وغرور العسكريين وخاصة في عهد الرئيس عبدالسلام عارف، ففي سنة 1965 قدم وفد كبير ومعهم بعض رؤساء العشائر والفرسان لاسيما الذين كانت علاقاتهم جيدة مع الثورة الكوردية، أمثال فتاح آغا الهركي رئيس عشيرة الهركي وعثمان ميران، وكان يتقدمهم المرحوم محمد حسن دزه يي الذي كانت علاقاته حسنة بالجانبين، ويرغب في إيجاد حل للقضية الكوردية بطريقة سلمية، وقد التقى الزعيم الراحل مصطفى البارزاني بذلك الوفد وحاول افـهامهم رغبة القيادة الكوردية الصادقة، من أجل الحوار بعكس التـفكير العنصـري الجامد والحاقد للمسؤولين وعدم الايفاء بالوعود التي يقطعونها، لذا فأن الثورة الكوردية ستدافع عن نفسها امام هذه النوايا السيئة والاصـرار عليها، وكذلك حـاول محمد حسن دزه يى مرة ثانية ايضأ وذلك بنقل رسالة من الفريق طاهر يحيى رئيس الوزراء، ولكن دون الاقدام على تنفيذ أي وعد كان يقطعه النظام الحاكم، ويظهر بأن الغرض منه كان لكسب الوقت فقط للقـيام بجولة أخرى من العدوان.

وفي نيسان سنة1966 أي بعد مقتل عبدالسلام عارف وقبل معركة هندرين جاء المحامي زيد أحمد عثمان وهو من الشـخصيات الكوردية الوطنية القومية، ومن مؤيدي الديمقراطية الليبرالية، وكان مبعوثًا من قبل رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز، ومن قبل بعض الشخصيات الكوردية امثال بابا علي الشيخ محمود وفؤاد عارف وغيرهما ممن لهم مكانة خاصة عند البارزاني، ونقل رغبة رئيس الوزراء في حل القضية الكوردية سلميأ الا ان العسكريين كـانوا يهيئون لهجوم كبير كما ذكرت وكانوا لايؤمنون الا بالأساليب العسكرية والعنف، لذا باءت تلك المحاولات جميعها بالفشل.

 

“وكان البارزاني منذ بداية الثورة- وأعتقد في ثورات بارزان السابقة ايضاً- مستعدًا للتجاوب مع أية بادرة سلمية وبالرغم من الظروف القاسية التي عاش فيهـا بالرغم مما لاقاه في حياته، من النفي والسجن والابعاد والحرمان وبالرغم من انتصاراته الباهرة وخاصة انتصاره الاخير في معركة هندرين، فأنه كان دومًا يفضل السلم على القتال

 

وأود أن أضيف هنا بأنه في أواخر مارس أو أوائل نيسان من سنة1966 أي قبل مقتل عبدالسلام عارف بحوالي اسبوعين، قدم المرحوم محمود جميل بابان من الاردن عن طريق طهران مبعوثأ من قبل الملك الراحل الحسين بن طلال ملك المملكة الاردنية الهاشمية  ورئيس وزرائه المرحوم وصفي التل، ومن قـبل بعض الشخصيات العراقية المقيمة في لبنان لأيجاد نوع من العلاقة مع قيادة الثورة الكوردية، والسيد بابان من الشخصيات الكوردية المعروفة وكان وزيرًا في آخر وزارة عراقية قبل الرابع عشر من تموز سنة 1958 ،ومن عائلة بابان العريقة ويمت بصلة قرابة لوصفي التل، اذ ان والدة الاخير كوردية تنتمي الى أسرة بابان، وسآتي على تفاصيل ذلك عند بحث العلاقات مع المملكة الاردنية الهاشمية فيما بعد. وكان محمود بابان وبناءً على العلاقات القديمة قد استفسر عن شقيقي أحمد وعني عند أول وصوله ولكنه تعذر علينا مقابلته لبعدنا عن المنطقة آنذاكﹺ.

أعود فأقول، بأنه بعد حوار ونقاش طويلين تم الاتفاق مع الوفد الشعبي القادم من بغداد ليلة العشرين من حزيران سنة 1966 وفي قرية خلان على ارسال وفد كوردي بعد أيام قليلة الى بغداد لأجل الحوار مع الحكم في بغـداد، وفي ساعة متأخرة من الليل اخلد الضيـوف الى الاستراحة والرقاد في الغرف المخصصة لهم في مبنى مدرسة خلان.

