احداث عاصرتها

محسن دزه ايي

 

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

 

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

الجزء الثامن والاربعون

 

زيارة ممثل الرئيس ديغول لكوردستان

كنت أتردد خلال السنتين الاخيرتين على  نادي الجمعية البغدادية في محلة الصليخ ببغداد، وكان نادياً جميلاً وهادئاً يديره جمع من الشباب المثقف ،بضمنهم رفعت كامل الجادرجي ومحمود أحمد عثمان (ابن خالتي وصديق الطفولة) وغيرهما من اصحاب الشهادات العالية والمثقفين، ويتردد على ذلك النادي خيرة القوم. في أواخر شهر آب أو أوائل ايلول من سنة 1968 ،أتصل بي صديقي وأبن خالتي المحامي زيد أحمد عثمان هاتفياً عندما كنت في الدار ، وأخبرني بأنه يريد لقائي فذهبت الى داره وجلسنا سوية بوجود شخص أجنبي، فأخبرني بأنه قد استلم رسالة من الشخصية الكوردية المعروفة الدكتـور كامران بدرخان وهو استاذ اللغة الكوردية في أحدى جامعات باريس، وقال بأن بدرخان قد بعث اليه بهذا الشخص الفرنسي ويريد أن يساعده لأيصاله الى كوردستان ومقـابلة البارزاني. وقدم لي الشخص المذكور على أنه (برنارد دوران) ويعمل موظفاً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الفرنسية، وهو مبعوث شخصي للرئيس الفرنسي شارل ديغول، وذلك للأطلاع شخصياً على حقيقة الاوضاع في كوردستان، وكان الرئيس ديغول مهتماً بقضايا الشعوب التي تكافح لنيل حقوقها وحريتها، كما وأرسل مبعوثاً آخر الى بيافرا (نيجيريا) لهذا الغرض، وقد طلب مني زيد العمل لأجل تسهيل ايصال الشخص المذكور الى كورستان، وقال بأن محل اقامتـه في مقر جمعية الشبان المسيحيين في الباب الشرقي ومساءً ذهبنا معاً وبعد برهة قصيرة انصرف زيد الى موعد آخر ،وذهبنا معاً الى الجمعية البغدادية وتناولنا هناك طعام العشاء ولقيت الرجل مطلعاً اطلاعاً واسعاً ودبلوماسياً قديراً ،وبعد تفكير طويل رأيت من المخاطرة في مثل تلك الظروف ايصال مثل ذلك الشخص الذي جاء لذلك الغرض الهام وقد نصحته بأن يسافر الى طهران، وهناك يلتقي بممثل الثورة ويكون ارساله الى كوردستان بسهولة وقد زودته برسالة شخصية الى ممثلنا هناك السيد شمس الدين المفتي وهو من اصدقـائي القدماء وبرسالة أخرى الى البارزاني، وأعتقد أنه كان يحمل رسالة أخرى من الدكتور بدرخان الى البارزاني، وقد سافر المسيو (دوران) في اليوم
التالي وهناك التقى بالمفتي حسب العنوان الذي زودته به ومن هناك سافر الى كوردستان.

 

“في أواخر شهر آب أو أوائل ايلول من سنة 1968 ،أتصل بي صديقي وأبن خالتي المحامي زيد أحمد عثمان هاتفياً عندما كنت في الدار ، وأخبرني بأنه يريد لقائي فذهبت الى داره وجلسنا سوية بوجود شخص أجنبي، فأخبرني بأنه قد استلم رسالة من الشخصية الكوردية المعروفة الدكتـور كامران بدرخان وهو استاذ اللغة الكوردية في أحدى جامعات باريس، وقال بأن بدرخان قد بعث اليه بهذا الشخص الفرنسي ويريد أن يساعده لأيصاله الى كوردستان ومقـابلة البارزاني. وقدم لي الشخص المذكور على أنه (برنارد دوران) ويعمل موظفاً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الفرنسية، وهو مبعوث شخصي للرئيس الفرنسي شارل ديغول

 

التقى (دوران) بالبارزاني وحل ضيفاً عنده وأمضى هناك حسبما أعلم بضعة اسابيع، ولكن عند عودتي الى كوردستان في شهر تشرين الاول، كان قد غادر ولم أراه ثانية الا في صيف سنة 1974، علمت بأنه بعد عـودته الى باريس قد قدم تقريراً مفصلاً وايجابياً جداً الى الجنرال شارل ديغول.

