متابعة التآخي
لم يعد الحديث عن الصحة النفسية اليوم ترفاً فكرياًأو شأناً فردياً مغلقاً، بل صار جزءاً من فهمنا العميقلطبيعة الإنسان في عالم متسارع، ضاغط، ومفتوحعلى أشكال متجددة من القلق والخسارة والتغيّر. وفي قلب هذا الحديث تتكرر كلمتان تبدوان للوهلةالأولى متشابهتين: المرونة والتكيّف. لكن الاقترابالمتأني منهما يكشف أن بينهما مسافة دقيقةوحاسمة؛ فليست كل مرونة تعافياً، وليست كل قدرةعلى التكيّف علامة صحة، وليست كل نجاة دليلاً علىقوة داخلية. أحياناً يتعلم الإنسان أن “يتحمل” لالأنه بخير، بل لأنه لم يجد بديلاً. وأحياناً ينجح فيمواصلة الحياة، لا لأنه شُفي، بل لأنه درّب نفسه علىخفض توقعاته من الألم ومن العالم ومن ذاته.
تنبع أهمية هذا التمييز من أن الثقافة المعاصرة تميلإلى الاحتفاء السريع بالإنسان “الصامد”،“القوي”، “الذي لا ينكسر”، وكأن القيمة النفسيةالعليا هي ألا يظهر على المرء أثر ما مرّ به. غير أنهذا الاحتفاء قد يخفي مشكلة أخلاقية ونفسيةعميقة: حين نطالب الأفراد بالمرونة دائماً، قد نكونفي الواقع نبرر استمرار الظروف الضاغطة التيأنهكتهم. يشير مقال في مجلة Psyche إلى أناستعمال كلمة “المرونة” في الحياة العامة كثيراً مايتحول إلى طريقة مريحة للمتكلم كي يطمئن نفسهبأن ما حدث للآخر لم يغيّره حقاً، وأنه لا حاجة إلىمسؤولية أعمق تجاه إصلاح الظروف التي سببتالأذى. فالفرق الجوهري هنا أن التحمل يمكن أنيُطلب من الفرد، أما التعافي فيحتاج إلى دعم.
من هنا تنشأ الإشكالية المركزية: هل تعني المرونةالنفسية أن نعود كما كنا قبل الصدمة؟ أم أنها قدرةعلى إعادة بناء الذات بعد أن تغيّرت؟ هل التكيّف معالضغط دليل نضج، أم قد يكون شكلاً منالاستسلام المقنّع؟ وهل المطلوب من الإنسان أن“ينجو” فقط، أم أن يستعيد قدرته على المعنىوالاختيار والحضور الحي في العالم؟ إن الإجابةالرصينة لا تبدأ بتمجيد القوة، بل بفهم حدودها. فالمرونة النفسية ليست صلابة جامدة، وليست قناعاًنخفي خلفه الانكسار، وليست أمراً أخلاقياً موجهاًللمتعبين: “كونوا أقوياء”. إنها، في صورتهاالصحية، عملية طويلة من الاستيعاب، وإعادةالتنظيم، وتعديل السلوك والتفكير، وقبول المشاعرالسلبية دون الخضوع لها، والتحول من مجرد النجاةإلى إعادة بناء المعنى.
أولاً: المرونة ليست عودة ميكانيكية إلى الوراء
تستعمل كلمة المرونة أحياناً كما لو أن الإنسان يشبهنابضاً معدنيّاً: يتعرض للضغط ثم يعود إلى وضعهالسابق فور زوال المؤثر. وهذا التصور، وإن بدابسيطاً وجذاباً، لا يصف التجربة الإنسانية بدقة. فيالهندسة قد تعني المرونة سرعة عودة النظام إلى خطأساسه بعد اضطراب؛ كجسر يتوقف عن الاهتزازبعد زلزال أو شبكة كهرباء تستقر بعد خلل. لكن فيالحياة النفسية والاجتماعية، لا يعود الإنسان غالباًإلى “النقطة نفسها”. التجربة القاسية لا تمرّ منفوقه دون أثر؛ إنها تعيد تشكيل رؤيته لذاته، علاقاته،أولوياته، وإحساسه بالأمان.