وبعد مغادرة الضيوف الى غرفهم أجتمع بي البارزاني منفردأ وفي الهـواء الطلق خارج المبنى وسألني عن سفري والاشخاص الذين التـقيت بهم، ثم عن التحاق شقيقي كاك أحمد بالمنشقين، وكان يظهر متألمًا جدًا عند بحث ذلك الموضوع، ولكنه لم يبد أي استياء بل كان يقول بأنه يريد أن يعرف السبب الذي دفع بأحمد بسلوك ذلك الطريق وأنه لم يكن يتوقع ذلك منه، ولم تصدر منه أية كلمة أواشارة شك حولي، بل كان اللقاء طبيعيًا جدًا وازال كل قلق أو احراج لدي، وأنتهى اللقاء كذلك، ثم سلمت المبلغ الى الاخ ادريس البارزاني عند اشتراكنا في غرفة واحدة لقضاء تلك الليلة في قرية خلان.

قضى الوفد الشعبي تلك الليلة، وفي اليـوم التالي غادر عائداً الى بغداد بعد أن قضى بضع ساعات أخرى معنا، وأذكر حادثة طريفة صادف وقـوعهـا في ذلك اليـوم، فبعد طعام الفطور جرت لقاءات خاصة جانبية وخاصة بين الاصدقاء القدامى، وكان من بين أعضاء الوفد المرحوم العـقيد رؤوف أحمد قادر، وكان أسمر اللون لذا كـان يلقب ب(رؤوف ره ش) أي رؤوف الأسود، وقد جاءنا ضاحكاً، بعد أن اقترب منه أحد شيوخ المنطقة وشاوره ببضع كلمات، وقال لنا رؤوف بأن الشيخ المذكور قد ظنه عربيًا من سحنته الداكنة، وأنه أحد المسؤولين الحكوميين فقال له أرجو ان تبلغ محافظ اربيل وقائد الفرقة تحياتي وتؤكد لهم بأنني من مخلصي الحكومة ولا اؤيد المتمردين.!

بعد مغادرة الوفد عاد كل منا الى مقر عمله على أمل اللقاء في اليـومين القادمين لتشكيل الوفد الكوردي الى بغداد، وكان مقرنا قد انتقل الى قرية (جومان) القريبة من الشارع العام ثم الى قرية (ناوبردان) على الطريق العام (طريق هاملتن) حيث بقينا فيها الى يوم نكسة ايلول بعد اتفاقية الجزائر المشؤومة التي تم عقدها في آذار 1975 بين شاه ايران والرئيس العراقي صدام حسين الذي كان نائبًا لرئيس مجلس قيادة الثورة حينها.

وبعد يومين أو ثلاثة تم تشكيل الوفد برئاسة حبيب محمد كريم سكرتير الحزب وعضوية كل من صالح اليوسفي ونافذ جلال وعلى عبدالله وشخص آخر لا اتذكر اسمه الآن، وغادر الوفد الى بغداد.

ويذكر السيد حبيب محمد كريم في صفحة 108من كتابه (تأريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني -العراق في محطات رئيسية والصادر سنة 1988 والمطبوع في مطبعة خه بات : (بأن الوفد قد تشكل برئاسة حبيب محمد كريم وعضوية كل من علي عبدالله وصالح اليوسفي ونافذ جلال ومحسن دزه يي)، وللحقيقة والتأريخ أقول بأني لم أكن عضوأ في الوفد المذكور ولم أحضر تلك المفاوضات في بغداد والتي اسفرت عن صدور بيان عبدالرحمن البزاز في التاسع والعشرين من شهـر حزيران سنة 1966 ،لكوني كنت عائداً من ايران توًا، ولكني قد نسبت بعد ذلك عضوأ في اللجنة العليا للسلام مع الشهيد نافذ جلال ممثلين للثورة الكوردية، وكان يرأس اللجنة المذكورة اللواء الركن كمال مصطفى الذي كان من اصدقاء البـارزاني ومن اصدقائنا المقربين والذي التحق بالثورة في اوائل سنة 1970، وكان في عضوية اللجنة من الجانب الحكومي كل من عبدالمنعم المصرف متصـرف (محافظ) أربيل واللواء الركن زكي حسين حلمي قائد الفرقة الأولى.

 

قد يعجبك ايضا