 

في نيسان 1974 سافر وفد كوردي ضم سامي عبدالرحمن وأنا الى خارج كوردستان، للأتصال بالأمم المتحدة والولايات المتحدة والدول الأوروبية وسأذكر تفاصيل تلك الزيارة فيما بعد، عند البحث في عودة القتال سنة 1974 ،لكني أورد هنا مايتعلق بفرنسا وبرنارد دوران مبعـوث الرئيس شارل ديغول، فبعـد العودة من الولايات المتحدة وزيارة الأمم المتحدة سافرنا سامي عبدالرحمن وأنا الى فرنسا، وبعد اجراء الاتصال ببعض الاحزاب والمنظمات والصحف اقام لنا الصحفي الشهير (اريك رولو) الذي كان يعمل في جريدة (لوموند)، الفرنسية مأدبة عشاء في داره ،حضره جمع كبير من الصحفيين والشخصيات السياسية وكذلك بعض المسؤولين وقام بترتيب بعض المقابلات التلفزيونية، وفي أحد اللقاءات مع الامير الكوردي كامران بدرخان ورد ذكر المسيو (دوران) الذي كان قد أصبح سفيراً لفرنسا في طوكيو، ومن حسن الصدف انه كان متواجداً انذاك فى باريس في اجازة خاصة، وأتصل به بدرخان وتواعد معه في اليـوم التالي، ولما كنا على موعد آخر مع وزارة الخارجية في هولندا ذلك اليوم فقد سافر سامي عبدالرحمن وبقيت أنا في باريس للقاء (دوران). وقد سبق وأن طلبنا من الحكومة الايرانية بعض الصواريخ المتقدمة ضد الدروع وضـد الطائرات فأحتجت ايران، بأنها لا تملك مثل تلك الاسلحة وانها لا تمانع من الحصول عليها في مكان آخر ونقلها من خلال ايران، وتمكننا من العثور على أحد تجار الاسلحة الفرنسية فوعدنا بتجهيزنا بما نحتاجه فيما اذا وافقت السلطات الفرنسيـة على ذلك، قابلت المسيو (دوران) في اليـوم التالي ومعي زيد أحمد عثمان الذي كان مقيماً آنذاك في باريس ويؤدي بعض الاعـمال للثورة الكوردية، رحب بنا المسيو (دوران) كثيراً وتحدث عن لقائنا الاول في بغداد وسفره الى كوردستان وذكر انه يبذل جهده لمساعدتنا قدر الامكان وقال بأنه سوف يجري الاتصالات اللازمة ويلقانا ثانيةً، في مساء اليوم نفسه،اتصل بنا المسيو (دوران) وقال بأنه قد رتب اجتماعأ في صباح اليوم التالي مع الجنرال لاكاز (معاون رئيس اركان الجيش الفرنسي) والذي اصبح فيما بعد رئيساً للمخابرات الفرنسية، وثم رئيسا لهيئة اركان الجيش في فرنسا، ذهبنا أنا وزيد أحمد عثمان ومعنا المسيو (دوران) لمقابلته في الموعد المذكور، ودام اللقاء أكثر من ساعة اطلعناه على الوضع في كوردستان والقـتال الدائر هناك تفاصيل الموقف، ويظهر بأنه كان مطلعاً بعض الشيء على تلك الاوضاع وكذلك بحثنا موضـوع الاسلحة، وزودناه بأسم الشركة والتاجر فوعـد بأنه سيدرس الموضوع ويعلمنا النتيجة، وحدد لنا موعداً آخر خلال أقل من اسبوع لمقابلته ثانيةً، اتصلت بسامي وأخبرته بالموعد الجديد لكي يعـود على أن تكمل زيارة هولندا فيما بعد.

 

 