من يجب التمييز بين المعنى الهندسي الضيقللمرونة، بوصفها عودة إلى الاتزان، والمعنى البيئيالأعمق، بوصفها قدرة النظام على امتصاصالاضطراب وإعادة التنظيم والاستمرار مع احتفاظهبهويته، ولو في صورة متغيرة. وهذا التمييز مهمنفسياً؛ لأن الإنسان لا “يرتد” ببساطة بعد الفقد أوالمرض أو الخيانة أو الحرب أو الفشل أو الاحتراقالوظيفي. إنه يتغير. وقد يكون التغير جزءاً منالشفاء، لا دليلاً على الفشل في العودة.
لذلك، فإن عبارة “تجاوز الأمر وعد كما كنت” قدتكون مؤذية بقدر ما تبدو مشجعة. فهي تفترض أنالتعافي الحقيقي هو محو الأثر، بينما التعافي فيكثير من الأحيان هو تعلّم العيش مع الأثر دون أنيتحول إلى سجن. من يفقد عزيزاً لا يعود الشخصنفسه تماماً، ومن يتعرض لصدمة لا يصبح مطالباًبإثبات أنه لم يتأثر. في التجربة الإنسانية، الندبةليست دائماً عيباً؛ قد تكون شاهداً على أن الجسدالنفسي انفتح وتألم ثم بدأ يلتئم بطريقة جديدة.
والخطأ الشائع في خطاب المرونة أنه يخلط بينالنجاة والتعافي. النجاة هي أن نستمر رغم الألم. أما التعافي فهو أن نستعيد شيئاً من القدرة علىالحياة لا مجرد البقاء. النجاة قد تكون صامتة،متوترة، قائمة على الكبت والتخدير والانشغالالمستمر. أما التعافي فيتطلب وقتاً، رعاية، اعترافاً،دعماً، وحدوداً جديدة. لا يكفي أن نقول لمن تحملكثيراً: “أنت مرن”. ربما يجب أن نسأله: “ما الذياحتجت إليه ولم تجده؟ ما الذي كان يمكن تغييره كيلا تضطر إلى هذا القدر من التحمل؟”.
ثانياً: حين تتحول المرونة إلى استسلام
الخطر الأكبر في سوء استعمال مفهوم المرونة هو أنهقد يتحول إلى أداة لتطبيع الألم. في بيئات العملالقاسية، في الأسر المضطربة، في المجتمعاتالمأزومة، وفي المؤسسات التي لا تعترف بإنهاكأفرادها، قد تُستخدم المرونة ككلمة أنيقة تعني عملياً: “تحمّل أكثر، ولا تطلب تغييراً”. هنا لا تكون المرونةفضيلة، بل تصبح شكلاً من أشكال الاستسلامالمغلف بلغة إيجابية.
حين يعتاد الفرد على ضغوط مزمنة لا يستطيعتغييرها، قد يطور استجابات نفسية تساعده علىالاستمرار: تقليل الحساسية تجاه الأذى، كبتالغضب، خفض سقف التوقعات، تجنب المواجهة،إقناع الذات بأن “هذا طبيعي”، أو تحويل الألم إلىإنجاز. تبدو هذه الاستجابات من الخارج صموداً،لكنها قد تكون في العمق تكيفاً قسرياً. والفرق بينالتكيف الواعي والتكيف القسري أن الأول ينطلق مناختيار نسبي وإدراك للواقع والبدائل والقيم، أماالثاني فينشأ حين يضيق العالم أمام الإنسان حتىلا يرى سوى البقاء بأي ثمن.
إن التكيف القسري لا يقول: “أنا أقبل الواقع لأننيأفهمه وأتعامل معه بوعي”، بل يقول: “لا أملك إلا أنأقبل، وإلا انهرت”. في هذه الحالة، قد يتعلمالإنسان العمل تحت ضغط دائم حتى يفقد القدرةعلى الراحة. قد يعتاد علاقة مؤذية حتى ينسى معنىالأمان. قد يتكيف مع القلق حتى يظنه جزءاً منشخصيته. وقد ينجح في أداء مهامه، لكنه منالداخل يبتعد تدريجياً عن ذاته.
وهنا يظهر الفرق بين الصمود الحقيقي والاستسلامالمقنّع. الصمود الحقيقي يحافظ على علاقة الإنسانبقيمه وحدوده وكرامته، حتى وهو يغيّر خططه. أماالاستسلام المقنّع فيجعله يتخلى عن هذه القيموالحدود باسم “الواقعية”. الصمود الحقيقي يسمحبطلب المساعدة، وبالاعتراف بالتعب، وبمراجعةالظروف. أما الاستسلام المقنّع فيحوّل الألم إلىهوية: “أنا هكذا، أتحمل دائماً”. الصمود الحقيقييفتح المستقبل، أما التكيف القسري فيضيقه.
لذلك من الضروري أن ننتبه إلى أن استمرار الفردفي أداء دوره لا يعني أنه بخير. الإنسان قد يعمل،يبتسم، يعتني بالآخرين، وينجز، ومع ذلك يكون فيحالة استنزاف عميق. بل إن بعض أكثر الناس قدرةعلى الاحتمال هم الأكثر احتياجاً إلى الرعاية؛ لأنهمتعلموا مبكراً ألا يطلبوها.
ثالثاً: المرونة كعملية إعادة بناء لا كصلابة
المرونة النفسية ليست “قوة صلبة”. فالصلابة قدتنكسر حين يشتد الضغط، أما المرونة فتتضمنالقدرة على الانحناء دون فقدان الجذر. الصلابةتقول: “لا أتأثر”. المرونة الصحية تقول: “أتأثر،لكنني أستطيع أن أتعامل مع الأثر”. الصلابة تنكرالمشاعر السلبية، أما المرونة فتقبل وجودها دون أنتسمح لها بقيادة السلوك كله. الصلابة تقاوم التغير،أما المرونة فتعيد بناء الذات داخله.
تؤكد أدبيات علم النفس أن المرونة ليست سمة ثابتةيولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون، بل هيعملية ديناميكية تتشكل عبر التفاعل بين عوامل فرديةواجتماعية وبيولوجية وثقافية. يعرض كتاب “The Psychology of Resilience” أن المرونة النفسيةتتضمن أبعاداً معرفية وانفعالية مثل التفاؤل، المرونةالإدراكية، تنظيم المشاعر، واستخدام استراتيجياتمواجهة فعالة، كما تتداخل مع عوامل بيولوجيةواجتماعية وثقافية تشمل الدعم الاجتماعي والمواردالمجتمعية والسياسات والسياقات التي يعيش فيهاالفرد.
هذا الفهم الديناميكي مهم لأنه ينقلنا من سؤالضيق: “لماذا هذا الشخص قوي؟” إلى سؤال أعمق: “ما العوامل التي ساعدته على الاستمرار؟ وماالعوامل التي يمكن بناؤها لمن لم يحصل عليها؟”. فمرونة الفرد لا تنفصل عن البيئة. الطفل الذي يجدبالغاً آمناً، والموظف الذي يجد إدارة عادلة، والمريضالذي يجد رعاية، والناجي من صدمة الذي يجد منيصغي دون حكم؛ هؤلاء لا يملكون “قوة داخلية”مجردة فقط، بل يستندون إلى شبكات دعم تجعلالتعافي ممكناً.