عاد سامي في اليوم التالي، وبعد يوم أو يومين اتصل بنا المسيو (دوران) ثانيةً ،ذهبنا للقاء الجنرال (لاكاز) في مكتبه ومعنا كل من زيد والمسيو دوران وبعد تبادل بعض الاحاديث اخبرنا بحصوله على الموافقة على اقتناء الاسلحة المطلوبة وبسعر زهيـد ومناسب جداً، وكان هذا انجازاً كبيراً لم نكن نتوقع ان نحققه بتلك السهولة، فشكرناه على جهـوده ثم شكرنا المسيو (دوران) على مساعدته الكبيرة لنا، اتصل بنا التاجر الفرنسي وذكر بأن الاسلحة جاهزة وانه ينتظر اسم الميناء الذي سوف يتم الاستلام فيه، اتصلنا بالحكومة الايرانية فأبدى المسؤول استغرابه، ولم يكن يتوقع قط بأنا سوف نعثر على هذه الاسلحة مؤخراً وأن تكون هناك دولة تزودنا بها، وذكر بأنهم قد حصلوا على تلك الاسلحة مؤخراً ،وانها سوف تصل ايران قريباً فلا حاجة لأقتنائها من مكان آخر وسوف تزودنا بها ايران مجاناً. أيقننا بأن في ذلك لعبة ايرانية وانها لا تريد حصـولنا على تلك الاسلحة وانما تتماطل، اذ انها -اي الاسلحة- له تصل الينا مطلقاً!! التقيت بالمسيو (دوران) فيما بعد كثيراً حيث عين سفيراً لفرنسا في لندن في نهاية سنة 1990 ،وكان لقائنا بصورة مسـتمرة نظراً للأوضاع التي استجدت في العراق بعد غزو الكويت، وقد رحب دوران بالسيد مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني عـدة مرات في السفارة الفرنسية، وفي داره وفي كل مرة اقام له الولائم رافعاً علم كوردستان وكان يستقبله استقبال رؤساء الدول، وكنت الاحظ انه كان فرحاً وفخوراً بتلك اللقاءات ويحاول أن يقدم أية خدمة ممكنة للبارزاني، لما لقيه من تقدير وأحترام
وحسن ضيافة في كوردستان اثناء زيارته لها العام 1968من قبل الزعيم الراحل مصطفى البارزاني ومن الجميع. وفي تموز سنة 1994عندما اندلع القتال الداخلي المؤسف بين حزبنا والاتحاد الوطني، استضافت فرنسا في عهد الرئيس فرنسوا ميتران مؤتمراً بين وفـدي الحزبين لمدة أسبوع، كان يشرف عليه السيد دوران -الذي كان قد نقل الى وزارة خارجية- واشترك فيه شخصيات رسمية من الحكومة الفرنسية والولايات المتحدة الامريكية والمملكة المتحدة (بريطانيـا)، وبقي دوران معنا الى نهاية المؤتمر.

 

 

 ففي أواخر شهر ايلول سنة 1968 ،طلبت هاتفياً مقابلة الرئيس البكر، فأستدعيت في اليـوم التالي وبعد مناقشة الاوضاع ابدى رغبته في تقديم بعض الخدمات العامة لمناطق الثورة وقال بأنه لا مانع لديه من قيام افراد من البيشمركة بتنفيذ الاعمال المذكورة دون المساس بأعمالهم الاعـتيادية، ودون طلب تسليم أو وضع أسلحتهم ولامانع من الاحتفاظ بها اثناء تنفيذ تلك الاعمال، ولما طلبت منه أن يبعث برسالة شخصية ال البارزاني بهذا المضمون، امتنع عن ذلك وقال بأنه سيخولني بنقل هذا الكلام لي البارزاني وابلاغه تحياته

 

أعود الى موضوعنا، ففي أواخر شهر ايلول سنة 1968 ،طلبت هاتفياً مقابلة الرئيس البكر، فأستدعيت في اليـوم التالي وبعد مناقشة الاوضاع ابدى رغبته في تقديم بعض الخدمات العامة لمناطق الثورة وقال بأنه لا مانع لديه من قيام افراد من البيشمركة بتنفيذ الاعمال المذكورة دون المساس بأعمالهم الاعـتيادية، ودون طلب تسليم أو وضع أسلحتهم ولامانع من الاحتفاظ بها اثناء تنفيذ تلك الاعمال، ولما طلبت منه أن يبعث برسالة شخصية ال البارزاني بهذا المضمون، امتنع عن ذلك وقال بأنه سيخولني بنقل هذا الكلام لي البارزاني وابلاغه تحياته، واضاف مازحأ- انه يرجو من البارزاني ان يبعث له ببعض التبوغ المحلية الجيدة. ولما كنت أبحث عن حجة لمغادرة بغداد ، فقد كان غرضي الرئيسي من ذلك هو الحصول على تلك الحجة الرسمية فقلت أني سوف أقوم بنقل رسالته الشفوية تلك، وعـدت الى مقر أقامتي وهيأت نفسي لمغادرة بغداد والعودة الى كوردستان في اليوم التالي. كنت قد استأجرت الدار التي كنت أقيم فيها بصورة شهرية وكنت قد دفعت مقدماً بدل الايجار الى نهاية تلك السنة، وفي الصباح الباكر لليـوم التالي، غادرت بغداد بسيـارتي الخاصة من نوع لاندروفر يقودها مرافقي عمر قـادر وعند وصولي نقطة السيطرة في مدخل كركوك لاحظت بأن الجنود ورجال الامن المرابطين في السيطرة على علم بوصولي وأخبـروني بأن متصرف اللواء – المحافظ- ينتظرني في ديوان المتصرفية، فتوجهت اليها حيث استقبلت استقبالاً رسمياً وجلست مع المحافظ مدة نصف ساعة تقريباً نتبادل الاحاديث العامة، وأغتنمت هذه الفرصة فقمت بزيارة نائب المحافظ الشيخ أحمد الشيخ عبدالقادر النقشبندي، زميل دراستي وصديق الطفولة، وبعد مضي بعض الوقت غادرت ديوان المحافظة بتوديع رسمي نحو أربيل.