يشبه الأمر استعارة العضلات: التمرين يحدثتمزقات دقيقة، لكن النمو لا يحدث بسبب التمزقوحده؛ يحدث لأن الجسم يحصل بعده على الراحةوالغذاء والرعاية. الضغط دون تعافٍ لا يصنع قوة، بليراكم إصابة. وبالمثل، الألم النفسي لا يصنعالإنسان تلقائياً؛ الاستجابة الواعية، والدعم، والوقت،والرعاية هي ما قد يحول التجربة إلى نمو.
لهذا لا يصح أن نقول للناس إن كل محنة ستجعلهمأقوى. بعض المحن تكسر، وبعضها يترك أثراً طويلالأمد، وبعضها يحتاج علاجاً متخصصاً. الأصح أننقول: إن الإنسان قد يجد، في ظروف معينةوبمساندة كافية، طريقة لإعادة البناء. وهذا الفارقليس لغوياً فحسب، بل أخلاقي أيضاً؛ لأنه يمنعنا منتمجيد المعاناة أو تحميل الضحية مسؤولية عدمتحولها إلى “قصة ملهمة”.
رابعاً: التكيف الواعي والتكيف القسري
التكيف في ذاته ليس مشكلة. بل هو ضرورة للحياة. لا يستطيع الإنسان أن يعيش إذا رفض كل تغير، أوأصر على خطة واحدة، أو تعامل مع كل اضطراببوصفه تهديداً مطلقاً. التكيف الواعي يعني أننلاحظ تغير الظروف، نراجع استجاباتنا، نبحث عنبدائل، ونعدل تفكيرنا وسلوكنا بما ينسجم مع قيمناوقدراتنا والواقع الجديد.
وفي جانب آخر يمكن التمييز بين المرونة والتكيفعلى نحو مفيد: المرونة ترتبط غالباً بالتعامل معالشدائد والعودة أو إعادة الاستقرار بعدالانتكاسات، أما التكيف فهو الاستعداد والقدرة علىتعديل السلوك في مواجهة شروط متغيرة؛ ويتضمنملاحظة التغيير والبحث عن مقاربات وبدائل جديدةللاستجابة له. فالمرونة تميل إلى أن تكون مفهوماًنفسياً وانفعالياً، بينما يظهر التكيف بصورة أوضحفي السلوك وتعديل الممارسات.
لكن التكيف لا يكون صحياً إلا إذا ظل متصلاًبالوعي والاختيار. فهناك فرق كبير بين من يغيرطريقته في العمل لأنه اكتشف أسلوباً أكثر ملاءمة،ومن يضاعف جهده لأنه يخاف العقاب. هناك فرقبين من يقبل مرحلة صعبة مؤقتة وهو يعرف حدوده،ومن يعيش في ضغط دائم ويقنع نفسه بأنه لايستحق الراحة. هناك فرق بين من يتنازل عن تفصيلصغير حفاظاً على علاقة مهمة، ومن يتخلى عنكرامته كي لا يخسر علاقة مؤذية.
التكيف الواعي يطرح أسئلة مثل: ما الذي تغير؟ ماالذي يمكنني التحكم فيه؟ ما الذي يجب أن أقبلهمؤقتاً؟ ما الحد الذي لا أريد تجاوزه؟ ما القيمة التيأريد أن أبقى وفياً لها؟ أما التكيف القسري فيحدثغالباً بلا أسئلة؛ إنه استجابة تلقائية للخوف، أوللعجز، أو للتعود الطويل على الألم.
ولهذا يصبح التوازن النفسي مرهوناً بقدرتنا علىالتمييز بين “التقبل” و“الاستسلام”. التقبل لا يعنيالرضا عن الظلم أو الألم، بل يعني الاعتراف بوجودما لا نستطيع تغييره فوراً كي لا نهدر طاقتنا فيإنكار الواقع. أما الاستسلام فهو التخلي عن الفعلوالمعنى والحدود. التقبل الواعي قد يكون بدايةالتغيير، أما الاستسلام فيغلق بابه.