بعد وصولي أربيل قمت بزيارة ديوان المحافظة حيث التقـيت بالسيد أحمد المفتي الذي كان يتولى منصب متـصرف أربيل وكالة، في غـيـاب المتصرف عـبدالمنعم المصرف الذي كان يتمتع بأجازة طويلة أحيل بعدها على التقاعد، وكان نائب المحافظ سعيد زيني قد نٌقل الى أحد الألوية الجنوبية ثم أحيل على التقاعد ايضاً، وبعد ذلك ذهبت الى داري للتهيؤ للسفر بعد يوم أو يومين، قد رافقتني سيارة مسلحة للشرطة لحين وصولي مناطق الثورة، وكانت تلك هي الزيارة الاخـيرة لأربيل والمناطق التي تقع تحت نفوذ الحكومة لحين توقـيع الاتفاق مع النظام، في الحادي عشر من آذار سنة 1970 أي بعد حوالي ثمانية عشر شهراً تقريباً.
وصلت منطقة القيادة في شهر تشرين الاول من العام 1968 ،وكان مجلس قيـادة الثورة الكوردية قد انتهى من عقد جلساته وأجتماعـاته، ولم يجر التطرق الى أسمي سلباً أو ايجاباً لعدم اشتراكي في الجلسات أو حرصاً من القيادة على مصيري، بعد التحفظات التي ابديتها للأخ ادريس في رسالتي المنوه عنها اعلاه. وقد جرى اضافة اسمي الى المكتب التنفيذي بقرار من المكتب السياسي وحسب رغبة البارزاني، كعضو انيط بي القسم العدلي (القانوني) كالسابق. وهكذا عدت الى حياتي السابقة الطبيعية كعضو في قيادة الثورة وسكنت مناطق القيادة وبدأت بممارسة أعمالي المعتادة.

وكانت باكـورة أعمالي هي تشكيل محكمة التمييز في الثورة الكوردية وترأسها المحامي جرجيس فتح الله، من القانونيين البارعين الاوائل الذي كان قد التحق بالثورة حديثاً بعد اطلاق سراحه من السجن بعد انقـلاب السابع عشر من تموز، وضمت المحكمة في عـضويتها المرحومين هادي رشيـد الجاوشلي وهو من الاداريين القدماء الاكفاء وكان وكيل وزارة الداخليـة  في عهد عبدالكريم قاسم ومن القانونيين القدماء، وكذلك المحامي عمر جلال الحويزي -شقيق الشهيد نافذ جلال- من ضباط الشرطة القدماء ومن الحقوقيين. وكان الاخيران يزاولان مهنة المحاماة في بغداد قبل التحاقهمـا بالثورة الكوردية. وهكذا مرت الايام كان القتال يشتد وتحرز الثورة انتـصارات هائلة على قوات النظام وجميع الموالين لها.
وقامت قوات النظام بشن الهـجمات معززة بالقـوة الجوية في جبهات مختلفة دون احراز أي تقدم. وكانت طائرات النظام الحربية تشن غاراتها على كافة الاهداف المدنية والعسكرية دون تمييز، موقعة خسائر كبيرة في المدنيين، وخلال احدى الغـارات على قـصبة كلاله (مركز ناحية باله ك) تعرضت سـيارتي الشخصية لخسائر بالغة ،عندما كانت في طريقها الى المكان المذكور لأقتناء بعض الحاجيات ونجا مرافقي عمر قادر الذي كان يقود السيارة بأعجوبة.

 

قد يعجبك ايضا